islamaumaroc

التجاوب الرائع بين العرش والشعب في عهد الاستعمار

  دعوة الحق

227 العدد

حينما ضرب الاستعمار قيم الشعب ضربته القاسية منذ سنة 1907 حدث تضعضع خطير في النفوس والأفكار.
ذلك أن هذا الشعب الأصيل العرافة في شخصيته القومية والعربية الإسلامية. لم يمتحن في عهد من عهود عزته بأي تحكم أجنبي غريب إلا في التاريخ المذكور.
فبطولته كانت تتكون من أرضيته الجغرافية. وسماوية عزته التي ألفها على مر العصور علاوة على دفاعه عن قيمه في حدود جغرافية أرضه. فإنه كان لا يتأخر أبدا عن الدفاع عن العروبة والإسلام والمسلمين كلما قيل: «يا خيل الله اركبي» وقد كان بحق كما قال الشاعر:
      لا يسألـون أخاهـم حين يندبهم * في النائبات على ما قال  برهانا
ولما فوجئ الشعب المغربي بتقنية وسلاح حديثين شعر ـ أو كاد يشعر ـ باليأس في مدافعه هذا الغزو الأجنبي الذي لم ينجح مثله في سالف العهود يوم كانت العدة متماثلة والرجحان والظفر للبطولة المستميتة.
ومن الحقائق التاريخية أن آثار تلك الصدمة كانت محدودة بحدود المدن الكبرى، وما قرب مما حولها. وفي بعض الأقاليم فحسب.
أما أهل البادية. وبعض مما حول المدن فقد امتشقوا السلاح وتدرعوا بالشعاب. والوديان وقلل الجبال ومجاهل الصحراء فأخذوا يقاومون باسم العرش العلوي المجيد وتحت الراية المغربي العزيزة.
واستمرت هذه المقاومة من سنة 1907 م إلى سنة 1935 م.
وباسم العرش العلوي أيضا. وباسم الجالس عليه محمد الخامس قدس الله روحه. انتفضت الثورة السياسية الوطنية الإسلاميـة في جميع أقاليم المغرب المجيد...
والسياسة الاستعماريـة في المغرب لم تطـل مدة إقامتهـا في المغرب   إلى سنة 1955، إلا  على أساس أن المغاربة لم يألفـوا دفاع الأجنبي الغريب إلا بالسلاح، أمـا الوسائل السياسية ، فقد كانت خاصة بصاحب العرش ومساعديه.
  لذلك لم ينغمروا جماعيا في الميادين الوطنية الإسلامية من فجر انبعاثها.
على أننا لا يجب أن نغفل أن السياسة الاستعمارية استطاعت أن تنجح مؤقتا بإطالة إقامة الاستعمار. وذلك بتخدير النفوس بعدة مخدرات نفسانية.
أولها فصل الشعـب عن العرش وصاحبـه. إذ كانت الدعاية بأن فرنسـا هي الحاكمة وأن العرش لا سلطة له.                                                           
وذلك لنخضع النفوس إلى الحكم الاستعماري بيأسها من وجود عرش حقيقي وملك حقيقي.
وحفاظا على هذه الدعاية. قامت السياسة الاستعمارية بفصل القبائل عن بعضها بعضا بإثارة الخلافات والأحقاد. والعصبيات الجاهلية من جهة.
ومن جهة أخرى،  كانت تقـوم بتشديدات ومضايقات لتحول دون التنقلات من إقليم إلى إقليم وخصوصا عند فجر انبعاث الحركة الوطنية التحررية والتحريرية.
وشاء الله تبارك وتعالى أن يلهم قادة التحرر والتحرير وزعماءهم الشعبيين إلى إقامة «يوم عيد العرش» اعتقادا منهم أن أي عمـل لا يمكن أن ينجح إنقاذ البلاد من نير الاستعمار إلا إذا كانت الانطلاقة من العرش والجالس على العرش.
إذ أن هـذا البلد المجيد ما استطاع أن يحافظ على سيادته وعـزته وكرامته إلا بالعرش والجـالس عليه في سالـف العصور والعهود وإنه مـن الضروري أن تنطلق حركة التحرير مـن هذا العرش والجالس عليه.
وذلك علاوة ـ على أن فقهاء الاستعمار كانوا يرون ـ ورأيهم حق ـ أنه إذا ما استمر العرش في تأدية رسالته التاريخية فلا سبيل إلى الاستقلال استعماريا بهذا الشعب.
وكانت هذه النقطة حساسة في سياسة فقهاء الاستعمار فرأى القادة والزعماء أن يوجهوا كل اهتماماتهم أساسيا إلى هذه النقطة الحساسة،  فما كان من الله سبحانه إلا أن ألهمم إلى الاعتصام بالعرش والجالس على العرش محمد الخامس رضي الله عنه.
