islamaumaroc

البدايات الأولى للاحتفال بعيد العرش سنة 1933.

  دعوة الحق

227 العدد

كان يوم 16 مايو 1930 قمة افتضاح السياسة التي كان يخطط لها الاستعمار الفرنسي ضدا على مصلحة الشعب ففي فصول الظهير البربري المؤرخ بالتاريخ المذكور برزت النوايا الاستعمارية بأحلى مظاهرها وظهر أنها تبيت للشعب بإدماجه في العائلة الفرنسية. ومحاربة جميع مقوماته الأساسية من لغة ودين وحضارة وقيم وتبيت للعرش بنزع جميع اختصاصاته التشريعية والقضائية وتبقيه جسدا دون روح وهيكلا دون نفوذ.
لقد التزمت فرنسا في معاهدة الحماية التي فرضت على المغرب فرضا ـ بأن الإصلاحات التي ستقوم بها مساعدة للمغرب لا تمس الدين الإسلامي من قريب ولا من بعيد بسوء ولا تلحق بنفوذ جلالة السلطان أي تغيير أو أذى بل العكس من ذلك ستعمل على تقوية نفوذه وبسط سلطانه على مختلف أنحاء البلاد بما فيها الجهات التي كانت ثائرة على الاحتلال الأجنبي. ومعنى ذلك أن فرنسا كانت ملتزمة بالحفاظ على وحدة البلاد المغربية تحت نفوذ جلالة الملك وحـدها باعتباره صاحب السلطة الشرعية ورمز كيان البلاد والحارس لوحدتها وعقيدتها ووجـودها ولكـن السلطات الاستعمارية كانت تعتبر كل ذلك مجرد مرحلة فما كادت تثبت أقدامها. وتوطـد أركانها حتى صارت تدبر للتنكر لكل ما تعهـدت به وصارت تخطط لتحقيق أحلامها التي طالما راودت عقـول ساستها وأسالت لعابهم مـن خلق امبراطورية شاسعة الأطراف في إفريقيا سموها، فرنسا ما وراء البحار. وهكـذا ابتدئوا بالجزائر فاعتبروها قطعـة فرنسيـة ملحقة ببلادهم  وثنوا بتونـس ودبروا ومكـروا للقضاء على شخصيتها ثم جاء دور المغرب ليلحقـوه ويدمجوه بفرنسا عن طريق التفريق والتشتيت وقطع الأطراف وعـن طريق التبشير والتمسيح وخلـق أعـراف ما أنزل الله بها من سلطان.
وهكذا استصدروا ظهير 16 مايو ـ 1930 الذي قالت عنه جريدة «الطان» إذ ذاك وهي جريدة يومية شبه رسمية تماثل جريدة «لوموند» اليوم في قوة الانتشار وكثرة القراء قالت «الطان» في مقال نشر بتاريخ 27 مايـو أي بعد مرور أحد عشر يوما ـ على صـدور الظهير البربر: «إنه عملا عظيم جدير أن تهنأ عليه فرنسا. فلقد تخلصت قبائل البربر من سلطة الشريعة الإسلامية وإنه يصدر هذا الظهير ثم للسلطة الفرنسية إبعاد الشرع الإسلامي وطرد السلطة المخزنية من التحكم بالبلاد.
لا أود أن أحلل في هذا المقال فحوى الظهير البربري بفصوله السبعة ولا أود أن أتناول هذه الفصول بالتعليق والتحليل وإنما أود أن أقول «إن صدور الظهير المذكور هز مشاعرنا نحن شباب ذلك الظرف وحرك أوتار قلوبنا وفتح أعيننا على ما يراد ببلادنا وعرشنا وما يدبر لهما من مكر.
لقد كنا مقتنعين تمام الاقتناع أن بلادنا عاشت بالإسلام فما ارتضى المغاربة دينا غير دين الإسلام منذ أن شرح الله صدورهم للدخول فيه، وما ارتضوا حكما غير الحكم الإسلامي... وما تعاملوا وتثقفوا وتعلموا إلا بالثقافة الإسلامية العربية، فكيف يمحى تاريخهم وعقيدتهم ولغتهم في رمشة العين.
