islamaumaroc

وطن التحدي.

  دعوة الحق

227 العدد

وإن أهم الخصائص والسمات البارزة التي تطبع وتميز العهد الحسني العظيم. خاصية التصميم والعزم على استكمال الأجزاء المغتصبة من وطننا الخالد. واسترداد حقوقه التاريخية الثابتة. وتصحيح المسار الحضاري لأمتنا العريقة التي عرفت وتعرف دائما كيف تضحي وتجدد بأرواح أبنائها في سبيل عزتها وشرفها وكرامتها التي لا تقبل الانتقاص من مكانتها ومنزلتها. وترفض المساس بجوهرها وبريقها النضالي الدائم وتأبى الافتئات على حقوقها ومسؤوليتها الروحية والحضارية والقومية والإنسانية.
ففي هذا المجال بالذات. الذي يشكل قمة العمل والجهاد الوطني المستمر من أجل عزة المغرب ودوام مجده واستمرار عبقريته. حمل الحسن الثاني ـ منذ اصطفاه الله عز وجل لقيادة الوطن وتقلد زمام الأمة بالحماس والعزيمة والحكمة والتبصر ـ لواء الحرية والتحرر. وقاد مسيرة شعبه الوفي في طريق التقدم  والتطور لكل حقل من حقول الحياة. واستنهض همة أمته ليرقى بها إلى ذروة الاعتزاز والافتخار وقمة الإحساس والشرف وعنفوان الشعور والقدرة على تفجير الطاقات والإمكانيات وتسخيرها من أجل تحقيق المصالح الوطنية العليا. وفي مقدمتها تحرير المناطق السليبة من ترابنا الوطني وتشمير السواعد والقدرات الفكرية للبناء الاقتصادي والاجتماعي الفكرية للبناء الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطي.
وجلالة الملك الحسن الثاني في هذا السياق. إنما يمثل امتدادا حضاريا عميق الأثر بعيد الصدى للبطولات الجهادية التي خاضها وقادها أجداده المنعمون الذين لم يكن يطمئن لهم بال ولا يقر لهم قرار. حتى تتطهر البلاد مشرقا ومغربا وشمالا وجنوبا ـ من دنس الاحتلال والاغتصاب والافتتان. وتتوحد مناطقها وأجزاؤها مهما بعدت وتلتقي الأمة الواحدة الموحدة على صعيدها الطاهر الذي تنعم فيه الأمة بحرية موقفها وسيادة قرارها واحتيارها. وتمتلك فيه زمام نفسها امتلاكا كاملا تاما. يؤهلها للاستمرار في القيام بمهامها ومسؤولياتها المتعددة في التاريخ والحضارة والفكر. ليس فحسب على مستوى إقليمي ضيق. بل وفيما يجاورها من مناطق تنتمي إليها بالعقيدة أو باللغة أو بالأرض.
وإن طرفة يجيلها المرء بنظره على المغرب في أواخر الخمسينات ويقارن بينها وبين ما أصبح عليه وطنه من امتداد سياسي وجغرافي وروحي في شتى المجالات والآفاق لتدل الجهود وتعكس الجهيدة والتضحيات الجسيمة التي بذلها الحسن الثاني لكي يجعل المغرب ـ كما كان في الماضي ـ البلد المؤمن والقوي والصامد والقادر على التحدي وكسب الرهان في كل معركة يخوضها أو مواجهة يقتحم غمرانها. والبلد المشع الذي لا يصدر الثورات إلى الغير. ولا ينصر القضايا العربية والإسلامية بحفنات من الدولار وشعارات جوفاء خالية من أي مضمون حقيقي ولا يدافع عن مصير وكيان الأمة العربية والإسلامية بمحض المشاعر والأفكار. ولكنه يصدر القيم والمبادئ النبيلة التي تؤصل الخطوات الصادقة على طريق التقدم والحضارة والرقي وينصر القضايا بالقول والفعل والعمل المستمر. ويدافع عن الكيان والمصير العربي والإسلامي بالمشاركة الفعلية والمساهمة العملية في درأ الأخطار عن الشعوب العربية والإسلامية وحماية حقوقها ومطالبها العادلة ويتصدى للأعداء والخصوم بعقل متفتح وموقف حكيم وضمير حي وسياسة رشيدة وحوار بناء وتمسك دائم بالمسؤوليات والالتزامات.
