islamaumaroc

أدب المغرب الصحراوي -4-

  دعوة الحق

227 العدد

أواصل بنفس المناسبة عيد العرش المجيد تقديم الجزء الرابع من هذه الدراسة العلمية حول (أدب المغرب الصحراوي) (1) في إطار معركة الوحدة الوطنية للمملكة المغربية التي تعتبر الميزة الأكثر أهمية للعصر، وإذا كان المغرب قد أخذ يسترجع وحدته في هذه المعركة المقدسة بنفس الأسلوب الذي هاجمه به الاستعمار المتحالف. خصوصا رأي الذين أدركوا بأن هذه المعركة ستكون (معركة الخلاص والوحدة) وليس للمغرب وحده، ولكنها كانت وستبقى إفريقية ككل، بل معركة تغيير التاريخ والهجوم كما يمكن أن نستخلص ذلك ونحن نواجه اليوم أعنف هجمة من الاستعمار لجديد ... ولنفس الأغراض السابقة على أوسع مجال وأغرب تحالف ...

وهذه الدراسة هي بحث علمي صرف يكشف عن جدور الوحدة المغربية منذ ظهور (المسألة المغربية) إلى الآن وتعتمد على ما يمكن أن نقف عليه وثائق وما يمكن أن يعثر عليه من إنتاج متناثر هنا وهناك وكله جزء من معركة مقدسة ستدهش في النهاية كل المتحالفين من الاستعماريين بالأمس وتصدم المتطلعين الجدد لمواجهة هذه الوحدة في الأعماق بدون هوادة ولا رحمة.
وفي أعماق هذا التاريخ ومن منطلقه بل وتحديده أواصل إنجاز ذلك إيمانا وثقة بأن أي تقييم مصطنع للوطن مهما بلغ من الدقة والتحصين والمواجهة المضادة لا يمكن أن يصمد أكثر من حقبة محدودة ما دامت الجذور التي تكون هذه الوحدة. الدين واللغة والجذور والتقاليد الاجتماعية والتاريخ المتواصل وغيرها من ركائز وأسس هذه الوحدة والتطابق مميزة، بل واضحة في كل مظاهر هذه البلاد وحدودها الواصحة المعالم.
وهكذا إن كنت قـد تناولت في الأجزاء الثلاثة السالفـة من هذه الدراسة التجزئة الاستعمارية والوحدة الشاملة والصلات التي تؤطرها وتطبع أدب الجنـوب، فإن مظاهرة هذه الوحدة كما أوضحت هي معهالم وأسس مدرسـة الصحراء ومناهجها خصوصا مـن واقع ومعطيـات كتاب (الجأش الربيط ...) (2 ) باعتباره علمية صرفة ينطلق فيه مؤلفه من معركة الدفاع عـن الوحدة فإن ما حددتـه في هذا الإطار للمثقف الصحراوي (3 ) وتفكيره كان أقرب إلى الإحاطة الموضوعيـة التي تبرز أن «الشعب المغربي يتأثر بمؤثرات أطلسية متوسطية. وبطبائع صحراوية،  وهـذا التنوع يطبـع عبقرية الشعب المغربي وهو ذو وجوه متعددة (4 ).
ومن هنا من مجموع هذه المعطيات المحددة نستطيع أن نجزم بأنه إلى حدود سنة 1395 هـ/1975 م بالخصوص نجد أن التعليم وكما أسلفت من قبل (5 ) قد انحصر في:
أولا: في طبقة حقيقية تبرز جماعة من الذين أتيح إليهم العلم وقدرت لهم المعرفة وجماعة أخرى لم تتمكن من الخروج إلى نطاق الجهل والأمية إلا من جانب الوضع الإقليمي العام للجهة.
ثانيا: لكن الذي عرف منذ زمن بعيد هو أن (الزوايا) هم طبقة المتعلمين دون غيرهم فلا يوجد من بينهم ذكر أو أنثى إلا ويعرف القراءة والكتابة ويحفظ المتون. ويقرض الشعر. ويستعمل الحكم في حديثه الخاص والعام أما الطبقات الأخرى فتضم الجماعات التي لا اهتمام لها بالأدب أو العلـم وهي حسان واللحمة والحراطين (المعتقين من الرق) والصناع ولم يعرف إلا نادرا أن أحد هـؤلاء قد نبـغ في ميدان من ميادين العلم والأدب لأن التعليم يفرض على متعاطيه قيـودا ومشاق لا مندوحة له عن تحملها. ويفرض على الآخرين الذين لا يتعلمـون أو الذين يدفعون أبناءهم للتعلم التزامات يدفعـونها عـن طيب خاطر مرة وكرها مرة أخرى.
