islamaumaroc

الوحدة الإسلامية في التصور الحسني

  دعوة الحق

227 العدد

تنهض الدولـة العلوية المغربية، في أيديولوجيتها وتصـرفها السياسي، على أقوى عمـد الرسوخ والتمكين، ألا وهو عمـاد الدين الإسـلامي.. ذلك ظاهـرة تاريخية واقعـة، ومستمرة الحلقات مترابطـة، وهي ظاهـرة لا تستدعي الجـري وراء برهنـة أو استحضـار شواهـد، وهـل يستدل على ضيـاء الشمس؟!.
والملفت إلى التسجيل، دأب ملوكها المتأخرين، فـي صدق وحـزم، على رعاية هـذا المقوم وجعلـه الربـاط المقدس الذي يزيـد وجود المغاربـة ظهورا زكيـا وعطاء دفاقـا طيبا.. وعلى الخصـوص في فترنـا هذه التي نعيـش فيها وقـد تنكرت كثرة كاثـرة من الحكـام ـ في بلاد الإسـلام ، للرابـط الديني المتين، فأعرضـوا عن التشبث به، وعـن حراسته...! ومن هـذا السقوط المهلك حـذرـ من قبل ـ المغفـور له محمد الخامس ـ رحمه الله تعالى ـ في كلمـة توجيهيـة بثها عنـد قـدوم سنة 1975، قـال:
«مـا أحوج العالم المؤمـن بالقيم الروحية في مثـل هذه المناسبة التي تظلنـا اليوم أن يستيقظ فيه صـوت الحق الذي بشر به الأنبياء والرسل، وأشـاد به دعـاة المثل العليا وأنصارها...» .
ويدعـم جلالـة الملك الحسن الثاني هـذا التصـور المستقيـم، والمبـدأ السليـم، بتذكير أقـوم، قال جلالتـه:
«أرى من أقـدس الواجبات التي يتحملها ملك بـلاد وأمير المؤمنين صـرف العناية السابعـة لشؤون المواطنين ما تعلق منها بدنياهم وما يتصل بأسباب دينهم، وإبلاء الجانب الروحي الاهتمام الذي تحتمه طبيعة مجتمعنا باعتبارنا دولة إسلامية تقوم قواعدها على أساس التعلق بالدين والاحتكام إلى مبادئه وشريعته الغراء » (1 ).
ذاك واجب لا يغتفر ـ لأي مسؤول ـ العقود دون الإبقاء بمقتضياته فهو الأوكد والأسبق والأهم في عملية بناء الدولة والمجتمع حسب مبادئ الرسالة المحمدية، فقد (اقتضت حكمة الله أن يضع على عاتق خلفاء المسلمين وأمرائهم أمانة خلافته في الأرض فجعل بذلك على رأس مهامهم مسؤولية الذود عن الشريعة والحفاظ على الدين وحماية المجتمع الإسلامي من كل زيغ أو ضلال مبين» (2 ).     
وانبثاقا من هذا الإيمان انطلق جلالة الملك الحسن الثاني يشيع ـ في الجمع ـ آداب الإسلام السمحة محللا في تعليله تربط الإسلام بالمسببات. أنه يتقدم بعزم كامل ناصحا مرشدا.
«فقد حفظ كتاب الله كافة المؤمنين على أن يتواصلوا بالحق حتى يتجنبوا الوقوع في مزالق الباطل. وأن يتواصلوا بالصبر حتى يواجهوا بعزم وحزم جميع التحديات والأزمات ولا يبخلوا في سبيل نصرة ملتهم والدفاع عن أمتهم. يبذل أقصى الجهود وأعظم التضحيات» (3 ).
ومن أوجه العناية الحسنية الرشيـدة الذاهبة مذهب تقوية الرابط العقائدي، تنظيم المجالس العلمية، أعلى وإقليمية وابتغاء«لدين الله بإقامة قواعـد تنظيمية للـدعوة الإسلامية تتطابق ومستوى النضج الذي بلغه شعبنا» ( 4).
ويبرز، من هنا ثقل المسؤولية الجماعية التي ينبغي تجنيد كل الطاقات الخلاقة القديرة للوصول نحو الأداء الأكمل. فعلى جميعهم إعطاء شرف التحمل رسالة الإسلام ـ ما يستوجبه من حقوق. كالالتحام بالدين درسا وعملا والتزاما .. كما عليهم إبقاء التبليغ بما تستحقه من شرط. كالرعاية ودفع التشويه والتحريف. والتفاني في المسيرة الإعلامية ... فإنه».