ولقد كنا مؤمنين كل الإيمان أن العرش المغربي العلوي استمرار لوجودنا الحضاري والديني. ورمز لوحدتنا الوطنية  والدينية  والترابية والسياسية فكيف نقبل أن ينقص من نفوذه أو يزال من سلطته ليستبذل بنفوذ أجنبي. وتحكم استعماري عاث ظالم.
لطالما ناضل الملوك العلويون أمثال المولى الرشيد والمولى إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله والمولى الحسن الأول لتصان الوحدة الوطنية ويتشبث مركز الدولة المغربية وبتقوى جانبها فلا تخضع لأي أجنبي ولا تركع لأي دخيل بل يبقى نفوذها في الداخل والخارج وصيتها مسموعا بين مختلف الدول الأجنبية وهيبتها تملأ مسامع العالم الأوربي بجيشها وأسطولها وشجاعة أبنائها. لقد تآمر على المغرب كثير من الخصوم والأعداء وحاولوا السيطرة على بعض مدنـه وشواطئه فقام ملوك هذه الدولة العلوية بالدفاع عن حوزته وتطهير أطرافـه من غارات المعبرين وكيد الكائدين. واسترجعوا سلما أو حربا. بعض الأطراف التي كانت اغتصبت مكـرا واعتداء عليه وقاموا بواجبهم في الدفاع عن حـوزة الوطن وبيضة الدين ونشر ألوية الأمن بين المواطنين وإذا كانت آفـة الحماية حاقت بهـذا الشعب الأبي الحر، فإنه بيعة السلطان الشاب سيدي محمد بن يوسف ضمينة باسترداد ما ضاع. وتحقيق ما يطمح إليه الشباب الوطني والشعب المغربي قاطبة.
إن الاستعمار إذا كان يخطط لاستمرار وجوده. فإن الشعب المغربي كفيل إن شاء الله بإفساد هذه المخططات ومقاومتها وأن العرش المغربي كما كان في الماضي حارسا أمينا للبلاد مدافعا عن حوزتها. مناضلا في سبيل الحفاظ على وحدتها وعقيدتها سيبقى عاجلا يده في أيادي شعبه. صيانة للأمانة وذودا عن الحرمات وافتكاكا للكرامة واسترجاعا للاستقلال.
لقد وعت الحركة الوطنية في بدايتها مسؤوليتها وأدركت بتوفيق من الله أن التآمر الاستعماري لا يقاوم إلا بوحدة ملتحمة بين الشعب والعرش وأنه بهذا الالتحام  سنسد الطـريق أمـام العدو المتربص بالشعب الدوائر. والذي جعـل شعاره الدائم، فـرق تسد فهـو يريد أن يفـرق بين الملك وشعبه وهـو يريد أن يفرق بين الشعب بعضه بعضا. وما سياسته البربرية إلا نموذج واحد رهيب من تخطيطاته في التفرقة والتشتيت.
لقد أصبح شعارنا في بداية الحركة الوطنية هو الوحدة، الوحدة في العقيدة الوحدة في العمل الوحدة في اللغة الوحدة مع العرش، فالشعب بالعرش والعرش بالشعب ولن يفترقا.