في حين إذا نظرنا إلى المعلم نجده يكابد من الأتعاب ما لا يحصى فقد يستغرق يومه كله في التدريس لأن الشيخ عندهم لا يلزم الطلبة أن يشتركوا في درس واحد من الفنون. فتراه مثلا يدرس لعشرة من التلامذة (الألفية) مثلا فبعضهم يقرأ من أولها. وبعضهم يقرأ من وسطها. وبعضهم يقرأ من آخرها. ويلقى لكل درسه من موضعه الذي يليق به وهكذا في الفقه وغيرهما من العلوم وقد يضم أشخاصا في محل واحد من فن واحد ويضم آخرين في محل منه آخر. ويسمون المشتركين في الدروس (دولة) كما تشير إلى ذلك عدد المصادر.
ومن هنا كما تشير إلى ذلك عدد من المصادر.
ومن عنا فإن ما يكابده العالم من مشاق الدنيا هـو أنه يكون موردا للضيوف والمستفتين ولطالب الحاجة وليس للقاضي ولا للمدرس أوقاف تصرف عليهم ولا يأخذ أحدهم من الطلبة شيئا. بل قـد يعطيهم من يده والمعنى أيضا لا يأخذ في مقابل الفتوى. وقـد يكون لبعض العلماء مـا يسموه (عطية) ( 6) يعطيه إياها حسان اللحمة أو الحراطين (أي المعتقين) وهـذه العطية شاة من الغنم على كل ذي غنم أو أمداد من الزرع على كل ذي حرث. هذا النوع قليل جدا بالنسبة إلى من لا يأخذ شيئا. وإذا ظلم حسان أحدا من ينسب إليه يذهب في طلب استرداد ما أخذ وربما جلس في استرداد ذلك سنة أو بعضها لأن العادة والعرف لا ضابط للهيئة التي يلقى عليها المدرس عندهم فتراه يدرس مرة ماشيا مسرعا ومرة جالسا في بيته ومرة في المسجد ومنهم من يدرس في أثناء الارتجال من جهة إلى أخرى سواء كان ماشيا أو راكبا. وقد يكون راكبا والطلبة يمشون على أدامهم إذا بلغ الشيخ أن أحد التلاميذ أساء فإنه يعاتبه برفق بأن لا يلتفت إليه حتى يعلم التلميذ ذلك من حاله.
والعليم على هذا الشكل لا يتعلق فقط بالكتاتيب ـ كما هو الحال في الشمال ولكنه يتعدى ذلك إلى جميع أطوار التعليم الأمر الذي لا نجده إلا في الصحراء(7 ).
في حين يقول العلامة المرحوم مولاي إبراهيم سلطين المراكشي عن الشيخ أحمد الشمس بهذا الخصوص.
(... أن العلم عنده هو العلم بالكتاب والسنة في الجزئيات والكليات وهما انغمس المتعلم أو المرأ في ذلك وتعمق وصل إلى مراده (8 ).
والشيخ الشمس هنا يعني عالم الصحراء بصفة عامة.
ومن هنا فحصيلة جهد المثقف بالجنوب يصعب العثور عليها حسب الحالة التي أعدت بها، ولذلك فالتراث الفكري جله لازال مخطوطا. وفي بعض الحالات يوجد حتى بالحط إذ لم تخلف غارات المستعمر منه سوى بقايا إثر تعدد الرواة وعدم تكافؤ معرفتهم ... ( 9).