وانطلاقا من هذه الرؤية الوطنية والقومية والإنسانية العميقة والوفية للمبادئ والمثل العليا التي يرتكز عليها تاريخنا الوطني على امتداده العريق. وتستند عليها حضارتنا العربية والإسلامية الزاهرة الأصلية. كانت أولى المهام التي تصدرت الفكر الحسني. واستولت على حظ غير ضئيل من الاهتمام والانشغال. واستحوذت على جل الجهود والمبادرات والتحركات الحسنية مهمة التحرك الجاعل على جميع المستويات في سبيل استكمال الوحدة الترابية وربط الحاضر بالماضي. وانتزاع الحق العادل من أيدي الغاصبين وحمايته من عبث العابثين وتلاعب الحاقدين الحاسدين ودعمه وتعزيزه بمشاريع النماء والرخاء تعويضا له عما لحقه على يد المحتلين من إهمال وتقصير وعما شابه طوال عهود الاحتلال والاغتصاب من إغفال وازدراء قعدوا به عن اللحقا بركب التقدم والنمو الاجتماعي والفكري.
واليوم. وقد تحققت الوحدة الترابية لبلادنا. إلا من بعض الثغور التي تزال ترزح بير الاحتلال في الشمال المطل على البحر الأبيض المتوسط والتي نرجو أن تتفهم اسبانيا تفهما عميقا ومتجردا من الأطماع والأهواء الاستعمارية حقوق المغرب العادلة والمشروعة في توحيد ترابه واستكمال سيادته. فإن المغرب يتأهب لمواجهة المستقبل وتحدياته وقضاياه المصيرية. بإيمان أقـوى واشد من ذي قبـل. لأن السيادة الكاملة للأمـة. تملي عليها المزيد مـن الالتزامـات والمسؤوليات والواجيات وتفرض عليها الاضطلاع بأدوار قيادية في المحيطين القومي والدولي. وتنصرف فيها الجهـود بالدرجة الأولى إلى استعادة الحقوق العربيـة السلبية. وتحرير الذات العربية مـن التراكمات والضغوط التي تعوق مسيرة الأمة وتشل قدرتها على الحركة والمبادرة والعمل المثمر الذي يوفر للفرد والجماعة في آن واحـد ضمانات الحياة الحرة الكريمة الآمنة.
ومن الواضح الذي لا يحتاج إلى براهين أو قرائن أن وحدة المغرب. كانت ولا تزال وستظل بحول الله ومشيئته من إرادة العرب والمسلمين كافة. وقوته إضافة جديدة ومؤثرة إلى القوة العربية والإسلامية التي خاضها المغرب باستبسال واستماتة وشموخ، وإباء في سبيل وحدتـه الترابية والوطنية. كانت في الواقع معركة عربية وإسلامية في وسائلها وأدواتها. وفي غاياتها وأهدافها وستظـل هـذه المعركة معلمة بارزة في التاريخ العربي والإسلامي. ومنعطفا خالدا في أسلـوب وطريقة التحرير والجهاد والنضال العربي والإسلامي من أجل الوحدة.
ولعل البعض من الأشقاء العرب الذي عاكس المغرب وناوأه فيما قام وبادر إليه من تحرير لمناطق محتلة من ترابه. ولم يكن واعيا مدركا بما فيه الكفاية للمعنى والبعد العربي والإسلامي الذي يطبع هذه المعركة الوحدوية وإلا لكان قد وقف إلى جانب المغرب في جهاده التحرري. وسانده في موقفه وقراره. وأيده تأييدا مطلقا في جهوده السياسية والدبلوماسية والعسكرية لاستعادة الحق المغصوب واسترداد الجزء المسلوب.
ولكنها حكمة الله في أن يرى المغرب رأي العين بعض الأشقاء الذين كان لهم بالأمس البعيد والقريب عونا وظهيرا في كفاحهم من أجل الاستقلال يتنكرون له، ويديرون له ظهرهم. ويكنون له العداء السافر ، ويضمرون له الحقد والحسد لا لأمر سوى أنه أعاد للأسرة العربية والإسلامية كرامتها المهدورة. واستعاد لها شرفها المغتصب واسترد إليها جزءا من كيانها كان الباطل فيه يصول ويجول حتى جاءت كلمة الحق على يد المغرب البلد العربي المسلم المؤمن بربه ودينه ورسالته الإسلامية والإنسانية الخالدة. والوطن التواق أن يعيش العرب والمسلمون كافة حياة حرة كريمة وضريفة تنهض فيها الأمة بواجباتها وتنعم بحقوقها وتضطلع بمسؤولياتها والتزاماتها حتى تعود إلى الإسهام في بناء الحضارة البشرية المهددة بأخطار جسيمة لا تمس فقط كيانها ووجودها. ولكن تمس كذلك العقيدة والمبادئ والقيم التي لم تستقم بدونها حياة الإنسان في الماضي. ولا يمكن أن تستقيم بدونها في الحاضر والمستقبل.