وزاد في هذا الالتحام الوحدوي ما كنا نسمعه ونقرأه عن الملك الشاب محمد بن يوسف ألم ينطق ساعة تنصيبه على عرش أسلافه المقدسين قلائلا، «إن الشعب المغربي ينتظر منا مجهودا مستمرا لا من أجل سعادته المادية وحدها ولكن لنضمن له تطورا فكريا يكون متلائما مع عقيدته ويدفعه ليرتقي درجة عليا في الحضارة بأكثر ما يمكن من السرعة» إذا لقد نصب نفسه للعمل الجاد الذائب حتى تتطور بلاده التطور المنشود في دائرة الحفاظ على عقيدة الشعب ووجوده وأي شئ تهدف إليه الحركة الوطنية الشابة غير التطور في دائرة الحفاظ على العقيدة وصيانة وجود المغرب الحضاري من عبث العابثين. وتأتي حركة مقاومة  السياسة البربرية المشـؤومة ليقف الشباب الوطني ومن ورائه الشعب المغربي وقفة رجل واحد يدعو إلى بطلانها ويعمل على إحباطها ويلتجئ الشعب إلى العلي القدير اللطيف الخبير، مجتمعا بالمساجد متظاهرا بالشوارع مستنكرا ومحتجا. رافعا صوته مطالبا بالاعتصام بالوحدة التي لا انفصام لها، ويمضي وفده الأمين إلى القصر الملكي العامر. مستجيرا ومستغيثا رافعا عريضته إلى أمير المؤمنين وحامي الوحدة والدين قائلا فيها، فالقصد منا بهذا الكتاب والتضرع المستطاب استعطاف ذلك الجناب واستمتاح مواهبه السابغة الجلباب بمناسبة المسألة البربرية التي أهم شأنها بإيالتكم الشريفة كل البرية رغبة في دين الإسلام، إذ من يهتم بأمر المسلمين فليس منهم كما قال عليه السلام، وتمسكا بأذيال كلمة الله العليا. دون تفرق في الوحدة المغربية أو انقسام بالعروة الوثقى، وجريا على سنن السلف الصالح أهل الديانة والتقى. واعتصاما بحبل الله تعالى النجاء وتضرعا لئلا نكون من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا راجين من جنابكم العالي السامي المقدار ذي المجاداة والفخار أن يتلقوا لهذه المسألة بهمتكم العلية. وفكرتكم الذكية. والتفاتة تبصر واعتبار. واهتمام ذي شهامة واقتـدار حتى ينجلي عن رعيتكم المخلصة في طاعتكم  الكرب الذي حز بها وينكشف الغم الذي نابها فمد يدكم الشريفة لمناولة هذه اللائحة التي توافي جنابكم الرفيع. وتؤم ربح ناديكم البديع مشتملة على رغبات هي أجدر أن تحظى مـن سيادتكم بجـوائـز الإجازة والمساعدة وأن تصادف من شيمكم السامية دور الاستحسان والإجادة بظهير شريف تلقونه يوم القيامة كتابا منشورا وعملا متقلبا مشكورا وجزاء موفورا، ثم تتمادى العريضة في شرح الحالة والدور الذي قامـت به القبائل البربرية في نشر الإسلام والدفاع عن حوزته ثم المطالب الأساسية التي في طليعتها، احتـرام نفـوذ جلالة الملك أيده الله وتثبيت سلطته الدينيـة والدنيوية وجعل سائر الحواضر والبوادي خاضعين لحكـم الشريعة الإسلامية وتوحيد التعليم واحتـرام اللغة العربية لغـة البلاد الدينية والرسمية في الإدارات كلها وعدم إعطاء أي لهجة من اللهجات البربرية أي صفة رسمية ومن ذلك عدم كتابتها بالحـروف اللاتينية وإيقاف حركة المبشرين إلى آخر ما جاء في العريضة.