الطابع العلمي الصحراوي:
وهكذا فإذا كانت مختلف الجهود المتواصلة منذ قيام الدولة المغربية المسلمة حتى الآن تعمل من أجل تركيز الوحدة تركيز الوحدة وتعميم مظاهرها في مختلف جوانب الحياة العامة والذب عن حياضها. فإن هذه الوحدة لم يكن هدفها هو ابتلاع المميزات الشخصية وتحطيمها بالنسبة لمختلف أقاليم المملكة سواء في الشمال أو في الجنوب الصحراوي. لأن هذه الخصائص الإقليمية وطابعها المحلى أصبح اليوم هو من دوره طابع الوحدة في مظاهرها الخارجية وعمقها مما يبعث في هذه الوحدة المقدسة كثيرا من الخصائص والاعتبارات التي تضفي على الحياة العلمية والأدبية طابعا خاصا ومركزا يحافظ على حينا على المؤثرات الإسلامية الفاتحة ويستمد أحيانا أخرى أسسه من العوامل المتصاهرة في نطاق هذه الوحدة ويضفي عليها طابعا محليا ينتهي في بعض الأحيان إلى مبادرة لها قيمتها العلمية والأدبية في عالم اليوم مما يحق للجنوب أن يفتخربه اليوم وبعد اليوم.
ولقد لعبت هذه العوامل الوحدوية. والمؤثرات المنسجمة المتصاهرة أدوارا لها قيمتها في حياة هذا الاختيار الاستقلالي بل كانت مصدرا وعاملا على الحفاظ على الوحدة ومظاهرها. ودافعا لتركيز الدفاع عنها أمام الطوارئ الطبيعية الطارئة خاصة بالنسبة للأطماع التوسعية قبل سنــــــة (1246 هـ/1830 م) ثم بعد سنة (256 هـ/1840م) ثم بعد سنة (256 هـ/840 م) حيث ظهرت الأطماع الاستعمارية الاستغلالية العربية في أبشع صورها وأخطر أساليبها، وذلك ما يشير إليه الشاعر الصحراوي بقوله:
أهـل بعـد إن عشنا أسـودا بأرضنا * نهاجـم في أرض الأسـود  ونخضـع
ويقول غيره في سياق آخر:
هـو الشعـر للاكتفـاء شهدته  تحلو  * إذ صاغــه مـن كنز باعثـه الفحـل
فينسـاق عذبــا للفهـــوم كأنما  * باثنائـه تلقي مجاحتهـا النحــــل
ويقول:
ليهنيك حـج البيـت أديت فرضــه * وقـد ما يؤدي عنـده الفـرض والنقل
وبايعت العـرش العظيـم محــددا * لبيعة أسلافــه بها اجتمع الشمل (10 )

ولقد أدت هذه الأطماع وهذه المحاولات إلى الانقضاض على وحدة البلاد من جهاتها الجنوبية الصحراوية فكانت رحلة ببردي فوكو سنة (1275 هـ/1858 م) وتبعتها محاولات مماثلة عرف دائما أبطال الصحراء كيف يستقبلونهم وكان هؤلاء الأبطال المغاور الأشاوس دائما أبطال الصحراء كيف يستقبلونهم وكان هؤلاء الأبطال المغاور نقطة الانطـلاق وسبيلا نحو القضاء على طارق أو متحايل إيمانا من أبناء الصحراء أن هذه التحركات ما هي إلا تحركات للانقضاض على وحدة المملكة المغربية التي أصبحت هدفا للتطاحن الدولي الاستعماري الذي انتهى بظهور «المسألة المغربيـة لأن محاولات تفتيت الوحـدة الوطنية بعد سنة (1324 هـ/1906 م) قـد حقق خطوات كان لا بد منها ومـن إحداثها لاعتبارات متعددة ...
ولذا فإن الطابع العلمي والأدبي الموحد الذي كان دائما مظهرا طبيعيا لوحدة بلادنا لم ينته ولم تؤثر عليه العوامل الانفصالية الطارئة والمفروضة حتى اللحظة بالرغم من مشكلة الحدود الصورية المصنوعة من طرف المستعمرين المتحالفين وعملائهم.
