islamaumaroc

لوحات من عرشيات المسيرة

  دعوة الحق

227 العدد

 1 ـ قبل الرسم:
مسيرة الفتح، بل أحدوثة الزمــن                  ووثبــة الحق، بل أعجوبة الحسن
لولا حقائــق  قد أبصرت واقعها                  لقلت، ضـرب من الأوهام لم يكن
قد كنت أنكـر أخبارا مشوقـــة                     من الملاحم عن سيف بن ذي يزن
حتى رأيت الذي فجرت من عجـب               فقلت، قد نقل الراوي ولم يمن (1)
إن المسيرة الخضراء وشـم في الذاكرة المغربية. خيط ينسل من تلافيفها ليربط الماضي بالحاضر، ويصل المجد المؤثل بالأمجاد المستحدثة في دنيا الحضارة والنضال، يقف التاريخ، وتدخل المسيرة الخضراء محرابه المقدس. ثم يواصل انسيابه الامتدادي وينتصب الفن منبهرا قدام إبداعيات المسيرة الخضراء، لأن ما خلفته من روائع دليل على عمق المعاناة الوطنية التي واكبت ذلك الحدث الشامخ.
وقـد تركبت المسيرة الخضراء أرقى البصمـات على الأدب شعـره ونثره، فصيحـه وعاميـه، وقتها ليس مهمـا جنس الخطاب ولا أدواته،  لأن الأهـم هـو أن نقـول لأنك مـن الداخل تغلي وتحتاج إلى متنفس.
ومن الأكيد أن أدب المسيرة الخضراء هـو أدب نضالي يدرج حتما في إطار «الأدب الوطني» وأن هذا الأدب كون ظاهرة متميزة تحتوي على سماتها وخصائصها، ومن ثم فدراستها دراسة علمية من مختلف جوانبها واتجاهاتها أمـر لا مندوحة منه، لأنها تؤرخ لحقبة مهمة من تاريخ المغرب.
والشاعر المغربي المدني الحمراوي ـ في الأبيات ـ التي سقناها أعلاه ـ يعني حقيقة المسيرة، ويدرك أبعادها ويزاوج بين واقع محسوس يتمثل في المسيرة وبين واقع متخيل تؤسسه الذاكرة واسترجاعاتها التي ترتمي في حضن التاريخ السحيق لتقدم لنا سيف بن ذي يزن الواقعان معا تقربهما «مسيرة الفتح» وموثبة الحق لأنها حقيقة تاريخية وموضوعية عاشها الشاعر/ العالم عيانا ولم تنقل إليه خبرا
 مرويا وملحمة تناقلتها الألسـن والكتب، ومن ثم يبرز «العجب المفجر» الذي حدا بالشاعر إلى التسليم بصدق الراوي.
إن مقياس الصدق عند المدني الحمراوي يتمثل في المسيرة الخضراء كظاهرة معيشة لها ملامح ولوحات وأبعاد، والشعراء المغاربة واكبوها ورسموا تلك «اللوحات» إن قصائدهم لم تقف عند وصفها فحسب بل تجاوزتها إلى تمثيلها واعتبارها حافزا يقود إلى مسيرات أخرى يشدونها لهذا الوطن، ولذلك فـ «المسيريات» تخطت تزامنية الحدث، وامتدت في التاريخ كلما عادت الذكرى، وأبعد من هذا وذاك فقد ارتبطت بعرشياتهم التي يقولنها في مناسبات عيد العرش.
إن أبيات المدني الحمراوي مدخل إلى تلك اللوحات التي يهدف هذا البحث إلى الكشف عنها، وقد قسمناها إلى ثلاث لوحات، وكل لوحة تقدم معلمة من معالمها، وتساهم في إعطاء صورة متكاملة عنها.