ويحمل الوفد الأمين تحت رئاسة عالم فذ وقور من علماء القرويين هذه العريضة ويتشرف بالوقوف بين يدي العاهل الشاب ـ وهو أول يوم يمثل ممثلو الشعب بين يدي جلالته ـ فيلقي رئيس الوفد كلمة مؤثرة أمام جلالته. ويعبر عن شكوى الشعب المغربي وألمه وحزنه واحتجاجه من السياسة الاستعمارية التي خطط لها الاستعماريون بصدور ذلك الظهير البربري المشئوم. ويطلب منه أن يقف جنبا إلى جنب الدفاع عن وحدته وعقيدته وتلبية المطالب التي أشرنا إليها من قبل ويلاحظ أعضاء الوفد جميعهم أن عينى جلالة العاهل الكريم تنهمران بالدموع وهو يستمع إلى كلمات الشيخ الوقور متأثرا أيما تأثر من تلك الكلمات الصادقة المخلصة ومؤكدا أنه سيبذل جهده وكل ما يستطيع لعرقلة تطبيق السياسة الخرقاء، وكل ما من شأنه أن يضر بوحدة البلاد وعقيدتها، والشعب المغربي ومطامحه ومطالبه، وتتناقل الأفواه وتتحدث الألسن عن ذلك اللقاء التاريخي بين ملك مخلص شاب وممثلي شعب تواق إلى الوحدة والعزة والكرامة والتحاكم بما انزل الله. ونشعر نحن الشباب الوطني المتوثب إلى الحرية والكرامة والمجد أن جانبنا تقوى ووحدتنا تحققت ومستقبلنا ضد ضمن فما كان لحركة يرعاها ملك مخلص ومطالب يتجاوب معها عاهل شاب صادق أن تفشل فلا تحقق ما تطمح إليه، وما كان للسياسة الاستعمارية المفرقة أن ننجح وقد وقف ضدها شعب متمسك بوحدته وعرش حريص كل الحرص على الاستمساك بحقه وحقوق شعبه.
وتتوالى الأيام وتتبعها الشهور والأعوام ليزيد الالتحـام والوثوق بين الحركة الوطنيـة وملكها الهمام وبتأكد للأعـداء والخصوم قبـل الأصدقاء والأحباب أن هـذا الشعب وضـع يده في يد ملكه الشهم الهمام وأنه لا فـرقة بينهما ولا خصام فهو تعلق ومحبـة في الله والله ما كان لله دام واتصـل وما لغير الله انقطع وانفصل.
لقد أصبح الملك محمد بن يوسف أنشودة يتغنى بها الشعب والتعلق بالعرش مبدأ من مبادئ كل التزام وطني شريف وتغنى شاعر الشباب الوطني إذ ذاك المرحوم علال الفاسي قائلا:
يا مليـك المغـرب
يا ابـن عدنان الأبي
نحـن جندك للفـدا
نحمـي هذا الملك
عـرش مجد خالد
ماجـد عن ماجـد
قـد بناه الأولـون
في شمـوخ الفلـك
وتغنى غيره من الشعراء بمثل ما تغنى به وأصبح اسم الملك والعرش ملء الأسماع والأبصار والقلوب، وتساءل بعض اليساريين الأجانب هذا التعلق بالعرش؟ والعروش ليست علامة على التطور والتقدم. وأجبنا بأن العرش المغربي يختلف عن العروش فهو من العشب وإلى الشعب وبتلاحم مع العرش استطاع المغرب أن يطهر من الغزاة وأن يصمد أمام المغامرين والعرش العلوي خاصة لم يصمد ثلاثة قرون إلا لخواص بها دون بقية العروش فهو ضمان الوحدة الوطنية وهو رمز السيادة القومية. وهو ضامن الدفاع عن وحدة التراب ووحدة العقيدة ووحدة اللغة. وهو مع ذلك كله تشخيص لسلالة الرسول محمد عليه السلام، رسول البشرية وهاديها إلى الطريق القويم والصراط المستقيم.
إننا نرى في العرش المغربي أمجاد ثلاثة قرون، بل نرى في اعتلاء محمد ابن يوسف العرش المغربي انبعاثا للأمجاد، وانتعاشا للأرواح. فلأمر ما أرادت القدرة الإلهية أن يبتدئ الانبعاث الوطني أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات، وأن يسامتها في الوقت نفسه مبايعة هذا الملك الشاب الذي سيكون إن شاء الله مجدد القرن ومحرر الشعب وأن سيبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، وأنه هيأ لها من سيعمل على تحريرها.
وهكذا تجلى للأنظار أن ما كانت تخطط له السلطات الاستعمارية من تقليص  نفوذ جلالة السلطان، إن هو إلا تخطيط لعرقلة تقدم الشعب ومقاومة أمر دينه ودنياه، وهكذا قررت الحركة الوطنية الفتية أن تريد من تشبثها بالعرش العلوي في شخص محمد الخامس. وهكذا صارت فكرة التحدي للاستعمار والتشبث بالعرش تزيد قوة ومناعة وهكذا بدأت تبرز فكرة الدعوى إلى اتخاذ يوم عيد جلوس الملك على عرش أسلافه المقدسين عيدا وطنيا يبرز فيه تعلق الشعب بملكه والتحام الملك مع شعبه.
