islamaumaroc

الإيمان بالغيب

  دعوة الحق

227 العدد

من أسس قواعد الإسلام الإيمان بالغيب، ويدخـل في الغيب كل ما لم يعرفه الإنسان عن الماضي وكل ما يتجاوز الرؤية الذاتية في الحاضر وكل ما سيأتي به المستقبل، كما يدخل فيه المفاهيم الميتافيزيقية الكلية والعامة التي تختفي وراء الفيزيقيات. ولقد كان العلماء الماديون والفلاسفة الماديون كذلك يرون أن الغيب بهذا المفهوم لا يمكن أن يسلم به عقليا لأن العقل يعتمد على منطق محدد وتجربة ملموسة ليستطيع أن يحكم بها على وجود الشيء أو على نفيه، فكل ما لا يمكن أن يخضع لمنطق العقل أو لقانون التجربة فإنه يكون وهما أو أسطورة لا يمكن التصديق به، وهذا ما جعـل قضية الإيمان بالغيب في حاجة إلى دراسة علمية لإثبات حقيقته، فالإيمان الغيبي في الإسلام يضـع الأشياء التي لم يشاهدها الإنسان ولم تخضع للمنطق، أو أن تكون واضحة في إطار السبب والعلة، من المسلمات التي يجب الإيمان بها والتصديق بها سواء كانت قضاء وقدرا أو ما ستكون عليه بعد نهاية العالم وتدميره، أو من أخبار وقصص الماضي السحيق أو ما بعد موت الإنسان ونهاية العالم، كل هذا يدخل في عالم الغيب الذي يجب الإيمان والتصديق به ولو عجز العقل عن إثباته. ولعل الديانات السماوية تحتفظ جميعها ببنية مفاهيم دينية مطلقة لا زمنية وكلية لا جزئية تنطبق على الواقع الاجتماعي والسياسي. وهذه المفاهيم الدينية والأحداث التاريخية تسمى بالغيبيات العلمانية، وهي غيبية لأنها مطلقة لا تخضع للنقاش، والإيمان بها يشبه الإيمان بالمطلق، وغير قابلة للتغيير باختلاف الزمان والمكان، وهي علمانية لأنها مفاهيم صالحة للتعامل مـع الواقع السياسي والاجتماعي والتاريخي ... لأنها تحرك طاقة الأمم والشعوب. فمن الغيبيات التصديق بمعجزة الأنبياء واعتبار الأنبياء هم المصطفون لتحمل الرسالة أو المتحدثون باسم الغيب، وكل ذلك جزء من حياة الإنسان الواقعية. وإذا كان الإسلام يقر بداية الخلق بالنبي آدم عليه السلام ونهاية النبوة برسالة النبي سيدنا محمد صلوات الله عليه فإن اليهودية تعتقد أن الوحي ليس مقصورا على نبي أو رسول بل ينتقل مـن نبي إلى نبي وأن رسالته مستمرة ليساير الإرشاد والهداية لشعبه وحده دون باقي الشعوب، بل إن النبي موسى عليه السلام تمنى أن يكون كل أفراد شعبه من الأنبياء.
أما المسيحيون فقد قالوا بنبوة عيسى عليه السلام وحده ولكن الوحي يستمر في خلفائه من الحواريين ثم الباباوات. ولهذا فإن الحركات المنحرفة عن الإسلام المتأثرة بالتعاليم اليهودية أو المسيحية تقول بتجدد الوحي كالبهائية (الضالة). وقد حاول فلاسفة اليهود المعاصرين التقليل من حقيقة النبوة، وذلك أن يكون النبي مجرد مدافع عن الأخلاقيات اليهودية وأن أنبياء بني إسرائيل مفكرون حاولوا تخليص الإنسان من أوهام الأساطير وعقلانية الفلسفة اليونانية، ولهذا فهم ينكرون الطبيعة الميتافيزيقية للنبوة. ويؤكد التاريخ أن أنبياء بني إسرائيل كانوا حكاما وملوكا وأنهم كانوا خطا ممتدا يوازي خط الفلسفة اليونانية من عهد سقراط وأفلاطون لنقد العقل الفلسفي، كما بدت بعد عهد الفلسفة اليونانية العقلانية نزعة صوفية سواء في الفلسفة الأفلاطونية أو في الفلسفة المسيحية ترى أن التنبؤ ضرب أو نوع من الاتجاه الصوفي بين الخالق والمصطفين من البشر، وهو كفر صريح، وفي شطحات الحلاج السهروردي ما لا يخفي هذا الاتجاه، فوحدة الوجود والحلول يمثلان اتجاها يقارب هذا التفسير للوحي، كما أن بعض المفكرين اليهود الضالين يعتقدون أن النبوة هي نوع من الاتحاد الصوفي وأن الإنسان يصل إلى الاستنارة من خلال هذا الاتحاد ... ولهذا فاليهود يسردون أسماء أنبياء