2 ـ اللوحة الأولى:
لعل القيمة الحقيقية للشعر الوطني في المغرب أنه شعر قضية وأن هاته القضية سامية المقصد نبيلة المطمح، تختص (بمجموعة إنسانية ذات كيان سلب منها غصبا) (2 ) وأن هاته «المجموعة الإنسانية» هيت ـ مهتاجة ـ للدفاع عن ذلك الكيان السليب عدتها الإيمان، وزادها الإقدام، وغايتها تحقيق الحرية، واستكمال الوحدة الترابية بعد ذلك وبناء على ذلك فإن شعر المسيرة هو امتداد طبيعي للشعر الوطني الذي قيل في عهد الحماية، وقد التف الشعب المغربي برمته حول العرش مطالبا بتحرير ما تبقى من الأجزاء المغتصبة باعتبار العرش ـ كان ولم يزل ـ موحد الأمة، والدرع الذي يقيها من هجمات الجشعين والغلاة والمستهترين كما يقول الشاعر المرحوم عبد المجيد بنجلون في هذا النص ( 3).
إلى الـذي استلهمهــا فـي  خلوتـه    مسيـرة روعتها مـن روعتـــــه
في وطـــن تمــزقت  أوصالــه       مـزقها العـــــدو في وحشيتــه
خاطــرة عـدت إلى أن أصبحــت    تحــديا يخيــف في  دمــدمتــه
تحـــديا للجشعيــن وللغــــلا         ة وللذيــن استهــتروا بقوتــــه
وللذيــن غـــرهم وقـــــاره          وحسبــوا الخــذلان في مـروءته
إن هاته اللوحة «البنجلونية» توضح الرابطة الروحية الموجودة بين العرش والشعب، وهي تضرب في أعماق التاريخ وتتجذر بأغواره،  وتبرز بجلاء الالتحام المتوارث الذي ساهم بكيفية فاعلة في تكتل الوطنيين المغاربة للتخلص من براش المحتل، والتحرر مـن قبضة التخلف بعد ذلك،  وإذا كان العرش هو الذي أصدر قراره التاريخي بانطلاق المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء، فإنه جاء ليتجاوب مع الرغبة الشعبية العارمة التي تطمح إلى استكمال الوحدة المغربية. وتكشف ـ كذلك ـ التحدي الرهيب ضد كل أنماط الاحتلال، وألوان الممارسات الاستفزازية التي تعرض لها هذا الوطن منذ بداية مطالبته بصحرائه من لدن المستعمر الإسباني من جهة، ومن طرف الجيران الذين ساءهم هذا السعي من جهة ثانية.
لقد آن هذا الوطن أن يطرد التمزق، وأن له أن يوحد شمله. وأن له أن يبعث غابر المجد وأن لهذا الشعب أن ينهض متوثبا يرسل التحدي يحدوه الإيمان بنيل القضية وتكؤه الرعاية الإلاهية. لأنه قام لإحقاق الحق. ودحض الباطل من موقع الكرامة الأبية.
صحـراء فجرك موعـــود بما يلد * والمغـربيون أكفاء بمـا وعدوا (4 )
هكذا قال شاعر الرافدين محمد مهدي الجواهري، وذلك هو الواقع الذي تحفظه أسفار التاريخ ومدوناته، وتنطق به جهارا المسيرة الخضراء، وفي القديم والحديث يرتسم المجد وضاء يعلو جبين المغرب. ويأتلق الفخار في عيونه نورا أبلج يهدي السراة في ليل بحثهم عن الأمجاد  والمكرمات والشعراء المغاربة رصدوا ذلك المجد. وصوره وأرخو له لنستمع إلى الشاعر علال الهاشمي الخياري. وهو يؤثل الفخار. ويرسم بفرشاة المعاناة الوطنية لوحة تكمل لوحة المرحوم عبد المجيد بنجلون يقول من قصيدة (أيها الخالد في عمر الزمان) ( 5).

ومضينــا نتحــدى الــــزمنا         رائــد النهضـة  يحــدو ركبنا
صـادق الإيمــان وضــاء النـا      حقــق الوحــدة والنصر لنــا
                               * * *
رفــت الصحـــراء في مـوكبه     درة فـي التـــاج تــزدان  به
ألسنــا الصحــراء في موكبــه     والأمــاني الغــر مــن مكبه
                               * * *
نحــن والمجــد قــرينان معـا       مـن غفا عـن حقنـا أو ضيعــا
نحـن نسقيــه المنايا جــــرعا      إن أبـي أن يرعــوي أو يسمـعا
تتلاحق الصور الشعرية في هذا النص. وتتدافع وتنسل مـن ذات الشاعر تطفح بالوطنية،  وتنبض بالحب النبيل،  تنساب في رقة غنائية مصورة موقع الصحراء من المغرب (درة في التاج)، وتعلو مصطخبة عندما نتناول حقنا المشروع في استرداد صحرائنا. نحن نعيش زمن السلم إذا كان الحق مصونا، والكرامة الأدبية محفوظة، أما عندما يغفـو الخصم عن حقنا أو يروم تضييعه، فإننا نهب مستوفزين للدفاع عنه لحفظ الشرف حيث الأفق أحمر، والمنايا مواثل تولول.
إن هذا النص يكمل نص بنجلون. وهما معا يحددان معالم اللوحة الأولى التي تتجلى في التفات الشعب حول الملك في مسيرة خضراء مؤمنة بالله. ومضت لتحرر البيد انطلاقا من عوامل متعددة تعرض لها الشاعر المرحوم أبو بكر المريني في عرشيه له عنوانها (قل مغربي أنا تعلو بك الرتب) ( 6). وقد جعلناها لوحة ثانية لأنها تصف انطلاق جموع المتطوعين في المسيرة الخضراء.