ولم يخيب الله آمال القادة والزعماء في هذا الملك العظيم الذي كان يحق درة ملوك الأرض ورؤسائهم ولا يعرف ذلك حق المعرفة إلا من درس قيمة هذا العرش المغربي على مر التاريخ بصفة عامة. وعايش بصفة خاصة هذا الملك العظيم.
على أن طائفة من المعمرين شعروا بخطورة وجود هذا الملك العظيم على «وجودهم الاستعماري» من أول يوم جلس فيه على العرش. وألقى خطبة العرش الخالدة.
أذكر كما لو كان الحادث الآتي في هـذه اللحظات التي أحرر فيها هذه الكلمة ـ أنه لما توفي المولى يوسف بن الحسن الأول في سنة 1927. كنت في الثالثة عشر من عمري وكنت أجيد فقط كتاب الله العزيز ورسمه وأنا خارج الحاجز الخشبي لمتجر والدي،  واليوم يوم ثلاثاء وقد أصبح اليوم مضببا ثم أشرقت الشمس من وراء الضباب،  إذ دخل على والدي في متجره الذي كان بشارع الجزائر فرنسي شيخ عبارة عن كومة من الأعصاب والعظام يدعى «طونيو» فبعد التحية قال لوالدي ـ وأنا اسمع كل الوعي ـ «عظم الله أجرك في السلطان مولاي يوسف، ومبروك عليكم السلطان الجديد» باللفظ والحرف.
فأجابه الوالد ـ متجاهلا أو حذرا ـ يا مسيو «طونيو» قائلا: يا فلان، أنت لا تقرأ الصحف، ولا خبرة لك بالسياسة إن ملككم الجديد الذي يخاطبكم في خطبة العرش بأنكم أمته أو شعبه «قد أياس فرنسا من مقامها هنا. إنه لم يخاطبكم بذلك إلا لأنه عازم على جعل حد لوجود فرنسا في المغرب وأنا يا فلان: يقول طونيو: «من الآن سأترك ضيعتي عند أولادي مؤقتا وأرجع إلى فرنسا. فلست مستعدا لأحضر ذلك اليوم الذي يطرد الأوربيون من الحكم هنا».
نعم إن الحقيقة التاريخية التي لا مراء فيها أن الاحتفال بعيد العرش كان بحق صدمة خطيرة بالنسبة للاستعمار كما كان يقظة عميقة بالنسبة للشعب المغربي في حين سهل على قادة التحرر والتحرير مهمة أداء رسالة النوعية الوطنية أثناء عهد الاستعمار. وان «يوم العرش» كان يدفع بالوطنية إلى مسافات طويلة محمودة.
فلقد كان الشعب المغربي ينتظر ذلك اليوم في كل سنة ليفجر عواطفه ومشاعره وعقائده وأفكاره أثناء تلك الحفلات الرائعة ماديا ومعنويا.
وحينما تقترب لحظات لقاء الخطاب الملكي نجد القلوب تكاد تخرج من الصدور لاستماع صوت محمد الخامس الذي كان يرن في الصدور رنات خالدة لا ينساها المؤمنون أبدا، ويخرج الناس عن تحفظاتهم في ذلك اليوم فتبح أصواتهم بالهتافات للعرش وصاحبه وجميع أصحاب السمو الأمراء الكرام. وقادة وزعماء العروبة والإسلام، ولم يكن أحد يحسب حسابا لتعاليم الوطنية بالاعتدال. ولذلك كانت السجون تغص بالأحرار المتطرفين جراهم الله خيرا.
نعم مرة ثانية أن احتفالنا اليوم بعيد العرش لصاحب الجلالة والمهابة مولانا أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله . يعد لنا ـ نحن الجيل ما قبل هذا العهد ـ استمرارا للاحتفال والهتاف به. كما كنا نهتف باسمه كولي عهد وبلقب أمير الأطلس وزيادة على هذه الاستمرارية فإننا نرى ونسمع. ونلمس. ونحسن ونعقل ونعي في شخصيته العظيمة كل ما كان لنا في عهد والده من التعلق والإيمان الصادق بوفائه للوحدة المغربية والدفاع عن العروبة والإسلام.
فهنيئا لنا بهذا اليوم السعيد. وهنيئا لنا بهذا الملك الخالد المناضل المتمتع بالسمعة الدولية التي قلما ظفر بها غيره وهنيئا له بذلك وفقه الله وسدد خطاه وحفظ لنا ولي عهده المحبوب صاحب السمو مولانا محمد وصنوه المولى الرشيد وسائر أصحاب السمو الملكي الأمراء والأميرات إنه سميع مجيب ...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here