«إذا كان الله تعالى ـ يبسط لك جلالة الملك جوهر القضية ـ قد امتن على أمتنا الإسلامية بأزكى تراث روحي وحضاري عرفته البشرية. فما ذلكما إلا لنكون أمناء عليه. حماء له من الضياع والنسيان. وما ذلك إلا لتكون حياتنا الخاصة مرآة ساطعة له في كل حين. وما ذلك إلا لنعمل على تقديمه غضا طريا. إلى كل المتشوقين إليه. والراغبين في الاطلاع عليه. من أبناء الأمم الأخرى. قال تعالى، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) س الأنبياء 107 (5 ).
لقد جاء سير الإخوة المغاربة باتجاه هذا المبتغى، ثابت الخطى واضح الرؤى. فضمن ـ إلى حد بعيد ـ مزيدا من التكتل والائتلاف الوطني. والإسهام الحضاري الأوفى والتوحد الاجتماعي الأمثل المذكور على اجتماع الكلمة والفعل لتحرير الأرض وفك أغلال التيه ... وحق لمن ورد عطاؤه الحضاري على هذا المنوال أن يحدث بالنعمة. فيذيع بعض الوصف عن رافع هاتيكم المنزلة، سحقا لغيوم وتضليلات ورفدا للنضال العادل وكسبا ثمينا لأصدقاء الخير والحق والعدل. وبيانا للناس فيه هدى وطمأنة ...! لم لا يجئ ذلك متأكدا والحال أن معنى أن «من حق هذا الوطن (يخاطب جلالة الملك الحسن الثاني بني وطنه من خلال حيججه) أن تذكروه في ذلك المكان المقدس، بأن توضحوا منزلته، وتشرحوا قضيته. وتبينوا لحجيج الرحمان ما هو بصدده اليوم وغدا بمشيئة الله من جهاد لنصرة الحق والذب عن حياض الملة والدين والدفاع عن كرامة الإسلام وعزة المسلمي» .
ألم تلحظ أن البلاغ المطلوب إرساله ـ حسب هذا التوجيه الحسني ـ لم يطلب لنفسه مباهاة ولا تعالي؟! وكيف يستجلب ذلك وهما أمارة من أمارات (الانفصال) و (التقوقع الانعزالي) تلك التي تتنافى وطبيعة الكفاح عن الحق ونصرة الإسلام ـ شريعة وحضارة ـ وإعزاز المسلمين جميعا. وأينما كانوا !
أنت تلمح معي. وفي يسر أن الوحدة المغربية المنافح عنها. جامعة صغرى، أريد لها غد اليسر السوي لتنتظم ـ في إسماح ـ ضمن المنظومة العليا الجامعة الإسلامية الكبرى ... إن الإدراك الحسني يوصلنا إلى حقيقة الحقائق إلى هذا القانون الأساسي المنظم للجماعة الإسلامية المنبثة في أنحاء المعمورة وهو أن:
«هناك جوامع فرعية يقتصر عملها على أن تيسر لأصحابها التعارف والتكاثف والتناعي إلى انضمام إلى الجامعة الكبرى (6 ).                                  
«ولقد جعل الإسلام رابطة دينه الحق مقدسة تصغر أمامها الروابط ودعا الناس لاتباعه ليكونوا أمة واحدة تجمعها الاعتقاد والتفكير والعمل الصالح حتى يستتب للمسلمين إقامة هذه الجامعة فلا تخترقها جامعة أخرى تلثمها. قال تعالى (أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) (7 ) ولئن جعل الإسلام رابطة دينه هي الجامعة الأبقى. فإننا مدعوون إلى تبين آفاق المرادة. فما عمدها والمجالات ؟
قد يعترض محاور ـ أن بدافع الاعتراض المقصود . أو بحافز التحدي أو التعرف الواعي ـ قد ينهض ذاك مستفهما، ولماذا التوحد. والتوحد الإسلامي على التعيين؟ فإن كان لا بد من التجمع، فلم لا يكون إفريقيا هنا. وأسيويا هناك ... أو ...؟
وجاء الرد الحسني مستوقيا لمواصفات الحكمة والموضوعية والاهتداء، من مضمونه نستقي من أهداف الاتحاد الإسلامي ما يرد.