3 ـ  اللوحة الثانية:
يقول المرحوم أبو بكر المريني:
مسيـرة الفتــح بالقــرآن  زاحفــة         إليـك يا بيــد والأعــداء قـد  نكبوا
ورجــت الأرض والإعـــلام خافقة      والله أكبـــر في أصــدائها رهــب
وقــد عــلا الحــق والبهتان منحدر       وليـس يغـني  العـدا زور ولا كــذب
وعـادت البيد والأرحـام قـد  وصلـت    وغيـظ أعـداء جمــع الشمتل وانتحبوا
وزغـردت في العيـون اليـوم وحـدتنا    واستمعـت فـي أذنــه ثقــــب (7 )
وجـدد العهـد فـي الصحــراء سادتها    وهـم أحبـاؤنا  والإخــوة النجـــب
والأهـل فيهـا أشقــاء لنـــا وإلى         أنسابهـا طاهـر الأرحــام ينجــذب
يمكن رصد مجموعة من الملاحظات في مقطوعة المريني وهي كالتالي:
1) المسيرة هي مسيرة الفتح، ولهذا الفتح دلالة تاريخية ودينية. فأما أولاهما فتحيلنا على فتح مكة بطريقة سليمة، وهو فتح ثان حققته المسيرة الخضراء،  وأما ثانيهما فيتمثل في كون فتح مكـة جاء بالحق لإزهاق الباطل، والمسيرة انطلقت من حق مشروع يتمثل في البيعة لإنهاء باطل يتجسد في الاحتلال اللامشروع لجزء من التراب الوطني.
2) مسيرة الحق زحفت بالقرآن مدده «الله أكبر» ومستعدة للاستشهاد في سبيل القضية المقدسة.
3) كان التضامن الشعبي مشفوعا بتضامن عربي وإسلامي وقد شاركت وفود كثيرة في المسيرة وما «الأعلام» التي يومئ إليها الشاعر إلا تنويه بذلك «التضامن» وتاريخ له.
4) استحكام الأصرة الرحيمة بين المغرب وصحرائه (وهم أحياؤنا والأخوة النجب) (والأهل فيها أشقاء لنا وإلى أنسابها طاهر الأرحام ينجذب) ووجود حق مغربي تاريخي في الصحراء وهو البيعة (وجدد العهد في الصحراء بسادتها).
5) انتصار المسيرة الخضراء وتحقيق الوحدة (وزغردت في العيون اليوم وحدتنا).
من هذه الملاحظات نستخلص العوامل المتعددة التي أشرنا إليها آنفا. وهي تتحدد على النحو الآتي:
1) مغربية الصحراء.
2) هذه المغربية يفرضها التاريخ.
3) وهذا التاريخ تزكية البيعة والعلاقة الرحمية بين المغاربة وإخوانهم الصحراويين.
إن هذه اللوحة الثانية التي يقدمها الشاعر المرحوم أبو بكر المريني تشكل امتدادا للوحة الأولى، وغاية نبيلة استهدفتها الدعوة الملكية السامية بمسيرة خضراء.
وقد تجاوز الشعراء المغاربة في عرشياتهم وصف «مسيرة الفتح» إلى رصد نتائجها. والتعرض للمنجزات التنموية التي عرفتها الصحراء على عهد الاستقلال والحرية. وذلك ما تقدمه اللوحة الثالثة.

