islamaumaroc

قبس من ذلك الماضي يهتدي به الملك والشعب.

  دعوة الحق

227 العدد

لقد ازددت من دراستي الطويلة لتاريخ الدولة المغربية، عبر مختلف العصور. وعيا بالذاتية المغربية، وإدراكا للهوية الوطنية، ومعرفة بالخصائص المميزة لتاريخ بلادنا. سواء في جانبه السياسي والعسكري والدفاعي الموسوم بطابع الجهاد الإسلامي الشرعي. أو في جانبه الفكري والأدبي والفقهي والثقافي واللغوي والفني والحضاري. أو فيما يتصل بالعلاقات مع الأمم والدول الشقيقة والصديقة. بإفريقيا والوطن العربي الإسلامي جنوبا وشرقا, أو بأروبا وأمريكا شمالا وغربا، وأحسبني قادرا على أن أحزم في قوة يقين، أن العرش في المغرب عقيدة وفكرة واختيارا ونظاما. هو الأساس الحضاري والفكري والسياسي لجميع ما طبع من مجد وسؤدد. ووسمه بالخلود والبقاء وأضفى عليه التألق والإشراق.
لقد تهيأ لي في مرحلة مبكرة من حركتنا الوطنية المرتبطة بالعرش العلوي المجيد، أن تفرغت لكتابة تاريخ المغرب كرد فعل للقرار الاستعماري الغاشم الذي كان يقضي بمنع تدريس التاريخ المغربي في جميع المدارس المغربية دون استثناء. فشاءت إرادة المولى أن أعكف على أمهات الكتب قراءة ودراسة وتحليلا. فتوفر لي من طول الانكباب والانقطاع. والنظر والتأمل خلاصة أفرغتها في قالب تعليمي توجيهي راعيت فيه أولا أن يكون غذاء لناشئتنا يمدها بأسباب التحدي للقرار الصليبي الذي استهدف قطع الجذور وبتر الأصول ومحو تاريخ أمة من ذاكرة الأجيال.
  كان هذا من نحو خمسين سنة. والمغرب محاصر بالمسخ والتشويه. مطوق بالمكر والخبث، مقيد بالاحتلال والاستعمار. وقد قصدنا بهذا العمل إبراز الدور العظيم الذي نهض به العرش عبر مختلف الدول المغربية والوحدة الوطنية. ومنتهين إلى دولة العلويين التي قامت أول ما قامت لحماية المقدسات والنضال في سبيلها على مدى ثلاثة قرون ونصف القرن أو يكاد.
وكان هذا الصنيع مظهرا من مظاهر التحدي الوطني العارم لإدارة المستعمر, وتأكيدا على مكانة العرش, وتأصيلا لدوره. وتمكينا له في القلوب وواقع العمل والمواجهة مع القوى المناهضة لنا عرشا وشعبا.
ولعله من ناقلة القول أن الاحتفال بأعياد العرش سنة شعبية. وتقليد وطني. ونبغ من واقع الحركة الوطنية كتغيير قوي الدلالة عن تلاحم الشعب بالعرش. في أخطر مرحلة مرت بها بلادنا وستهدفت فيها قيمنا ومقدساتنا وكياننا الوطني والديني كله للمحو والإبادة والغارة الحاقدة. وكان هذا يحدث لأول مرة في تاريخ العالم، إذ يختار الشعب بملء إرادته وحر اختياره ذكرى جلوس ملك البلاد على عرش أجداده ليكون عيدا يرمز إلى الترابط والتلاحم والتمازج والالتقاء الذي لا افتراق فيه. ذلك أن الشعب المغربي. ممثلا في الصفوة الأولى من طلائع الحركة الوطنيـة المباركة. هو الذي من هـذه السنة الحسنة، وقرر في تحد كان له ما بعده أن يجعل من يـوم تولية جلالة المغفور له محمد الخامس الحكـم عيدا للوطنية والجهاد والنضال والكفاح يظهر فيه الإصـرار والعزم والإقدام والاستعداد لمواجهة كافـة أشكال القمع والإرهاق والاعتداء على إرادة المواطنين.