ولكت ـ المغرب بعزيمة العرش والشعب والتحامها المثالي الذي يعود إلى أربعة عشر قرنا من الزمان استطاع أن ينتصر التحدي الاستعماري البغيض. ويتغلب على عوائقه وحواجزه الظاهرة والمبطنة. ويفشل دسائسه ومكائده الخبيثة. ويجابه بثبات وصمود واستبسال نادر مؤامرات ومناورات الاستعمار القديم والجديد المغلف بالدعاوي الزائفة والشعارات الفارغة الجوفاء. ويتصدى لأعداء العرب والمسلمين تصدي البلد المؤمن الراسخ الإيمان الواثـق في وعد ربه الذي لا يخلف الوعد للمؤمنين الصادقين بالنصر المكين والفوز المبين. ويصد هجمات المأجورين والمرتزقة الذين لا يستخدمون فقط أحدث العتاد وأفتك السلاح في الميدان. بل ويعملون جاهدين ـ كما يعمل أسيادهم ـ على ترويج الأفكار والتصورات المهدوسة التي تهدم حاضر ومستقبل وحاضر الإنسان. وتلغي إنسانيته وتنفي ذاتيته وترفع عنه المسؤوليات والالتزامات. وهي الأفكار والتصورات التي يتم استيرادها من الخارج كما تستورد أدوات التجميل والتزيين لكي تهيمن على الشخصية والذاتية العربية والإسلامية للمغرب.
وللأسف. فإننا قلما نهتم بالجانب الفكري والعقائدي وإلى خطورته في معركتنا التحررية والوحدوية. فالسلاح مهما بلغت دقته وكيفما كان شكله وحجمه ليس سوى أداة واحدة من أدوات الحرب التي لا تعرف ميدانا واحدا. ولكنها تحدث وتقع في ميادين شتى والجانب الروحي والفكري ذو دور أكثر خطورة وجسامة من السلاح الآلي في المعركة لماذا؟ لأن البندقية والقنبلة والمدفع والصاروخ يقتل الجسد ولا يقتل الروح. بينما الأفكار والمفاهيم والقيم الشائهة الماسخة تقتل الضمير والوجدان وتشوه الشخصية وتعبث بالمبادئ والقيم العريقة الأصيلة ومن هنا تنبثق خطورة الفكر في حرب المواجهة.
ومعركة المغرب في استكمال وحدته الترابية وإعادة الزمام الاستراتيجي إلى قراره المستقل في المبادرة والاختيار، كانت ولا تزال معركة روحية وفكرية في عمقها وجوهرها وفي أهدافها وأبعادها وهو ما لا يمكن أن نفعله أو نتغاضى عنه كيفما كانت الأحوال والأشكال.       
فطوال سبع سنوات من الصراع المحتدم تكالبت علينا وتهافتت أطماع صاحبت معها أفكارا هدامة كانت تحاول أن تصور هذا الصراع تصويرا باهتا يزعم مزاعم وأباطيل ويدعي أكاذيب وأضاليل هدفها إفراغ جهادنا العربي والإسلامي الحميم والملتزم بالوحدة والتحرر من محتواه المقدس. وهو عندي أهم وأجل من أي محتوى آخر مهما بلغ من حدود.
ولكن الله عز وجل أراد أن يجعل كلمة المشركين هي السلفى وكلمته هي العليا وانتصرت إرادة المغرب لأنها إرادة مستمدة من الحق. والحق يعلو ولا يعلى عليه !!
ومن الخطأ الفادح أن نتصور أن معركتنا المصيرية قد انتهت أو سوف تنتهي بعد عام أو بعد قرن من الزمن ومن الغفلة أن نتوهم أن حربنا الحاسمة والفاصلة ضد الأعداء والخصوم قد وضعت أوزارها. وأن آفاق التسوية ـ كما يقال ـ بدأت تلوح في الأفق مبشرة بالانفراج. فمعركة من هذا النوع وهذا الحجم وهذه الأبعاد لا تنتهي ولا يوضع لها حد بجرة قلم على قرار سياسي أو عسكري.