4ـ  اللوحة الرابعة:
 يقول الشاعر وجيه فهمي صلاح من عرشيه له معنوية بـ (ظلال العرش) ( 7).
قـد أشرق الرمـل في الصحراء مغتبطا     بابن الرسـول فحــل الغيـث  والمطر
هنـاك مـن همم المنصــور ألويــة          عنــى لها الطيــر لما أينــع الشجر
وفي العيــون رقيــق  الخير طالعـنا        فاستشبـر القلـب  بالإنجــاز والنظـر
سحائـب الحـب رشـت في مــرابعها       مـاء الحياة،  فهــان الصعـب والوعر
فهـلل الأمــل المنــوب مرتقبـــا            أن يزهــر الرمل في الصحراء والحجر
لم لا؟ وهــذا مليك  الفكــر متشــح         بالصبر والفكـر،  جلت في الورى  الفكر
مفاخـر الحســن المقــدام ماثلـــة           لكــل عيــن يراها البــدو والحضر
للرمل إشراق. ولذراته تصفيف وتهليل. وللأحكام ترجيح وللصحراء اغتباط بالوافدين إليها. بابن الرسول وبالمطر، وكلاهما خير ورحمة وأياد بيضاء تتعدد المعاني، وتطرد الصور ملفوفة بالأمل الباسم الذي غمر الصحراء ويتفتن الشاعر في تفصيل ذلك عندما يستخدم قاموسا يزدحم بكل الألفاظ المؤدية إلى الإشراق، مطر يروي الرمال العطاش. وخضرة تكسو المرابع فيصدح الطير مغردا. وحب يملي إرادة شعب في التحرر والانعتاق، واستكمال الوحدة. إن الصحراء بقفرها وجدبها أصبحت جنات دانية قطوقها تلوح بالإنجازات العظيمة التي حققها (ملك الفكر) في ربوعها. وتشهد بـ (مفاخر الحسن المقدام). وتشدو بملحمة صاغها العرش والشعب. فاهتزت لها الدنيا. وغدت منقوشة بملحمة صاغها العرش والشعب فاهتزت لها الدنيا. وغدت منقوشة في ضمير الدهر إلى أبد الآبدين لأن محمد الحلوي يساهم هو الآخر في تكوين هذه اللوحة عندما يقول (8 )
أبا المجـد لا صحراء بعـد فقد غدت     بفضـلك جنـات مراتعها الخصــب
وتلك ترنيمة صرح بها الشعراء المغاربة. وهم يسترجعون حدث المسيرة الخضراء.   
ومـاذا بعـد؟
إن الحديث يمتد ويتشعب والنصوص التي تعاملت مع المسيرة وصفا وتاريخا واسترجاعها متعددة وكثيرة. وهي محتاجة إلى دراسة دقيقة تتجاوز محيط هذا المقال الاستعراضي لأنها ـ وكما أشرنا آنفا ـ أدب وطني، ومن حق هذا الأدب علينا أن ندرس ونبرز ظواهره، ونجلو خفاياه حتى نكون في مستوى حدث جليل كحدث المسيرة الخضراء. وحتى تبطل القولة الشائعة في كون المغاربة لا يدرسون أدبهم ولا يؤرخون رغم أنها مبطلة ـ من أساسها ـ وما ذاك السيل الآتي من الدراسات والأبحاث التي تعج بها المكتبة الأدبية في المغرب إلا دليل عميق على ذلك.

 (1) إبراهيم السولامي: القصر الوطني المغربي في عهد الحماية ص 109
 (2) عبد المجيد بنجلون، مسيرة روعتها من روعتك في دعوة الحق مارس 1977 ص 39.
  (3) محمد مهدي الجواهري، الصجراء في فجرها الموعود في المناهل عدد 1 نوفمبر 1974.
  (4) علال الهاشمي الخياري، أيها الخالد في عصر الزمان في دعوة الحق مارس 1982 ص 120.
  (5) أبو بكر المريني«قل مغربي أنا تعلو بك الرتب في دعوة الحق مارس 1977 ص 198.
  (6) البيت لا يستقيم عروضيا إذ يلزمه وقد مفروق (5) بين اسمعت ومن في .
  (7) وجيه فهمي صلاح، ظلال العرش في دعوة الحق مارس 1978 ص 148.
  (8) محمد الحلوي، ايا حسناء في دعوة الحق، مارس 1980 ص 51.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here