ولذلك يشير الشاعر الصحراوي بقوله:
حـدود شعوب الأرض سر وجودها  *    تهـون با الأرواح إن عــز مشـرع
بلى إننـا شعـب يريد حقوقـــه         *    لقــد ذل مـن يعطي القليل فيقنــع
سنقــدم إقــدام الليوث  يقـودنا         *    إلى النصـر مـولانا الإمــام المبدع
سنكتـب بالأرواح خــط حدودنا       *    ومــن دمنــا الغــال عليـه نوقع
والحقيقة أن مختلف هذه الخصائص الإقليمية القومية ومميزات الوحدة المقدسة التي تكمن في نفس الصحراوي العادي إنما هي نتيجة إيمانه بهذه الوحدة. هذا الإيمان الذي يرتكز عنده في أن الوحدة هي المظهر الحقيقي.لإسلام المغرب ونمسكه بحقيقة الإسلام واستمرار المغرب متحملا لرسالته التي تتمثل في الفاتح المبشر بدين الله وبرسالة رسوله الأمين عليه السلام).
ومـا نحن إلا أمــة عز شأنـها         *    يحـدها العـرش العتيـد ويـجمـع
وتجمعـنا الفصـحى  ودين وعادة     *    وموقعنا  في  الأرض يالـه من موقع
ويقول غيره:
اصبـو  بقلبي  لحـب  الوطـن         *    وبـه   اعتـزازي  مـدى  الزمـن
لـم لا يعـز علــي  والإيمــ            *    أن  فــي  حــب  الــوطــن
لا  أخــرجـن  عـن  حبــه            *    أو تخــرج  الــروح   البــدن
ويقول:
لئـن  اشترى  الأعـداء خيـــ          *    رات  البـــلاد  بــلا  ثمـــن
وإلى  الإهانــة   أهلـــــها            *    باللجــم   قــادوا  والــرســن
فستقلبــن  لهــم  بنـــــو               *    وطنــي   ظهــــر  المجـــن
أعنـي المغاربة الجحافلة  الأســ     *    ود مـــــدى  الزمـــــــن
وتعبضهـــم مـن قوة العـــ            *    ـز المذلـــة  والوهـــــــن
والفقـر مــن ذاك  الغنــــي           *    والخــوف مـن ذاك  الأمــن (11 )
ولذلك فإن الحقيقة تبرر أن الاستعمار ومن سيسر في ركبه هم الذين يعملون على خلق إقليمية انفصالية ولو أن هذه الإقليمية الانفصالية التي يختفي من ورائها هؤلاء هي أيضا من أقوى ركائز وحدة المملكة وحصونها الخالدة وذلك هو إيمان الصحراوي المسلم الذي حاول المستعمرون بالأمس استغلاله لتفكيك الوحدة ويعمل اليوم جادا لتركيز انفصاليته هذه ... ومن مواقف زمانية متجددة ... وذلك ما لا يمكن تحقيقه في أي جهة من جهات المملكة الشريفة ولو تضاعفت نسبة المتحالفين ضد الوحدة لأن أرادتنا واحدة، واختيارنا واحد وما ضاع حق من ورائه طالب.

الاتجاه الأدبي الصحراوي:
أما الاتحاد الأدبي في الصحراء فهو جانب من جوانب هذا الموضوع.
وهكذا فإذا كنا سنلتقي مع هذه الظروف بالذات التي هي ظروف معركة الوحدة التي تبرر بالخصوص شعر الكفاح والمعركة والوحدة. فسنرى أن أدبنا في هذا المجال قد قطع مراحل مهمة جدا سواء في البيت الشعري أو المضمون أو الأسلوب مما يجعلنا نلمس من مختلف النماذج التي سنتناولها في صور رائعة من صور الأدب الثوري الذي يعبر  في إيمان ووضوح وصدق ووطنية مما يتحدث عنه هؤلاء المجاهدون الأدباء.
وإذا كانت صحراؤنا تعيش ظروفا دقيقة ومتعبة والاستعماريون والمتحالفون معهم يحاولون أن يخلقوا وجودا لهم ويفتتون به هذه الصحراء مستغلين الظروف الدولية الدقيقة من جهة وعابثين بالوحدة الوطنية من عدة جوانب فإن الذين ألفو استغلال أقاليمنا الصحراوية بالأمس رفضوا اليوم نداءها وطلبها للتخلص والوحدة.