مدججين محاربين، ولهذا أيضا كانت الحركات الصهيونية تظهر كبعث علماني لتقاليد اليهودية وكتفكير يحيوي لا يهتم بالتاريخ بل يعود إلى نفسه لينطلق منها. والنبوة حقيقة علمانية ينبني عليها المجتمع اليهودي، وتبقى عودة الأنبياء أملا لتخليص الإنسان، كما ظهرت في المسيحية فكرة انتظار الألف سنة التي سيأتي فيها المسيح ليسود العدل والاطمئنان، وكذلك فإن اليهودية كإديولوجية تنتظر المسيح وظهور العصر الذهبي. ولهذا فإن فكرة المهدي المنتظر الشيعية وانتظار المسيح ليملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا لها أصولها في أدبيات الإسرائليات.
فالغيب لا محالة ضرورة إنسانية في جميع الديانات السماوية، وكما تظهر الأسطورة في الماضي السحيق لتغذي الواقع فإن وعي التاريخ بداية لتطور الإنسان، وقد كان من الواقع أن تظهر فكرة الحلول في التاريخ متجها إلى هدف أعلى وغاية عظمى في خط عمودي وأنه ليس مجرد شكل دائري هندسي يتحرك حول نفسه دون غاية ... فالتاريخ كما يرى العلماء هو عملية كشف الغطاء وتجليات العمل الإلاهي جل علاه، فهو ذو مسار واضح ومقدس لأنه يعبر عن تحقيق الإرادة  وليس محاولة بشرية.
إن الوحي في التحليل الإسلامي له أسس دينية تكلم عنها ابن خلدون وغيره، وهي مشروحة في كتب التفسير والحديث شرحا واضحا مقنعا، أما عن اليهود فالوحي في فهمهم الضال يتحول إلى أفكار تفهمها الجماهير وتؤمن بها ثم تصبح عقيدة فيكون تطابقا تاما بين الوحي والعقيدة والتاريخ، فيتحول التاريخ إلى وحي مستمر والوحي إلى أعمال مؤقتة ويصبح التاريخ وحيا والوحي تاريخا ويصبح الإيمان بالتاريخ إيمانا بالغيب، ويبقى أن الفرق بين العقل المؤمن والعقل الملحد أن العقل المؤمن يربط الأسباب بالمسببات وفي نفس الوقت يعترف بقصور اضطلاعه على كل شيء، ومن ذلك عن إدراكه للغيب، بينما العقل الملحد يرفض ذلك وينكر وجود الغيب وما لا يستطيع عقله إدراكه. ولا شك أن هذا الاتجاه نوع من التعنت، فحقيقة العقل غيبية وطريقة عمله غيبية أيضا، والإنسان لا يستطيع أن يدرك كل الحقائق بعقله. ورغم تقدم العلم فهو لحد الآن لم يكتشف العلاقات التي تربط  بين أعضاء الإنسان وطريقة تفكيره وميكانيزم قيام العقل بالعمليات العقلية، وهكذا لا يستطيع العقل المادي إدراك الغيب، وحتى لو استطاع بعض النبغاء في إدراك حقيقة ما فإنهم يدركونها جزئيا بطريقة التخصص، ولا يستطيع العقل الإنساني إلا أن يدرك جزءا بسيطا جدا من المعلومات، ولذا فالإيمان بالغيب لا يمكن أن ينفصل عن الذات الإنسانية. إن عملية الفكر والعقل هي مطلقة لا نسبية، والتاريخ إنما يعني تعاقب الأحداث ولا يعني الأنساق التاريخية المتكررة. فالإيمان بالغيبيات هو جزء من عقيدة المسلم، وإذا كانت المغيبات تاريخيا فإن التاريخ قد يكون مقدسا، نريد به القصص الدينية التي جاء ذكرها في القرآن الكريم وفي كتاب التوراة والإنجيل، حيث تعرض لنشأة الكون ونشأة الإنسان وتوالي الأنبياء،وكلها تاريخ أخلاقي واجتماعي يستخلص المؤمن منه العبر، ويصلح لأن يكون أساسا لبرنامج سياسي أو اجتماعي، لأن الرؤية السياسية أكثر تركيبا من الرؤية الأخلاقية، فالقصص الديني لا يمكن شرحه علميا ولكن يظل رمزا يختلف المفسرون في معناه، بل إن كتب الحديث تتعرض لتاريخ الشعوب والأمم، وهو تاريخ واقعي تؤيده الوثائق التاريخية الأخرى، فالتاريخ الديني تتداخل فيه البنيات ولا يخضع للجدلية وإنما يعبر عن نفسه بجلاء، وكثير من المفكرين السياسيين لا يهتمون بنقد التاريخ الديني وإنما يجعلون منه أداة للتنظيم الواقعي لأنه جزء من حياة الشعب وتفكيره.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here