لقد كان أول من كتب في هذا الموضوع الذي كان يشغل الأفكار حسب علمي المرحوم محمد حصار، ففي مقال كتبه بمجلة «المغرب» التي كان يصدرها السيد محمد صالح ميسة الجزائري تحت عنوان «الأعياد الإسلامية» طالب علينا في ختام مقاله اتخاذ يوم عيد جلوس الملك على عرش أسلافه عيدا وعلقت المجلة على المقال محبذة ومؤيدة لقد كان في أوائل سنة 1933 وما أن أقبل شهر نوفمبر سنة 1933 حتى تجند الشباب الوطني في كل من سلا والرباط وفاس ومراكش للاحتفال بهذه الذكرى وهكذا تأسست لجان وطنية بهذه المدن، للدعوة إلى إقامة الحفلات بهذه المناسبة السعيدة ففي «سلا» نشطت اللجنة الوطنية الموكول إليها تنظيم الاحتفال. ودعت إلى إغلاق المدارس والإدارات وإظهار معالم الزينة والأفراح ووجهت البرقيات المتعددة من العلماء والأشراف والأعيان والشباب إلى صاحب الجلالة تهنئه بعيد جلوسه على العرش وتتمنى له الحياة السعيدة والعمر المديد.
إنني لا أنسى ذلك اليوم الأغر في حياتنا الوطنية فلقد لبسنا ثيابنا الوطنية الجديدة وأخذنا تلامذة (المكتب الإسلامي) وهو مدرسة النهضة الآن إلى المكان الذي أعددناه للاحتفال، وهم ينشدون الأناشيد الوطنية ويتغنون بأمجاد العرش العلوي ومن جملة ما كانوا ينشدونه في ذلك اليوم نشيد كان وضعه الأستاذ الشهيد السيد محمد القري رحمة الله عليه، ومن جملة أبياته التي أذكر.
أيها الشباب هبوا إنكم روح النشــاط
ولتحبوا في سرور وابتهاج واغتبـاط
           ملكـا يحي البـلاد
ملك الأوطان من هذا الشباب المستطاب
وشباب الشعب منسوب إلى ذلك الجناب
فلتقولوا في افتخار إنما الشعب الشباب
            وهـو ربان البـلاد                    
وبعد انتهاء الحفل الوطني الأول من نوعه، نظمت جموع الشباب التي كانت مجتمعة تظاهرة وطنية. وقصدت منزل الباشا مطالبة بأن يصبح هذا اليوم عيدا رسميا. تعطل فيه الأعمال وتظهر كعالم الزينة والأفراح.
وبالإضـافة إلى هذا الاحتفال تقرر توجيه جماعة من الشباب السلوي إلى الشباب الوطني الرباطي لتقديم التهاني كما ورد على «سلا» وفـد من الشباب الوطني الرباطي للتهنئة وإظهار الالتحام كما قرئت آيات من القرآن في المساجد ورتلت أمداح نبوية تجاوبا مـع المحتفلين ودعاء لجـلالة الملك بطول العمر أما في فاس فقد أقيم احتفال بجنان أبي الجنـود أعطت وصفا له في ذلك الوقت جريدة «عمل الشعب» الأسبوعية، وأما في مراكش فقد زينت قسيارية  السمارين بالأعلام ووزعت الصدقات على الفقراء والمساكين والعجزة (1 ).
ولقد كنت وجهت برقية إلى جلالة الملك إلى جلالة الملك باسم شباب سلا الوطني, نشرتها مجلة «المغرب» المذكورة وجاء فيها بالخصوص ما يلي: « إن شباب «سلا» مثلا ينتهزون فرصة عيد العرش السعيد ليرفعوا إلى جلالتكم ولاءهم واحترامهم الخالص ويعبرون عن تمسكهم بجلالتكم وسمو الأمير مولاي الحسن ويرجون من رحمتكم العفو عن السياسيين.