وذلك ما يشير إليه الشاعر ( 12) في ندائه هذا:
قـل لمـن رام أن يدبر حكمـا   *    فـوق أرض لنا  ونحــن اللباب
زل ظلمـا وظل جهـلا وخبثا   *    ولعمـري قد صـاد منـه الذهاب
كيـف أسـد بذات غاب أهيجت *    مـن ذئاب فقـد تفـر الذئـــاب
إن للأرض ثمــرة وحمــاة     *    ولعمـري لــذان نحـن  الشباب
ويقول غيـره في نفس الصرخة:
هـذي الصحاري لابني العـالي بها *    مكـرا تقلبه الأعــادي  أسفــلا
فالساكنــون بها بعجـــز منهم       *    كل بنـار الظلم والجــور اصطلا
فارفـع بفضـــلك حتى يعيــ         *    ـض الساكنون بها النعيم من البـلا
هـل تطمئن ونحـن ننظـر بعضا    *     نظـر الصحيح إلى السقيـم المبتلا
مـولاي هـذه سبتــة ومليلــية       *    فاحلل مــن أمرها الذي  قد أشكلا
عينـان قبــل نرى بكــل منهما وبإفني ( 13)غـرس العـدو جذوره *
 * ما في الجزيــرة  مجملا ومفصلافأقلــع بعزمك  منهم ما استأصلا
لا زال سعيك بالنجـاح مكلـــلا     *    والشعــب فيك مبلـــغ ما أملا
  حتى تنـال بك الأفــارقـة الذي    *   تصبــو إليه من الكمال مكملا (14 )
ويقول آخر:
عفـت الديار بنكبـة الإحـــاء  * لتعـاقب لا صبــاح  ولا مسـاء
يا ليـت أطرف البـلاد تلاطمـت  * يومـا فمـا ابلغـت سوى الأشلاء
كي نستـريح مـن الطغاة بقصدنا  * ويبعـدهم فـي كفـى  ازارء (15 )
وأدب الكفاح والوحـدة في الأقاليم الجنوبية أدب يرتكز على أسس وتطـورات وخصائص ومعطيات مهمـة هي نفس المعطيات والخصائص التي اكتسبها منـذ الظروف التي نشأ فيها هذا الأدب الغني الخصب الذي شق طريقة فكسب نفسـه مميزات وخصائص. وتوفرت لـه عناصر الأدب ما لـم يتوفر لغيره عاطفـة ومعنى وأسلوبا... وهو في كل هـذا شعر مطبوع، لا تكلف فيـه، يغلب فيه الطبع على الصنعة فيكاد يخفيها ( 16).
ومن هنا فإذا قمنا بتوزيع مبسط حاولنا من ورائه أن أن نأتي بصور أدبية لأدب الكفاح في الأقاليم الجنوبية في إطارها مع كل نقطة من هذه النقط الأربعة على حدة تؤكد وتوضح أن المعركة مستمرة منذ ظهور التسلط الاستعماري في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن الحالي على المغرب حتى الآن وستستمر وتلك حقيقة الدعوة التي تنبثق في جميع جهات المملكة ويشير غليها شاعر الصحراء في هذه الأبيات التي صرح به:
إن الجـــلا لمحتــم على معـاقلنا * في صحرائنا بل في الساقيـة الحمراء
وفي أيفني في سبتة في مليلة حيثما اغتصبوا * هنا... تظل الصحراء الراية الحمراء
أما شاعر تحكانت فيقول (17 )
واســم في جـوارهـــم وقربهـم  * ومسلـم بنارهــم لا يصطلـــى
ترجـون أمر الكافريـن بعدمــــا * نفــاه رضى المحكــم المنــزل
تالله لمــا لكافـر عهـــــد ولا     * لــه إليــه إذا مـــــا يأتلى
ومــن يحكــم كافرا في نفســـه  * لا غــرو إن بــاء بشـر المقتل
ويقول العلامة أحمد يكـن بن محمد المختار بـن الأعمش وهو يؤكد تجديد البيعة لجلالة الحسـن الأول:
إلى الأميــر الكامـل بــن الكامل * نجـل الأمير العــادل بـن العادي
متى سـلام حافــل وتحيـــــة     * موصــولة بمــزيد خيـر نائـل
مـولاي قـد حسنـت بكـم أيامنــا  * وزهـت بعـد للبـرية شامــــل
سـدت الخـلائق كلهــا بعزيمــة  * علـويـة تنثنى عـن جــــاهل