وحدث هذا بالضبط، منذ ما يقرب من خمسين سنة، بعد أن زار فقيد العروبة والإسلام، وبطل التحرير والاستقلال محمد الخامس مدينة فاس، تلك الزيارة التاريخية التي اهتزت لها المدينة وكانت الشرارة الأولى التي اضرمت نار الثورة ضد المستعمر فيما تلى ذلك من أحداث ومواقف وملاحم على امتداد العقود الثالث والرابع والخامس من القرن العشرين مما يطول مجال سرده وروايته.
وتحضرني هذه الأحداث في الوقت الذي يتأهب فيه الشعب المغربي للاحتفال بالعيد الثاني والعشرين لجلوس محرر الصحراء ورائد الديمقراطية جـلالة الملك الحسن الثاني نصره الله على عرش أولائك الأجداد الذين دافعوا عن المغرب خير دفاع وكانوا ملوكا عروشهم مـن أفئدة شعبهم. وأجدني راجعا بذاكرتي إلى تلك الفترة الحاسمة من تاريخ المغرب، حيث كنا نخوض معركة غير متكافئة مع قوى البغي والكفر والعدوان. متطلعين إلى وطن حر لمواطنين أحرار تحـت قيادة الملكية الدستورية. ولربما كان من حق الأجيال الجيدة علي أن أسجل هنا، في هذا العدد التذكاري من مجلة (دعوة الحق) أن حلم الحركة الوطنية الملتحمة أبدا بالعرش قد تحقق، وأن في سيرة وسلوك وسياسة جلالة الملك الحسن الثاني اليوم ما يملأ القلب اطمئنانا وارتياحا، ويغمره غبطة وسرورا، فلقد استلم جلالته أمانة التاريخ من والده الوطني الأول المعظم. وآلهمه الله إلى انتهاج سبيل الحكمة والرشاد. لبناء المغرب المستقل، واستكمال سيادته الترابية، وأتم الله تعالى على يده الكريمة فتح ما لم يفتح من قبل، وتحرير ما لم يحرر في السابق، وإقامة قواعد للشعب المغربي سياسيا ودستوريا واجتماعيا واقتصاديا. بما يقطع الشك باليقين أن جلالته وهو خريج مدرسة الحركة الوطنية، والمتشبع منذ الصغر واليفاعة بمبادئها. حريص الحرص القوي على الاستمرار في شوط جديد من تلك المعركة التي بدأناها، منذ أن وعينا، مع والده الرائد قدس الله روحه.
لقد مضى جلالته الملك الحسن الثاني، مزودا باطمئنان المؤمن وصدق الرائد القائد وحنكة السياسي الماهر وسط الأعاصير يبني ويشيد، ويحرر الأرض والفكر والوجدان، ويقوي الكيان ويوطد السيادة, وينشئ مدرسة في الفكر السياسي يعتز الجميع ـ شيبا وشبابا ـ بالانتساب إليها. وهي مدرسة الحرية الواعية المسؤولة، والديمقراطية الرشيدة المتفتحة، قوامها التعايش السياسي، والتمازج الفكري والتلافي على هدف واحد، يستمد عناصره من العرش والدين والوفاء للوطن في البدء والانتهاء.
والحق الذي لا مراء فيه، أن هذا النمط المغربي المتميز الشديد الخصوصية يجعل من بلادنا. بقيادة جلالة الملك الحسن الثاني العظيم موطنا للإشعاع الديمقراطي، كمـا كانت دائما ومنذ التاريخ القديم ومصدرا للإشعاع الديني والفكري والحضاري.
وفي اعتقادي وقد وعيت دروس التاريخ ووقفت على عبرة أن عناصر القوة والمناعة والصمود والتحدي تجمعت كلها في هذا النمط الشامخ الذي يشهد ـ شهادة حق ـ أننا جادون غير عابثين، نمضي في دروب، وإن كانت شديدة الوعورة، فإنها واضحة المعالم، نحو المغرب القوي السامق القادر دائما على  صنع مصيره وفرض إرادته وصون سيادته ووحدته تحت قيادة عرشه المجيد.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here