هل هـو تشاؤم؟ كـلا لأن أعـداءنا وخصومنا ليسوا سـوى امتداد ساخر وصـريح لأعدائنا وخصومنا الصليبيين في معركة وادي المخازن ـ مثلا ـ الذين تواطؤوا مـع الخونة وضعاف النفوس لكي يعـودوا بالمغرب إلى عهـود العبوديـة والاستغلال والوثنيـة الفكرية والكفر السياسي  والمذهبي والعقائدي.
وهم امتداد كذلك لأجداد وأسلاف أرادوا أن يمزقوا المغرب مزقا ويشتتوا وحدته في كل مجال يوزعوا فيه بذور الطائفية والفتنة والشغب. ويهمشوا دوره التاريخي والحضاري والروحي فباءت محاولات هؤلاء وأولئك جميعا بخسران مبين. لأن أمة المغرب تعرف كيف تصمد وتتصدى وتشمخ بقامتها التاريخية وتتحدى وكيف تثبت على مبادئها ومقدساتها. وتقف وقفة رجل واحد لا يهاب الموت ولا يخشى الشهادة ويقبل عليها إقبال المحب المفتون بجلال الوطن وطهارة التراب وقداسة الأرض!
ولذلك فالأعداء والخصوم الذين قدمهم لنا التاريخ بالأمس القريب والبعيد على حقيقتهم كمتآمرين ومناورين لا يعرفون حدودا ولا يحترمون ميثاقا ويثبتون على مبادئ سيعود التاريخ مرة أخرى ليقدمهم لنا في صور وأشكال جديدة فيها لمعان كاذب. وبريق أجوف ووميض خداع وماكر. ولكنها تنطوي في أعماقها على أطماع ومطامع متشابهة ومتقاربة. إن لم تكن أشد حدة وقسوة وضراوة بعد أن تتعدد أسلحة العصر. وتتجدد آلاته وأدواته وتنفتح الشهية لمزيد من الابتزاز والابتلاع والقضم. وبعد أن تتنوع أساليب وأنماط الهجوم والكر والفر، ويصبح العداء السافر الصريح للقيم والمبادئ والالتزامات والمواثيق خلقا مستحكما في النفوس والطبائع. ويغدو التنكر للماضي والحاضر والمستقبل والمصير المشترك قاعدة تاريخية ثابتة. لا يرجى خير من التراجع عنها ولا يؤمل رجاء من كمدها إلى غير عودة.
إن الشعب المغربي حين يحتفل بذكرى عيد العرش. تثار في ذهنه ضمن ما يثار, مثل هذه الخواطر التي يستعصي على الذاكرة الوطنية والتاريخية نسيانها. لأنها مستمدة من صلب التلاحم والتجاوب الدائم والعميق بين الشعب والعرش وهو التلاحم الذي طالما أثار حفيظة الحاقدين, وحرك مشاعر الحاسدين، وحرك العداء والبغضاء على أمة عرف تاريخها طوال العصور والحقب بالدفاع عن نفسها وذاتها. بكل ما يشكل هذه الذات من قيم روحية أصيلة. وتقاليد إنسانية عريقة وفضائل بشرية وبحماية وحدتها ومصيرها وكيانها ورعاية حقوقها رعاية كاملة تامة لا يشد بها ضعف أو استكانة أو استسلام أو استرخاء. بل نضال مستمر وكفاح دؤوب وجهاد دائم وعمل دائب من أجل أن ينتصر الحق، وتستقر العدالة والسكينة، وتستتب أمور الأمن السلام في ربوع الوطن الواحد الموحد.
صحيح إن أمة المغرب المؤمنة الصاعدة الصابرة تعرف كيف تصفح وتعفو عن المسئ وتسمو على الصغائر. وتعرف كذلك كيف تتسامح وتفضي حياء وعفة وكبرياء. ولكنها أبدا لا تتنازل عن قلامة ظفر من حقها وروحها وذاتها وكيانها. وهذا هو الفرق بينها وبين بعض الشعوب التي تعيش على هامش التاريخ وتعيش لحظتها التاريخية وهي محكومة بالضغوط والتراكمات والسلبيات. أما المغرب. فإنه من بين تلك الشعوب والأمم التي عاشت ماضيها بالتحدي وتعيش حاضرها بالتحدي وستعيش مصيرها وقرها بالتحدي الذي لا يلين ولا يهدأ ولا يستكين ولا يحني قاماته أمام العواطف والهزات. وإنما يرفع هامته استعلاء على الصغائر لأنه موطن التحدي الذي يتطلع على الدوام إلى ما هو أكبر وأعمق وأبعد في التاريخ والحضارة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here