ذو ختــم أقطارهــا بمهابــــة     * وغلبــة ومذلــة لمحــــاول
يخشاكـم مــن كان منكــم ممنعـا  * فغـدا مصاحـب أدهـم وســلاسل
لا غـرو إن كنـت الإمــام وظلـه * في أرضـه والسيـف  للمتطــاول
أضحـت بــلاد الله في أمــن وفي* عــز لحكمكــم الصحيـح العادل
فالجــود عـم بلادنـا لقدومــــه   * والخيـر طـم بكثـرة  وتــواصل
فعليـك سيدنـا سبيــل محمــــد   * وصحابتــه ثــم الأنوف  فواصل
فـلازمه واستمسـك بغـــرز ركابه * فهــو السبيل لكـل حـر  فاضـل
 لازلــت سيدنـا مبينــا سنـــة    * غــرا مبنيــة لنــور أفـــل
هــذا وإنـي إلى لقائــك شيــق   * كيمـا أفـوز ببغيتي وسائـــــل
وافيتكــم بقصيــدة متطفــــلا  حسنـاء يزهــر ضـوءها بخمائل
ثـم الصـلاة عـلى النبي محمـــد  تترا مـــع الغدوات والأصائل (18 )
أما بالنسبة للنثر فاكتفى بنص سياسي له أهميته البالغة وهو للشاعر العالم محمد عبد الرحمن الدرجاوي العلوي نزيل العيون حيث يقول في هذا النداء:
«أيها المواطنون ...
سلو شبرا من أرضكم لم يسقه الاستعمار من دموع أعزائكم ودمائكم؟ أفي آذانكم وقرا أم في قلوبكم أقفال؟ ...
«أيها المواطنون
إن طعم الحرية لذيذ لكنه لا يوجد الحلو عفوا ...
أيها المواطنون فتيانا وفتيات أن نتيجة الانتفاضة حتمية. فانتفضوا أغلالا حطمتكم وقطعوا حبالا حسرتكم وامشوا إلى النصر فالنصر ينتضركم.
أيها المواطنون:
أعلنوا عن رغبتكم ولا عليكم
أعلنوا ولا لوم عليكم
أعلنـوا إنكم لن تلاموا أن مبادئ الحرية تمشي إليكم، أن تعلنوا عن رغباتكم وتوحي إليكم أن تواجهوا بالحقيقة الاستعمار الغاشم.
أيها المواطنون
انفروا خفافا وثقـالا وجابهوا الاستعمار وعملاء الاستعمار بما في أنفسكم وتوكلوا على الله. وخافوه ولا تخافوهم.
أيها المواطنون انفـروا خفاقا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله. ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون (19).

القرويين مركز للوحدة:
والحقيقة أن الأدب المغربي في الجنوب قد شهد تطورات ومراحل تختلف باختلاف مدى العلائق التي تربط مختلف أقاليم المملكة ومن الأنصاف أن نؤكد أن عهد الدولة العلوية الشريفة يعتبر بحق العهد المشرق الذي كتب فيه الشعراء والعلماء أن يعيشوا عصرا ذهبيا حيث تهيأت لهم ظروف الاستقرار في ظل دولة جعلت من شعراء الجنوب وعلمائه رعايا مخلصين للعرش ورسل ثقافة ودين ووحدة. ينشرون العلم والمعرفة ويرشدون إلى طريق الهدى والاستقامة فنمت في ظلها نهضة أدبية ناجحة،  وقامت تحت رعايتها حركة علمية واسعة تجاوزت الصحراء المغربية المتراميـة الأطراف إلى ما وراء الحدود المغربية من غرب إفريقية حاملة تعليم الدين الإسلامي وناشرة الثقافـة العربية بين الشعوب الإفريقية السوداء ومركزة الوحدة الخالدة.
وإذا استعاد المغرب وحدته فقد تهيأ للعلماء والشعراء في الأقاليم الجنوبية بالخصوص الاحتكاك بأدباء الشمال. وعادت جامعة القرويين بفاس موردا للعلماء والشعراء وينبوعا تستقي منه شنقيط التي كانت تنقل عنها العلم  والأدب لتنشرها في الجنوب المغربي بل وفي غرب إفريقيا وقد اهتم سلاطين الدولة العلوية بتكوين خزانات عظيمة لا تزال قائمة في الجنوب مما جعل تلك المنطقة الشاسعة تتوفر على مصادر علمية وأدبية.
