islamaumaroc

من الحسن الأول إلى الحسن الثاني هل يوجد قاسم مشترك

  دعوة الحق

227 العدد

منذ عهد الفتوة والشباب أحست بميل كبير إلى دراسة حياة الحسن الأول وأعجبت بشخصيته الفذة أيما إعجاب حتى اقترحت على رفاقنا في (جمعية الطالب المغربية) الثلاثينيات إقامة حفل وطني كبير يكون تذكارا لزيارته لتطوان على أن يشترط فيه شباب الجنوب إلى حاجب شباب الشمال لكن لم يكد يشبع هذا الخبر وتوضح الخطوط العريضة للذكرى الحسنية حتى كان رد الفعـل من جانب المندوبيـة الإسبانية ، وصدر الأمر بالمنـع من تنفيذ هـذه الذكرى بالمرة.
وعاودني الحنين إلى نفس الموضوع عندمـا دعتني عمالة إقليـم أكلميم منـذ ستة عشر شهرا إلى المساهمة في في احتفالها بذكـرى مرور قرن كامل على زيـارة السلطان مولاي الحسن لذلك الإقليم الـذي هو باب الصحراء وما وراء صحراء المغرب، فعـدت إلى مراجعـي وأوراقي  القديمـة أعيـد فيها النظر واستخلص منها على ضوء تجربتي الجديـدة جملة من المواعـظ والعبر ، وإذا بي اكتشف من وجوه الشبه بين الحسنين الأول ، والحسن الثانـي،ما  كان من الصعـب على أن أتخيله أو أتصـوره قبل أن يبرز الحصن الثانـي في الميـدان، ويبرز على جميع الأقــران،  واقتنعت من خلال هـذا البحث الطريف في وجـوه الشبه بين الحسنين ـ وهو بحث لا يزال في بدايته ـ بأن للعائلـة العلوية الشريفة تقاليـد ثابتة لا تتغير في جوهرهـا،  وإن تغيرت في مظهرهـا، وبان لها خطـة سياسية مرسومـة بالنسبة للداخـل والخارج، ورسالة وطنيـة متبعة لا تتغير أهدافهـا، ولا تتبدل مقاصدهـا،  وإن اختلفت الوسائل وتغيرت الظروف .
ـ ولنضرب بعض الأمثلة لوجـوه الشبه القائـم بين الحسنين الأول والثانـي، حتى نرى هـل يوجـد بينهما قاسم مشترك أم لا؟.

ـ المثال الأول:
نجده متجليا في نـوع التربية العائليـة والدينية التي تلقاهـا كل من الحسنين فقد حرص محمـد الرابع كل الحرص على أن يسلك في تربيـة ابنه الحسن الأول  مسلك الحزم والجـد والاستقامـة والتقشف، وقـد اختار لتربيته وتعليمه نخبـة  من العلماء الأفذاذ خـارج العاصمـة، حتى يلقنوا لابنه الحظ الكافـي من الثقافـة الإسلامية السائـدة في عهده وحتى يتلقى على أيديهم تربيـة إسلاميـة وطنية خالصة، بعيـدات عن أبهة الملك وبريق السلطان.       
وعندمـا جاء دور محمد الخامـس وجدنـاه يسلك في تربية ابنه الحسن الثانـي، نفس المسلك، ونراه يتتبـع خطواته عن كثب، فيخصص لتربيـته وتعليمه وإقامته المدرسة المولوية التي أقامها خارج القصر، ويلاحق خطواته التربوية التربوية خطوة،  خطوة ويتبع مراحله الدراسية مرحلة بعد أخرى ويعني ـ قبل كل شيء وأكثر من كل شيء ـ بتربيته الإسلامية والعربية عناية خاصة إلى جانب تزويده بأفضل زاد من الثقافة الحديثة السائدة في وقته.
وها هو الحسن الثاني نفسه يسلك في تربية فلذة كبده وولي عهده سمو الأمير المحبوب سيدي محمد وبقية إخوته أصحاب السمو الأمراء والأميرات نفس الاتجاه التربوي الحازم فهو حريص كل الحرص على أن تكون تربيتهم جميعا مطبوعة في الدرجة الأولى بالطابع الإسلامي الصحيح والقومي السليم دون استيلاب ولا استغراب.

