islamaumaroc

الإيمان بالله والاكتشافات العلمية الحديثة

  دعوة الحق

27 العدد

من شأن الاكتشافات العلية أن تزيد في لفت الأنظار إلى ما تنطوي عليه الظواهر الكونية من خواص وأسرار، وقد اخذ نطاق هذه الاكتشافات يلبس في هذه الأيام حللا جديدة بغزو الفضاء واختيار أجوائه وأقطاره، وما فيه من خواص وجاذبية، بل وقع التطلع إلى ما في القمر من معادن وما يحتويه من كنوز يمكن أن يزيد باستخدامها العلم البشري اتساعا، والحضارة الإنسانية علوا وارتفاعا.
وإذا كان رواد هذه الآفاق الكونية نبهوا شعور الناس إلى أسرار علوم وإمكانيات جديدة فإن هذا الشعور ينبغي أن يقوي الإيمان في كل النفوس بعظمة خالق هذه الأكوان بتقدير حكيم، يحفظ وجودها، ويحقق بها الخوارق للعادات بطرق عملية كانت في نظر العقول بعيدة المرام عسيرة الإدراك، وكل هذه المعارف والفروض والإمكانيات لو تحققت لا تخالف القرآن بل تسير في المجال الذي لفت الأنظار إليه وحض عليه، فقد قال الله تعالى : «أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء»... كما أشار إلى أنه سيرى البشر هذه الأسرار، بالفعل حتى يتيقنوا بربوبيته لكل شيء وعظمة قدرته، التي لا نهاية لها، قال تعالى : «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟»..
بل إن القرآن لبلاغته الخارقة يشرك العوام مع الفلاسفة وأصحاب المعامل التحليلية في الاستفادة من آيات إبداعه، في خلق الأشياء وخواصها بما لم يسبقه إليها كتاب سماوي. انظر إلى قوله تعالى : «وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون».. فالعامي يدرك أن وحدة التربة والماء، وتأثير الشمس والهواء، ينبغي أن تكون الثمار الناتجة عن ذلك من نوع واحد متشابهة ولكن اختلاف شكلها ولونها وطعمها هو بقدرة الخلاق العليم سبحانه، كما أن القياس الفلسفي يؤيد هذا المنطق ولا يزيده التحليل العلمي إلا تأييدا وإثباتا، وقد استدل الإمام الشافعي على وجود الصانع وقدرته بورقة التوت تأكلها الدجاجة فتخرج بيضة، وتأكلها البقرة فتخرج ابنا، وتأكلها دودة القز فتخرج حريرا، .. وهو من نوع استدلال الآية السابقة، وقد تكلم الغزالي في كتابه (جواهر القرآن على أفعال اله سبحانه) فقال : «ليس في الوجود إلا الله وأفعاله وكل ما سواه فعله، لكن القرآن يشتمل على الجلي منها، الواقع في عالم الشهادة كذكر السماوات والكواكب، والأرض والجبال والشجر، والحيوان، والبحار، والنبات وإنزال الماء الفرات، وسائر أسباب النبات، والحياة، وهي التي ظهرت للحس، وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها ما لم يظهر للحس، بل هو من عالم الملكوت وهي الملائكة والروحانيات والروح والقلب، أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي، فإنهما أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت وخارج عن عالم الملك والشهادة».
وإن أساس ارتكاز الإيمان في النفوس يبدأ من الاعتراف بما وراء المادة، من روحانيات، هذا الاعتراف الذي يقود النفوس حتما إلى الاعتراف بخالق الكون، ومدبره وربه ومليكه، وإن تعصب بعض الشبان في مختلف الأمم الذين أشربت قلوبهم حب الحضارة المادية عن الاعتراف بالخالق قد يقودهم ذلك التعصب إلى إنكار أرواحهم ووجودهم، لأن الإنسان إذا لم يؤمن بغير الماديات التي يراها ويحس بها أخشى أن يلزمه إنكار روحه، وعقله فيقع به كما وقع للجهم بن صفوان، وفي تاريخ البحوث والمناظرة أمثلة من هذا، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب التسعينية في الرد على الملحدة والزنادقة، إن الجهم بن صفوان لقى ناسا من المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له «فكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك»، فكان مما كلموا به الجهم إن قالوا له : «ألست تزعم أن لك إلاها»؟ قال الجهم : نعم. فقالوا : فهل رأيت إلهك؟. قال : لا. فقالوا له : فهل سمعت كلامه ؟. قال : لا. قالوا، فشممت له رائحة ؟. قال : لا. قالوا فوجدت له حسا ؟. قال : لا. قالوا فوجدت له مجسا ؟. قال : لا. قالوا : فما يدريك أنه إلاه ؟ قال : فتحير الجهم فلم  يدر من يعبد أربعين يوما. ثم إنه استدرك حجة من جنس حجة الزنادقة. إلى أن قال ابن تيمية : قال فهل للسمنى : ألست تزعم أن فيك روحا فقال نعم. قال فهل رأيت روحك ؟ قال : لا. قال : فسمعت كلامه ؟. قال : لا. قال : فوجدت له حسا ؟. قال : لا. قال فكذلك الله.
وقد اعترض ابن تيمية قبول الجهم لشبهة السمنية، كما اعترض ما حكاه أهل المقالات عنهم من أنهم ينكرون من العلوم ما سوى الحسيات فينكرون المتواترات والمجريات والضروريات العقلية قائلا إن هذه الحكاية لا تصح على إطلاقها عن جمع من العقلاء في مدينة أو قرية، ثم أخذ في تقرير هذه الأشياء التي لا يجوز لعاقل أن ينكرها، والفائدة من جلب هذه القصة أن منطق المنكرين لغير الماديات يلزمها إنكار روحهم التي بين جنبهم، فإنها ليست بمادة، وإذا آمنوا بها –وغنها شرط أساسي في عملهم وتفكيرهم وقدرتهم كما هو معلوم- لزمهم الإيمان برب هذه المصنوعات الكونية التي يفوق صنعها تصور العقل البشري وطاقة القدرة البشرية، ويعترفوا مذعنين بما أمر الله رسوله أن يقوله للسائلين عن الروح : «قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلن إلا قليلا» كما يجب أن يعترف الكل بقوله تعالى : «وفوق كل ذي علم عليم»، «وإن الله أحاط بكل شيء علما» وإن عظمة السماء بما فيها من أفلاك تسبح فيها الكواكب، والأرض بما فيها من خواص وأسرار وعجائب... كل هذه المخلوقات أعجب وأكبر من خلق الناس، لا يقدر علها إلا الخالق العظيم، كما قالت الآية : «لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون»...
على أن في ذات الأرض وفي نفس الإنسان ما يرشده ويهديه أعظم إرشاد وهداية إلى رب العالمين، كما قال سبحانه : «وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟».

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here