وفي هذه الظروف نشأ هـذا الأدب الغني الخصب حيث كثرت المقامات والرسائل المطولة وانكب الشعراء على الأراجيز والسجـع وتعددت أغراض الشعر وتنوعت أساليبه وشـق أدب الجنوب في هذا العهد طريقـه فكتب لنفسه مميزات وخصائص وتوفرت له مـن عناصر الأدب مـا لم يتوفـر لغيره عاطفـة ومعنى وأسلوبا وجبالا وهـو في كل ذلك شعر مطبوع لا تكلف فيـه، يغلب الطبع فيه على الصنعة فيكاد يخفيها.
وقد سجل الشعراء كل ما عاشته الصحراء من حروب وصراع وكل ما مرت به من تاريخ ووصفوا الطبيعة وتغزلوا ونسبوا ومدحوا وهجوا وعالجوا مجتمعهم ...            
وكان شعرهم تعبيرا صادقا وصورة واضحة لذلك المجتمع ولتلك البيئة كما كان ديوانا يستخلص منه تاريخ القوم وحياتهم الاجتماعية.
ولا يمكن معرفة التاريخ المغربي في الجنوب إلا بدراسة الأدب والاطلاع على الأشعار والمقامات والرسائل المطولة والأراجيز، وذلك ما جعل الانفصاليين في الجنوب لا يؤدون نشر هذا الأدب الذي عاش عصور الوحدة المغربية لأنه حجة ناطقة لا تقبل الجدل ولا يمكن إخفاؤها وذلك ما اصطدم به صاحب كتاب «شعراء موريطانيا» ( 20).
ومن هذه المعطيات فقد حافظ الأدب الصحراوي منذ نشأته على ذلك الطابع العربي الوحدوي المحض، وعلى تلك الجزالة والقوة وعلى تلك الصنعة الفنية البديعة.
نعم، يأخذ بعض النقاد على هؤلاء الشعراء أنهم لم يجددوا ولم يتخلوا على الأسلوب القديم، إلا أن هؤلاء النقاد فأتتهم أن ظروف الحياة وتقاليد المجتمع الجنوبي تفرض على الشاعر الصادق أن يعبر عنها كشاعر يعيش في مجتمع بدوي.
أما اليوم فإن أكثر هؤلاء قد شملتهم النهضة الأدبية الجديدة (21 ).
وسيلاحظ ذلك فيما يقول الأديب سيدي محمد بن الطلب:
ألا فخـري يا صحـراء دائرة الأدب *    أجـر إليك ذيول اللهـو يتهجى طرب
رميـت وجـوه الخائنيـن بثــورة      *    وأصبحت وسـط العقد جامعـة العرب
ولا تسمعـي يومـا مقالـة خائــن      *    تقلبـه أيـــدي الأجانــب للارب
فأنـا بنـو الأوطان نحمي. نقـدرها    *    ونمتعـه الأنجـاد والسهــل والترب
ويقول شاعر الوحدة محمد الكبير العلوي:
فما جبهـة التحــرير آلت وأقمـت    *    لتنقــذ ذاك الجــزء ممــن تجبرا
تحــرر ذلك الجزء من قبضة العدل *    وتقهــر فيــه الطاعــن المتكبرا
ونحــن أناس لا نريــد توسعــا * ولا ندعي أمــرا ببطل ولا افترا (22 )
وبعد فإن الأدب المغربي في الجنوب الصحراوي أدب له صفاته وطابعه الخاص وأكبر هذه المعطيات هو طابع الوحدة المغربية في هذا الأدب التي تضفي عليها طابعه الاستقلالي الوحدوي.
ومن هنا فإن التراث المغربي في الجنوب تراث موحد يمتاز بالمعطيات الوطنية وبالطابع القومي.
وهكذا فنحن عندما نحاول أن نلتقي مع الذين يهمهم الأدب في الجنوب الصحراوي. فنحن لن نقف بحثا عن جذور هذا الأدب ومقوماته بقدر ما نحاول أن نتناول الوحدة الثقافية ومظاهر الثقافة المغربية في الجنوب المغربي الصحراوي من جهة أخرى لأن التراث وحدة قائمة والأدب قائم.