ـ المثال الثاني:
 نجده واضحا في نوع التربية السياسية التي تلقاها كل من الحسنين فقد وجدنا محمدا الرابع يكلف ابنه الحسن وهو لا يزال في ريعان الشباب بإنجاز مهام مخزنية شاقة، وقضاء عدة أغراض رسمية كبرى في عدة أقاليم من المملكة ثم نجده يعمل خليفة عنه بإقليم مراكش لمدة اثني عشر عاما دون انقطاع، مما أهله لحمل مسؤولية الحكم والجلوس على عرش المغرب بعده عن خبرة تامة وبعد تجربـة طويلة.
وعندمـا جاء دور محمد الخامس نجده يتخـذ من ابنه الحسن، بمجرد ما ظهـرت نجابته، ولاحت عبقريته ـ وإن كان لا يزال في ميعة الشباب ـ أنيسه الملازم في الشدائـد، ومستشاره المؤتمن في الملمات وممثله لـدى مختلف الطبقات والهيآت والناطق باسمه والمعبـر عن رأيه بكل صراحـة  وشجاعـة في أحرج الأوقات، وشريكه في المتاعـب والتضحيات،  وما كـاد ينجلي غبار الاستعمار عن هـذه الديار حتى رشحه وليا لعهـد المملكة ، فتقبلت الأمة ترشيحه ، لذلك المنصب الاسمي بالقبـول والإجمـاع ثقة  منها بكفاءتـه  ووطنيته، واعتمـادا على متانـة تكوينه وواسع تجربتـه، وما كاد محمد الخامس ينتقل إلى رحمه الله، حتى كان الحسن الثاني، خير خلـف لخير سلف، يتمتع بكل المؤهلات لحمل أخطـر المسؤوليات.
وها هو الحسن الثاني يسلك مع سمو ولي عهده الأمير سيدي محمد نفس المسلك الذي سلكـه معه والده فيدر به على مواجهة الحياة  العامـة ويكلفه بالخطابـة أمام الخاصة والعامة، ويرشحـه لتمثيل جلالتـه في مختلف المناسبات في الداخـل والخارج ويشركـه معه في حضور المواقف التاريخية الوطنيـة والدوليـة، ويمكنه من التعرف عن كثب على قيـادة الدلو وزعمائهـا البارزين ممن يزورون المملكة وفي ذلك كله حـظ كبير من التربيـة العملية الوطنية والسياسية.    

ـ المثال الثالث:
نجده بارزا فيمـا تحلى به كلا الحسنين من الرفق بالرعيـة، والتلطيف بها والحدب عليها، فقد سجل التاريخ بأحـرف من نور أن الحسن الأول كـأن يبذل قصارى جهده في سبيل ضمان العيش الكريم لكـل أفراد الرعيـة،  وكـأن يعني العناية التامـة بأن تظل أسعار المواد الأساسية في مستـوى معقول لا غبـن فيه ولا شطط، وكـأن أسرع الناس إلى إعـانة الفلاحين البذور، إن لم يكـن عندهم منها مـا يكفي، كمـا  كان أسرع الناس إلى إعانـة التجار بالسلفات والقروض إن ضاقت وسائلهم الخاصة، وذلك حتـى لا ينقطـع الفلاحون عن  مواصلـة نشاطهم الفلاحـي ولا ينقطع التجار عن مواصلـة نشاطهم التجاري، لأن نشاط كلا الفريقيـن يعود على الأمة بالنفع العميم، ولم يكن يسمح بتصدير أي شيء إلى الخارج إلا إذا استوفى الشعب حاجتـه من الاكتفاء الذاتـي، وإذا طـرأ على المغرب طارئ قحط أو جفاف بادر إلى إغاثـة الرعيـة بمخزون الدولـة من المواد الغذائيـة إلى أن تعود المياه إلى مجاريها، ويمر عهـد الجفاف بسلام. 
وعندمـا نستعرض اهتمامـات الحسن الثاني، ومشاغله الكبرى منذ اعتلى  عرش المملكة نجد هـذا الجانب الحيوي يستأثر منه ببالغ الاهتمام، ويأخـذ من تفكيره وعنايته حصة الأسد، فهو شغله الشاغـل الذي لا يفتر عن ترديـده والتذكير به والدعـوة إلى أحاطته بكل الضمانـات، ولا سيما عندمـا يبدو في الجو شبح أزمـة من الأزمات ، وقد سخـر لخدمـة المواطنين،  منتجين ومستهلكين عددا كبيرا من المصالـح الإدارية المتنوعـة والمرافق العامة المتخصصة حتى يظل الشعب في بحبوحة من العيش ولا يتعرض أمنه الغذائي لأي خلل أو خطر.

