islamaumaroc

الشعر في مواكبة العرش.

  دعوة الحق

227 العدد

في البدء كانت الكلمة وستبقى دائما بداية لكل انطلاق. ووسيلة لكل انعتـاق،  وأساس بناء لكل نهضة وانبعاث. فقبل أن تنفجر في هذا الوطن ثورته على الاستعمار بركانا اكتسح هياكله وذقاه. وقبل أن يتمرد على جلاده ويحطم الطوق الذي توهم أنه سيقبله إلى الأبـد وقبل أن ترفع سواعـد أبنائه المعاول وتضغط على زناد النار،  كانت البداية كلمـة هادفة معبرة أقضت مضاجع الغزاة، وأفقدتهم أمتهم وزلزلت أقدامهم كانت كلمة تسيل على الأقلام لهبا لافحا. وتتفجر في الأفواه شواظا محرقا. وكانت شعرا عاصفا يهز القلوب ويزرع الأمل في النفوس ويحمل إلى المناضلين بشائر غد مشرق وحافل بالأمجاد.
ومن حسن حظ الشعر ـ الذي فقد في عهد الحماية إشراقه وراءه وتقلص دوره في الحياة كأداة للتعبير عن هواجس النفس وتطلعاتها ـ أنه وجد في حركة التحرير الوطني الآفاق الرحبة التي كان يشدها،  والمتنفس الذي أمده بالحياة وساعده على أن يجدد نفسه ويتغلب على عوامل الفناء التي كانت تهدده وهكذا أتيح له أن ينفض عنه غبار الخمول. ويلعب دوره في المعركة التي خاضها الشعب والعرش ويواكب مسيرة النضال التي التزم أن يعبئ نفسه من أجل إنجاحها. بعد أن ظل ردحا من الزمن في حالة استرخاء تشبه اليأس في ظل المناخ السياسي الذي كان يخنق الأنفاس ... وانتفض رافضا أن يختار موقف المتفرج على ما يدور حوله في الساحة من  أحداث وأن يظـل متقوقعا حابسا نفسه في برجه الوهمي كأن شيئا مما يقيم هذا الوطن ويقعده لا يعنيه ورأى الدرب أمامه طويلا فبدأ نشيدا وأهازيج تغدي روح الشعب وتلهب حماسه يتغنى بها في أعياده ويسمـر بها في أفراحه ولياليه. ويسمعها المحتلون فيدركون أن رحيلهم قريب وأن الغضب آت وغير بعيد.
وتكبر المعركة فيكبر معها هذا الشعر الوليد ويتحول إلى ظاهـرة أدبية أصلية تستمد قوتها واستمراريتها من روح أصيل ونضال عـرش أثيل، ترصد الأحداث وتسجل المـواقف وتستلهم الماضي لبناء الحاضر،  وتؤكد حضـورها في أحرج المواقف كسلاح له فاعليته إلى جانب المقالـة الأدبية والمسرحية الوطنية.
 ويصفق الشعب لهذا الشعر الوطني الذي كان إرهاصا لنهضة شعرية واعدة، ويتجاوب نعه أتم ما يكون التجاوب لأنه منه وإليه ليس غريبا عنه فهـو صدى لمشاعره وترجمة صادقة لعواطفه وتطلعاته.
وما تزال أجراس تلك الأناشيد الوطنية تدق في مسيرة النضال تستنهض الهمم. وتشحذ العزائم يرددها المواطنون تسابيح لا يملون تلاوتها ويقرؤونها سورا يستلذون   قراءتها ... وما أمتع اللحظات التي كان يحس فيها شاعر وطني بأنـه استطاع أن يعبر عما في قلوب الجماهير الكبيرة مـن آمال وأن بعبثها بشحنات ترتفع بها إلى مستوى التضحية والنضـال إذ لا شئ كالكلمـة المعبرة الصادقة في تفجير العواطف وإلهـاب المشاعر ولا شئ مـن الشعر مشعر إذا لم يتجاوز الأسماع ...
وتنتصب المناسبات الدينية والمهرجانات الوطنية في هذه الفترة منابر للشعر الوطني الذي كان يستغل هذه المناسبات لتغذية المشاعر والدعوة إلى الالتحام حول رمز وحدة البلاد وسيادتها... وعندما يلتقي الشعور الديني بالروح الوطنية يتولد منهما مزيج ليعلن انبعاث أمة كانت في رحم التاريخ أمة وأراد لها المحتل أن تبقى له ذيلا وتبيعا.
وكان كلما ارتفع مد المقاومة الشعبية وتحديها كلما اشتد هذا الشعر صلابة وازداد توهجا واحتداما، واتسع صدره فتحول إلى مجال للتنافس بين اللامعين من رجاله فأثروا بعطاء اتهم الشعر المغربي وأضافوا إليه لونا جديدا لم يعرفه في عهوده إلا نادرا.
ويقدر ما كان العرش يتعامل مع هذا الشعر الذي هو نسيج وطني فيحتضنه ويغذيه برعايته بقدر ما كانت إدارة الاستعمار تبدي انزعاجها منه وتخوفها من كلماته وإيقاعاته وكأنما هي أجراس الموت تنذر بقرب نهايتها فلم يكن موقفها منه ورقابتها له اقل قسوة من مراقبتها لبقية الفنون الكتابية الأخرى.