وإن كان بعض المهتمين بالأدب ينظرون إلى الأدب الصحراوي نظرة محدودة... على ضوء ما أتى به صاحب كتاب (الوسيط) المطبوع في بداية القرن العشرين أو كتاب (شعراء موريطانيا) المطبوع بعد ذلك أو ما كتبه آخرون هنا وهناك فإن الأدب المغربي في الصحراء هو جزء من أدب الوحدة الذي يرتكز على أسس ومقومات وطنية أصيلة هي وليدة أربعة عشر قرنا من التطور والعمل من أجل خلق ثقافة مغربية موحدة أساسها وطابعها الاستقلال الفكري المغربي العربي ... وبلورته على أسس المقومات القومية والتاريخية في مختلف مجالات الثقافة والفكر ...
وهذا ما يجعل مظاهر الأدب في الجنوب المتجسمة الآن بالخصوص في الشعر الأصيل محافظة على هذا الطابع الذي يرجع بها إلى أصل نشوء الفكرة وبلورة هذا الطابع ولو أن البعض يرى أن مظاهر أدبنا في الجنوب قد اقتصرت على قرض الشعر فإن هذا الرأي مردود. وبين أيدينا اشياء أخرى غير الشعر وغير المجال الأدبي.
يقول شاعر الوحدة:
وسعي الغــلاة ليمسخوه وإنما  * أبـت العـروبة فيــه والإســلام
فتمـرد الأحـرار وانتفضوا وقد * ربتهــــــم الثــورات والآلام
فالحر إلا مـن يعيش مخاظـرا  * فالمـــوت فـرض والتقـاعس ذام
خاطــر فمهما عشـت مكرما    * أو مـــت مت وما عليك ملام (23
 )


(1 )  مجلة (دعوة الحق) أعداد:
ـ ص 19، ع 2 و3 صفحات 109/144 يبراير 1978.
ـ ص 31 ـ ع & صفحات 84/91 مارس 1980.
ـ ص 22ـ ع 2 صفحات 71/78 ـ أبريل 1981.
(2) كتاب (الجأش الربيط) للشيخ محمد الإمام بن الشيخ ماء العينين مطبوع سنة 1937 بالرباط.
(3) دعوة الحق (ع 3 ص 23 ـ أبريل 1981 ـ ص 173.
(4) مجلة العلوم اللبنانية  (ع 5 ـ يناير 1939  ص 2).
(5) أنظر الأعداد الثلاثة من مجلة (دعوة الحق) السابقة المشار إليها في طرة هذه الدراسة تحت رقم (1).
(6) يسمى في باقي الأقاليم (المشارطة).
(7) من تقييد خاص بخزانة الكاتب.
(8) المصدر السابق.
(9) (دعوة الحق) ص 18 ع 3 ص 80 فاتح أبريل 1972.
(10) من قصيدة للشاعر الكبير ماء العينين ابن العتيق سنة 1938.
(11) للشاعر الكبير المرحوم محمد سداتي الهبة (دعوة الحق) ص 18 ع 4.(1397 هـ/1977م)
(12) المرحوم الأستاذ العبادلة بن الشيخ محمد الأغطاف.
(13) عادت إلى الوحدة مع الوطن في 4 يناير 1969.
(14) للشاعر الكبير محمد سيداتي الهبة (من تقييد في خزانة الكاتب).
(15) للشاعر الكبير محمد عبد الرحمان الدرجازي العلوي نزيل العيون (دعوة الحق مايو 1977 ت ص100).
(16) يقول شاعر الوحدة محمد الكبير العلوي (ص تقييد خاص).
(17) الشاعر الفحل الأستاذ محمد العاقب
(18) توجد ضمن تقييد في خزانة الكاتب.
(19) أنظر جريدة (صحراء المغرب) (ع.77-19 شتنبر 1918).
(20) الميثالي يوسف مقلد المطبوع على نفقة (مكتبة الوحدة العربية) بالدار البيضاء سنة 1962.
(21) في تقييد خاص في خزانة الكاتب.
(22) من قصيدة للشاعر قالها عند زيارته لمدينة مراكش سنة 1960.
(23) من قصيدة (دماء) لشاعر الوحدة محمد الكبير العلوي نشرت بالأسبوعية (صوت المغرب).


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here