ـ المثال الرابع:
يتجلى في تفكير الحسنين وعلهما معـا على تزويد الدولة بالأطر الضروريـة لتسيير أجهزتهـا وحمـل مسؤولياتها، بما يتناسب احتياجات وإمكانيات عهد كل منهما، فقد كـأن تكوين الأطر ونشر الثقافـة والتعليم محل عناية مستمرة لـدى الحسن الأول ، لا فـرق بين التعليم الإسلامي والقومـي الذي كـأن يشجع أسـاتذته بالمنح والصلات، وبالغ الالتفات، ويشجع طلابـه بمختلف الإعانـات تعزيزا منه للثقافـة الإسلامية القومية، كي تبقـى مزدهـرة سائدة في البلاد، وبين التعليم العصـري الحديث الذي أخـذ يوجه لتلقيه وتحصيلـه في الخارج  البعثات تلو البعثات حتى بلغ عـدد طلابها في مدة قصيـرة ثلاثمائة وخمسين طالبا سعيا منه لتكويـن أول فوج الأطـر الفنية التي يعتمـد عليها في تلقيح المرافـق العامة، المحتاجـة للإصلاح والتجديد.
وهـذا الاتجاه الرشيد كان في عهـد الحسن الأول مجرد بدايـة حسنة وبادرة طيبـة بلغ القمة في عهد الحسن الثاني، ذاته أنشأ ـ علاوة على جامعـة محمد الخامس ـ شبكـة من الجامعات المغربية الحديثة، وفتح أبواب كلياتها على مصا ريعها لتكوين  العدد الكافي من أطـر الدولـة إلى جانب كليات الجامعة الإسلامية القديمـة التي وكل إليهـا حفظ التراث الإسلامي الخالد، ولم يكتف بجامعات المغرب وحدهـا، بل واصل تشجيعه لإرسـال عشرات الآلاف  من الطلاب إلى جامعات الأقطار الأجنبية على  اختلاف لغاتهـا وأنظمتهـا،  عسى أن يقتطف شباب المغرب منها خير ما  عندهـا من ثمار لتلقيح النهضـة القائمة بالمغرب  حتى يبلغ مستوى غيره من متقدمـي الأقطار.