عن شباب سلا: أبو بكر القادري.
مضى يوم 18 نوفمبر 1933 في منتهى ما يكون من الروعة والجمال لم تر له البلاد نظيرا وأقبلنا على أعمالنا في اليوم المـوالي واقبل الشعب على أشغاله. وبينما أنا أعطي الدرس بأحد أقسام «المكتب الإسلامي» بالزاوية القادرية يوم 19 نوفمبر إذ أبصر من نافذة الفصل (مخزنيا) عونا من أعوان الباشا يدخل الزاوية باحثا عني فأقول في نفسي، لعل الإدارة الاستعمـارية لم تطق صبرا على ما وقع بالأمس ولذلك تكون أوعزت للباشا باستدعائي لتهديدي أو محاكمتي ويتقدم إلى «العـون» المذكور ليقول لي «إن الباشا يستدعيك باستعجال فلم يسعني،  إلا أن أوقف الدرس الذي كنت أعطي وأخـبر بعض إخواني المعلمين بأني مدعو عند الباشا لغرض لست أدري عنه شيئا. واقصـد منزل الباشا صحبة العون،  وكان مكتب الباشا الذي يستقبل فيه مدعويه،  ولربما يحكم عليهم فيه بجانب داره إذ كان الباشا ليس رئيس بلدية فحسب ولكنه حاكم أيضا ـ أقـول اقصـد الباشا ليستقبلني لا في مكتبه أو محكمته كما جرت العادة، لكن ليستقبلني بإحدى قاعات منزله.
لقد وجدته جالسا بجانبه أحد الأشخاص وأمام هذا «أواني الشاي» فسلمت عليه فرد بأدب واحتشام وطلب مني أن أجلس بجانبه ثم خاطبني قبل أن يناولني الخادم كأسا من الشاي قائلا، لقد اتصل بي الفقيه المعمري من القصر الملكي، وأمرني باسم صاحب الجلالة أن أبلغك وأصدقاءك شكره على ما قمتم به أمس من احتفال واحتفاء بمناسبة جلوسه على عرش أسلافه المقدسين ولقد وصلته البرقية التي وجهت إليه بهذه المناسبة وهو أعزه الله يشكرك عليها ويدعـو لك بالتوفيق وانتهت الجلسة بهذا التبليغ الملكي الكريم ورجعت إلى المدرسة لأبلغ إخواني وأصدقائي رضا جلالة الملك وشكره ودعـاءه لنا بالتوفيق وشعرنا بنشوة من الفرح ما عليها من مزيد وتبادلنا التهاني مع بعضنا بعضا. لقد حققنا ما كنا نطمح إليه. ولقد تجاوبنا مع ملكنا الشهم الشاب الهمام. فلنسر في طـريق هذا التجاوب الصادق المتين والله سبحانـه كفيل بتحقيق الأماني إذا ما حسنت النيات.
لقد اندهش الاستعماريون من هذه المبادرة الشعبية التي لم يكونوا ينتظرونها، والمفاجأة التي لم يكونوا يتوقعوها ففكروا ولكن لم ينفعهم تفكير ولا تقدير لقد تحطمت أحلامهم في فصل الملك عن شعبه. ولقد ذهبت مخططاتهم أدراج الرياح وهم يعملون على التنقيص من نفوذ جلالته وارتباط شعبه به فلقد زادت  مكانة هذا الملك الشاب في نفوس الشعب وأصبح الشباب الوطني ينتمي به. ويهتف باسمه ويعلق الآمال الكبيرة عليه. ولقد قررت كتلة العمل الوطني تقديم المطالب الأساسية لجلالة الملك وللسلطان وكان في طليعتها ما يلي: «اعتبار يوم تنويح جلالة السلطان يوم عيد رسمي الدولة المغربية ووجوب ذكر اسم جلالة السلطان في خطب الجمعة والأعياد بسائر أنحاء المغرب، حواضر وبوادي.