1) تأمين المصير الجماعي بالدخول تحت راية الإسلام عقيدة ودستورا.
2) إكسابهم قوة قوية. ونفسا مديديا. ويزيلان العراقل ومهدان طريق التحرك النشيط.
3) إتاحة الفرصة لهم ـ مجددا ـ لتجمع القدرات نحو إحكام شرائط الصحوة في تسخير الخبرات ... أعد وإياي قراءة المقولة الحسنية.
«فبالوحدة التي تعترض سيرهم ويتمكنون من استيناف البناء والتشييد والإصلاح والتجديد في عالم الإسلام الواسع المديد وإذا جمعت المسلمين كلمة التوحيد وربطهم شريعة الإسلام فلا خوف عليهم من غوائل الدهر. ومفاجآت الأيام. قال تعلى: (وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )  س الأنعام 153 ( 8) ورد ذلك ـ أيضا ـ مبتغى جماهريا ـ في الأعم ـ ولهو سبيل الفوز على أنه ينبغي علينا أن لا نتصور أن التحقيق الأفضل ميسور. في العهد الراهن وإلا فأين التعارف الأثري والتزاور الأجمل؟ أين التناصر الأشمل والتنسيق الدائم؟ أين الاعتصام العميق بحبل الله تبارك؟ أين ... وأين ... وأين ...؟ ألم يحن الأوان لننعت ـ النعت اليقيني ـ بأمة (التوحيد)؟ ألم تكفنا ويلات الفتن وهجمات الأعداء وسقطات الغفلة والتفرق. ودروسا قاسية وعبرا واعظة فنتحلق متداوين متواصلين؟
إن المؤمن الصادق لا يلدغ حجر مرتين. وقد لدغنا مرات ... ولسعنا لسعات ألقت بنا إلى الفناء فتاب قوسين... فهل من رجعة نافعة إلى الإيمان ... هل من انعطافه ساميبة إلى الجوهر الذي يريد المولى تعالى أن يخرج أمة الإسلام عليه؟
إن بداية الطريق أمام أمتنا تحددت بالعمل «على تصفية ما يبدو في الجـو مـن بعض الغيوم العابرة، بإحياء روح التآخي والتواصل وإن خيـر ما نستقبل به هذا القـرن الجديد. هو الاجتماع على كلمة سواء تجعل منا بحق أمة (الوحدة والتوحيـد) قال تعالى: (إن هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) س الأنبياء 92 ( 9).
وما أكثر عوامل التباعد ـ لهذا العهد ـ بين المسلمين، فكريا وسلوكيا وسياسيا وتربويا واقتصاديا ... فما أعظم الهول وأقبحه ...! وما كـان كذلك إلا لأن مسرب تقنية الأجواء العربية والإسلامية كاد يكون حلما مثاليا ... لماذا؟ لضعف في العزيمة وخـور في الإرادة وهـزال في الإيمان ... لذا كان جميعنا اليوم، وعلى الأخـص الرؤساء بحاجة عظمى إلى لـون مـن ألوان الصراحة المقامة على النقد الذاتي وتعديل المواقف.
ويفيد هـذا، معاني جمة، أبرزها الالتفات والتعاضد إن التعاون لمـن أوكد ما يحتاجه المجتمع الإسلامي المعاصر ... وأولى مراحله في دعوى الإصلاح الحسنية، التساند الإيجابي لتجلية ما بالدعوة من كنوز لا تنضب ومدد لا ينقطع ... فكما استفادت المدينة الإنسانية من الحضارة الإسلامية في عهودها الزاهرة، مرة أخرى بالمستطاع التحرك الفعال لإضافات جديدة وعطاءات أخرى ... «وإن الإسلام ـ والفضل لله ـ لطاقات زاخرة لا تزال مكنونة لم تستثمر لحد الآن فما علينا إلا أن نكشف الستار عنها. ونستثمرها أفضل استثمار لخبر أمتنا وخير الإنسانية جمعاء، وإنها لكفيلة بصنع المعجزات وتقديم أورع المنجزات قال تعالى (نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر) س القمر 35 ( 10).
لم يبق حينئذ للشروع في التحرك الجماعي الموحد والمكثف إلا فك الأغلال التي كبلت بها الدعوة ـ داخليا ـ أو التي أقيمت حولها حواجز وقيودا. ومن هنا استقامت روعة الإفاقة الرائدة والمسؤولة، تلكم التي وجهها جلالة الملك الحسن الثاني دون تخصيص.