ـ المثال الخامس:
هو ما يوجـد من الشبه القوي بين نشاط الحسنين في ميدان السياسـة الخارجيـة ومجال السياسـة الدولية. فمن راجـع نشاطهما في هـذا الميدان ـ ولو بقدر محدود ـ يندهش كل الاندهاش من التشابه، بل من التماثل القائـم بينهما في الأهـداف والغايات القريبة والبعيـدة، مما يدعـو إلى الاقتناع بأنهمـا ينطلقان معا من منطلق واحد، وينظران لنفس القضايـا من منظور واحد.
والمنطلق الأول لكـلا الحسنين الأول والثاني، هـو العمل المستمر على حضـور المغرب الدائم في المحافـل الدوليـة، وتوثيق العلاقـات السياسيـة والاقتصاديـة مع  مختلف  الدول والهيآت لصالـح الشعب المغربي والدولـة المغربية، وربـط الصلات المباشرة مع كبـار الملوك والرؤسـاء البارزين.
والمنطلق الثاني لهما هو بـذل كل الجهود لإبقاء المغرب خارج دائـرة الصراعات الدولية التي عرفهـا العصر الحديث، مما لـه طابع ثنائي بين دولـة وأخرى، وذلك بالرغـم من المحاولات العديدة التي بذلتهـا بعض الدول، ليقف المغرب بجانبها وينضم إلى معكرهـا، من أجـل الدفـاع عن مصالحها الخاصة، وهـذا الموقف هو ما  كـان  يعرف من قبل بسياسـة «الحياد» وما تطـور الآن إلى سياسـة «عـدم الانحياز» .
والمنطلق الثالث لهما هو التمسك بعلاقـات الأخوة الصادقـة والمودة الخالصة مع العالم الإسلامي والدول العربية، ومن ذلك علاقـات الحسن الأول مع عبد الحميد الثانـي خليفة بن عثمان الذي كـأن معاصرا له،  ومع خديوي مصر الذي كـان على عهده.
وهذا المنحى الخلقـي الرفيع والأخوي النبيل هو الـذي هيمن على سياسـة الحسن الثاني، في علاقاته مع العالمين العربي والإسلامـي، ولم يمنـع هذا الاتجاه من ربـط علاقـات خاصة مع الفاتيكان والبابـا الجالس على عرشه بين الحسن الأول والحسن الثاني مراعاة لشعـور العالم المسيحي.
والمنطلق الرابـع الذي يشتركان فيه  هـو الدفاع  المستميت عن سيـادة المغرب ووحـدة ترابه بالوسائل السلمية قبل غيرها، وعن طريق التفاوض والحوار كلمـا كان الطرف المقابـل مستعدا لذلك، ففي مؤتمـر مدريد انعقـد على عهـد الحسن الأول بطلب منه  انتزع المغرب الاعتراف من  جديد بكيانـه الدولي الخاص وجنسيتـه المتميزة ونظامـه الملكي القائم، وضيق نطـاق «القنصلية»  وكـان ذلك عن طريق المفاوضة والحوار، الأمر الذي شجع الحسن الأول على أهن يواصل السير في نفس الطريق، ويسعى من جديد إلى عقـد مؤتمـر دولي آخر ينتهي بوضـع معاهـدة دوليـة أخرى أفضل وأكمـل من معاهـدة مدريد، بحيث تضع حـدا نهائيا لنظـام  «الحمايات القنصلية»، وتضمـن للمغرب حريته وسلامتـه، وعدم الاعتداء على أراضيـه،  وتعتبر المملكة المغربية في معزل عـن النزاعات الدولية وموضـع احترام من جميع الدلو، لكـن هـذا المشروع الحسني الطموح لمن يتحقق على يـده لكونه برز به في أواخـر عهده،  وكمـا وجدنـا الحسن الأول يدافع عن حقوق المغرب في مؤتمـر مدريد عن طريـق المفاوضـة والحوار، نجـد الحسن الثاني، يدافع بنفس الأسلوب ونفس  الروح عن نفـس الحقوق في ساحـة الأمم المتحدة، وأمـام محكمة العـدل الدولية، ويعيـد لحظيرة الوطـن الأب أقاليمه المغتصبة في الجنوب ويكسب الرهان على صحرائه المغربيـة بصفة قانونية وشرعيـة، وهـا  هو لا يزال يحاور ويفاوض لاسترجـاع سبتة ومليليـة والجــزر الجعفرية.
وكما  كان للحسن الأول « سياسـة صحراوية» ونفوذ قـوي بين قبائل الصحراء، واتصـال وثيق مع زعمائها وأعيانها، وحرض شديـد على صيانـة حقوق المغرب الثابتـة في تلك المنطقـة،  حتى اشتبك مع فرنسا في صراع سياسـي ودبلوماسي عنيف، عندمـا شرعت في وضع يدهـا على واحات توات وما  جاورهمـا،  وأخذت تحاول ضمهـا إلى  منطقـة نفوذهـا في التراب الجزائري قبيل وفاته بحوالي عاميـن ونصف ،  نجد الحسن الثاني متمسكـا كل التمسك بحقوق المغرب الثابتـة في صحرائـه لا يبغـى بها بديلا، حتـى اشتبك هو بدور مع إسبانيا في صراع سياسي  ودبلوماسي عنيف بدأ ثنائيـا أولا،  وانتهـى دوليا أخيرا، إلى أن تـم على تحرير الصحـراء بالمسيرة القرآنيـة الخضراء، وجـدد له «البيعة» أبناوهـا الأشاوس مـن المغاربـة الأقحاح، فحلت الرايـة المغربية الأصيلـة محل راية الاستعمار الدخيل.
ولو فسح الله في الأجـل للحسن الأول لنـازل الاستعمار الفرنسي ولحال بينه وبيـن ضـم واحـات « توات» وما جاورهـا، ولظل ذلك القسم المترامي الأطراف من الصحـراء داخل حدود المغرب إلى الآن وحتـى الآن.