وتمضي الأيام والشهور سراعا ويأتي شهر اكتوبر من سنة 1934 ليشعر المسؤولون أن نوفمبر على الأبواب وسوف لا يتركه الشباب الوطني يمر دون أن يكرروا ما فعلوه في نوفمبر 1933 ولربما سيكون بصورة أقوى فلقد بلغتهم أخبار بأن الشباب الوطني يستعد كل الاستعداد للقيام بمهرجانات بمناسبة الذكرى وأن الشعراء والخطباء تحركت مشاعرها وانتفضت مشاعرهم وانتفضت قرائحهم فهم في غمرة من النشاط والاستعداد لقد قدم شاعرهم الفذ علال الفاسي إلى المطبعة قصيدة حول العرش المغربي تريد أبياتها على المائة والستين ولقد طبعوا الأناشيد الصغيرة والكبيرة وصاروا يوزعونها عللا الأطفال والشبان في الدارس والنوادي وحتى في الأسواق فلا مناص أمام هذه الموجهة في الاستعدادات أن يعملوا على سائر إصدار قرار ينظم الاحتفال ويعترف بالأمر الواقع، وهكذا صدر قرار وزيري من ثلاثة فصول من ثلاثة فصول ينظم كيفية الاحتفال بذكرى 18 نوفمبر ويعتبر ذلك اليوم عيدا رسميا تحتفل فيه المدن وتتزين الأسواق وتعطل فيه الأعمال وينتقل باشا المدينة تهاني الأعيان أما أعيان المدينة وباشاها ليقدم التهاني إلى جلالة الملك وينص أحد الفصول على أن الاحتفال لا يتعدى يوما واحدا، وأن لا تلقى فيه خطب ولا قصائد ولا برد على المحتفلين وفود من غيرهم.
لقد صدر هذا القرار الذي وقعه الصدر الأعظم الحاج محمد المقري ووافق عليه المقيم الفرنسي العام مسيو بونصو بتاريخ 16 رجب 1353 الموافق لـ 26 اكتوبر 1934.
وهكذا اضطرت السلطات الاستعمارية للموافقة على قرار اتخذه الشعب بنفسه باعتبار يوم جلوس جلالة ملك المغرب على عرش أسلافه المقدسين عيدا وطنيا رسميا.
ومنذ ذلك اليوم والشعب المغربي يحتفل بذلك اليوم الأغر، ويعتبره من أعياده الوطنية  الكبرى وأيامه الخالدة التي يحيى فيها أمجاده... ويستعيد ذكريات أبطاله الميامين ليواصل سيره إلى الأمام ويستفيد من ماضيه ما يساعده ويقوي جهوده في بناء المستقبل واليوم والشعب المغربي بحواضره وبوادره يحتفل بذكرى جلوس عاهله العظيم وحارس وحدته الأمين مبدع المسيرة الخضراء ومحرر أراضيه في الصحراء جلالة الملك الحسن الثاني لا يسعنا إلا أن نتباهى ونتفاخر بما تقوم به بلادنا تحت زعامة وزيادة جلالته من دور الدفاع عن مقدسات المسلمين وسعي حثيث في جمع شتات العرب، ونضال مستميت لتحرير القدس الأقصى وعمل دؤوب للنهوض بهذه البلاد ورفع مكانتها في المعمور.
فلنبتهل إلى الله أن يرعى جلالة ملكنا الهمام بعنايته التي لا تنام ويحفظه في ولي عهده ووارث سره الأمير سيدي محمد وصنوه السعيد المولى الرشيد وجميع أفراد أسرته الكريمة وأن يبقي هذه البلاد مركزا للإشعاع الإسلامي، ومنبعا يستقى منه من يريد أن يهتدي بهدي النبوة والرسالة المحمدية، وليوفق الله قادتنا وعلماءنا وزعماءنا وساستنا وإخواننا لما فيه صلاح دينهم ودنياهم إنه سميع مجيب.

  (1) راجع وصف هذه الاحتفالات في مجلة المغرب سنة 1933 ونصوص البرقيات التي وجهت إلى جلالة الملك.

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here