«فمن واجب القادة المسؤولين والزعماء البارزين في العالم الإسلامي أن يفتحوا الطريق أمام القائمين بالبعث الإسلامي والدعوة. وأن يشملوهم بالرعاية الكافية حتى يؤدوا رسالتهم أحسن أداء. كما أن من واجب دعاة الإسلام أنفسهم أن يجتمعوا على كلمة سواء ويدعموا فيما بينهم روابط التضامن والإخاء. وأن يعملوا على أن تكون دعوتهم خالصة لوجه يسودها طابع التعاون والصفاء. فبالتخطيط الإسلامي المحكم والعمل المتواصل المنظم للدعوة الإسلامية الموحـدة. يتغلب المجتمع على كثير من الأزمات. ويتصدى بفعالية ونجاح لمواجهة كثير مـن التحديات ويمارس مسؤولية تطـوره ونموه بنفسه وفي نطاق حضارته. دون أدنى تبعية. ولا ضغوط خارجية ( 11).
ولن يغيب عن الداعي الأصيل ما يتجاذب دعوة الإسلام اليوم. وما يهددها من أخطار, كان التهديد الأول تقصير السلطة الحاكمة وإعراضها عن تسهيل دور العلماء وتنظيم حركتهم التوعوية والعلمية ... وكان التهديد الثاني صادرا عن أكثر الدعاة أنفسهم ـ أو(12) عمن سموا أنفسهم دعاة وما هم على الصراط المستقيم! ـ ذلك أن أولئك يتناوبهم إما:
أ) القصور عن امتلاك قدرة نقدية مقبولة من ناس العصر. وسليمة دينيا. الأمر الذي أبعدهم عن خط التآلف الاجتماعي والتأثير الإصلاحي.
ب) الغلو بأي شكل من الأشكال في التخريجات الفقهية والتفسيرات،  كما وفي التصرفات الحياتية، مع انتهاج مسلك التفريع المشط والتكفير وإن لغير موجب.
ج) الانضواء العشوائي تحت جناح مجتمعات مشبوه فيها قديمة وحديثة، دون الرجوع المتثبت إلى الأصول وأمهات المصادر الموثوق بها ...
د) التردد أو النكوص عن المجابهة للرد المعدل لمسار التطرف بشكليه الملحد ـ أي المضاد للغلو في الدين ـ والمغالي الآخذ بلزوم ما يلزم ...
وعليـه بانت الضـرورة الملحة والعاجلـة. إلى تكوين نفر صالح الإعلاميين والدعاة. وضبط أمرهم على محكم التنزيل وغرر سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم،  ويومذاك يستحيل تطلعنا لنكون الأمة الوسط بجدارة، واقعا ملموسا يمثل «الأمة المثالية التي تقوم (13)الحياة فيها على قاعدة التوازن والانسجام والتكامل والتناسق التام. فقد اختار الله لنا أن نكون «أمة وسطاء» رحمة بنا وحفاظا على وحدتنا وألفتنا وضمانا لاستمرار حياتنا. وحماية لنا مـن أخطار التطرف التي قد تهددنا (14 ).

 (1) محمد الخامس منذ اعتلالـه عرش المغرب إلى يوم وفاته ل : روم لاندو في تعريب ليلى أبو زيد ص 133.
 (2) دعوة الحق ع.6 س 22 ذو الحجة 1401 أكتوبر 1981 ص 4.
 (3) دعوة الحق 1، ص 23 ربيع الثاني 1402 مارس 1982 ص 11.
 (4) نفس المصدر ص 10.
 (5) نفس المصدر 6.
 (6) نفس المصدر ص 22.
 (7) دعوة الحق ع 6 ص 22 ذو الحجة 1401 اكتوبر 1981 ص 5.
 (8) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام للإمام المرحوم محمد الطاهر ابن عاشور ط 1 ص 108.
 (9) نفس المصدر ص 108.
 (10) دعوة الحق ع 1 ص ربيع الثاني 1402 مارس 1982 ص 33.
 (11) دعوة الحق ع 1 ص 23 ربيع الثاني 1402 مارس 1982 ص 28.
 (12) نفس المصدر ص 23.
 (13) نفس المصدر ص 16.
 (14) نفس المصدر ص 27.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here