أذكر أني دعيت لإلقاء قصيدتي في أحد أعياد عيد العرش بقصر البطحاء بفاس وما أن رآني ضابط الإذاعة الفرنسي حتى بادرني وفي يده نص القصيدة قائلا: وبرطانة «سيدي الشاعر» الرباط يقول ممنوع الأبيات التي تحتها أحمر فأجبته بأن أوامر الرباط مطاعة ولا يمكن مخالفتها.
واقتربت من الميكروفون لألقي القصيدة وبجانبي حضرته. وكنت كلما وصلت إلى المقاطع التي أشرتها الرقابة أرفع صوتي قائلا: هنا بيت حذفه الرقيب هنا بيتان حذفهما الرقيب وانتهيت فواجهني الضابط بحنق وامتعاض محتجا على مخالفتي لتعليماته فأفهمته أني لم أرتكب أي مخالفة وأن ما فعلته مجرد تنبيه للسامع إلى أن ما يلاحظه من اضطراب وتفكك في الشعر لا يدلي فيه وإنما هو من عمل الرقابة التي يعايشها يوميا في ما يقرأه من صحف ومجلات.
ومرة أخرى طلب مني أن أحذف كلمة (ولي العهد) التي أشرتها الرقابة وكان لا محيد من تغييرها فاستبدلتها بسليل المجد وارتاح حضرته بعد أن اختفى شبح الكلمة التي كانت تخيفهم ويطاردونها في كل مسموع ومطبوع ..
وأذكر هنا باعتزاز حفل توزيع للجوائز في أحد أعيادنا الوطنية بمنزل المرحوم الأستاذ عبد السلام الفاسي انتدب لرئاسة جلالة الحسن الثاني وهو يؤمئذ أمير وطلب مني إلقاء القصيدة وكان من ضمنها هذا البيت:
وثبـت بنا للمجد وثبتك  التي * تهيئنا مـن بعد للوثبة الأخرى
فقاطعنـي قائـلا:
الأحسن أن تقول الوثبـة الكبرى.
وكانت من جلالته إشراقة أدبية وشاهد إثبات على تذوقه وتوقد ذهنه.. ولم أجب جلالته لأنه أعلم بأن الذي قمة ماء لا يجد في التعبير أبلغ مـن الإيماء !
إلى هذا الحد بلغت الرقابة على هذا الشعر السياسي الذي لم يجهل دهاقنة الاستعمار مدى تأثيره وقدرته على التوعية والإثارة ودغدغة العواطف.. ومع يقظة هذه الرقابة فإن عيونها لم تكن تكشف منه إلا ما تعرى أمامها وتقدم بنفسه إلى مشرحتها ...
وإذا عرفنا التصور الاستعماري لهذا الشعر ومتابعته له ولرجاله الذين كانوا دائما يتعرضون لمضايقات أدناها أن يصنعوا في قائمة سوداء ... أدركنا سخف وتفاهة المقولة التي تنعت هذا الشعر ورجاله بالتكسـب والارتزاق، أي ارتزاق ! وتمخض هذا اللون في الشعر عن ميلاد حركة نقديـة هادفة تظل في كل موسم وتطلع مع كل عيد تقيم باهتمام ما جد فيه وتسنده بنقد بناء يرتفع به ويرقى بـه إلى الكمال غير أن ما مني بـه هذا الشعر الوطني من عداء أدعياء التجديد قـد  ينسيه الكثير مما لقيـه مـن عنت الرقابة وعف  المحتلين ذلك أنـه في رأيهم لا يعدو أن يكـون أدب مناسبات وليس أكثر من ذلك وكأنما كان حتمـا على الشاعر أن يتجاهل اهتمامات شعبه وقضيته المصيرية الأولى وأن يسمعـه بدلا من شعر المقاومة والوطنيـة مقطوعات الحب والغزل الرقيق !
قضية هذا الشعر أنه لا اختيار له في أن يكون فقد كل صنيع أحداث ووليد ظروف وواقع سياسي كان لا بد أن يتعامل معه ويواكبه ويرصد أحداثه وكل شعر لا يعكس واقعه لا يعدو أن يكون ثرثرة وهذيان معتوه.
وتبقى دائما الملامح الأدبية والسمات الفنية لهذا الشعر في الخاصية المميزة له عن بقية ألوان الشعر الأخرى .
وهما اختلف في الصور والظلال فإن تياره يتجه دائما مصب واحد قد يختلف في كل شئ إلا في وحدة الموضوع وسمو الغاية والصدق في الإحساس وكلها عناصر بارزة تؤهله للخلود.
ويوم يحظى أدب المقاومة بما يستحقه من نقد وتقييم يومئذ تتجلى قيمته كوثيقة أدبية وسجل واع لحقبة مهمة من تاريخ نضال أمتنا السياسي وينتصب علامة بارزة في نهضة الشعر المغربي الحديث.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here