ـ المثال السادس:
هو مـا يلاحـظ من الاهتمام الخـاص عند كل من الحسنين بإحياء الأسطـول المغربي ذي التاريخ المجيد والملاحم الخالدة،  وإذا كـأن الحسن الأول يدشـن أولى وحداتـه لمراقبة السواحـل المغربية بما أطلق عليه اسم (بشير الإسلام بخوافق الأعـلام) تفاؤلا بالحاضـر إذ ذاك، وتخطيطا لمستقبـل الأيام، وإذا كـأن الحسن الأول يفكـر في إنشاء أسطـول تجاري يسد حاجـة المغرب إيرادا وتصديرا ، ويدشن أولـى وحداتـه بما أطـلق عليه في عهده  اسم (البابور الحسني)، فإننـا نجد الحسن الثاني يومـن بنفس المبدأ ويسيـر في نفس الطريق ، لكـن بخطـى ثابتة وواسعـة تتناسب مع عهـده الزاهـر،  مما أثار الانتباه والإعجاب وها هـو مغرب الحسن الثاني، يفخـر بأسطوله التجاري الكبير الذي يمخـر عباب البحـار ذهابـا وإيابـا،  كمـا يفخـر بوحداتـه البحرية التي تقف ليل نهـار بالمرصـاد لكل من  تحدثـه نفسه بالتوغل في شواطـئ المغرب وانتهاك حرمة مياهه الإقليميـة دون إذن سابق ولا هـدف واضح مشروع.
هـذه أمثلة ستة لوجـود الشبه القوي القائـم بين الحسنين الأول والثاني، وهـي كافيـة للجواب عن السؤال الوارد في عنوان هـذا المقال وإثبات أنه يوجـد فعلا بين الاثنين عـدة « قواسـم مشتركة» لا قاسـم مشترك  واحد.
والذي يلاحـظ هـذه الوجوه جملة، وكل وجـه منها على  انفراد ، لا يستطيع أن ينكر للعائلـة العلويـة الشريفـة تقاليـد عائلية ثابـتة لا تتغير في جوهرها، وأن لها خطـة سياسيـة مرسومة للداخـل والخارج لا تتغير أهدافها، وإن اختلفت وسائلهـا وذلك هو أحـد «الأسرار»  فيمـا لنظامنا المليك من استمرار واستقرار.
والآن فلنختتم هـذا البحث بالإشـارة إلى  وجهين آخرين من وجـوه الشبه في الخلقة والأخـلاق  هما  من قبيـل الملكات الفطريـة والمواهب لا من قبيل المزايا الطارئـة والمكاسب.
فمن الناحيـة الأخلاقية تثبت لنـا المصادر الأجنبية لبعض الدبلوماسيين الأجانب الذيـن عاصروا الحسن الأول (أنه كان كريم الطبـع، منطقي العقـل، لا ينخدع بالثرثرة والكـلام الفارغ،  ولا يقبل عند مناقشتـه إلا البراهين الساطعة،  وأنـه كان ميالا إلى العدل والإنصاف في حل المشاكل وأنه عند الضرورة القصوى قد يسايـر الضغوط الطارئـة، لكن لا يستسلم لإرادة أصحابها بحيث لا ينال الغير منه في  النهايـة أي شيء مما كـأن ينتظره تحت الضغط وأنه كـأن مثلا عاليـا في الشجاعـة وأنه كان في الأوقـات العصبية لا يبدو على وجهه أي اثـر للقلق والاضطراب، بل كان يبدو في منتهـى الهدوء والثبات دائما.
 أليست هـذه الصفات الممتازة التي تحلى بها الحسن الأول هـيب الصفات البارزة في سلوك الحسن الثاني في السـراء والضراء والشدة والرخاء.
ومن ناحيـة الخلقة والمظهـر تثبت لنـا نفس المصادر الأجنبية بأن الحسن الأول كان ذا وجـه جذاب وأنه كان ذا نظـرات هادئة عميقـة،  وأنه كان ذال نبـل وهيبة،  وأنـه كان يتميز عن غيـره من ملوك عصره بخلقته الجذابـة ومنظره الرائع.
أليست هـذه الصفات الجميلـة التي أكرم الله بها الحسن الأول جزءا لا يتجـزأ من شخصيـة الحسن الثاني ومنظره الجذاب المهيب؟.
ومن المواطنين أو الأجانب لا يجد نفسه مشدودا إليته كلمـا واجهه معجبا بشخصيته الفذة أشـد الإعجاب؟.
فليهنأ المغرب بقيـادة عاهله العظيم الحسن الثاني، وارث سر العائلـة العلوية الشريفـة والمؤتمـن على تقاليدهـا العريقة والمجدد لأمجادهـا الخالدة، وليدم الله على جلالتـه نعمة العافية والتوفيق والسداد، لخير البلاد والعباد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here