islamaumaroc

ما معنى التاريخ؟

  دعوة الحق

227 العدد

لا نود تأريخا لمفهوم «تاريخ» ولا عرض النظريات المتضاربة حوله، وإنما نريد إشارات عابرة عما يكتسيه ذلك المفهوم من التباس عند الاستعمال، خصوصا عند عينات مختارة من المثقفين العرب المرموقين.مفهوم «تاريخ» :

1- مفهوم «تاريخ»: 
  أ ـ «منطـق التاريخ»:
«تاريخ» مرتبك تتضارب دلالاته يرى الكثيرون في التاريخ الحكم الذي لا استئناف لحكمه، أو السجل الأكبر أو الذخيرة التي لا تفنى. أو العبر للصغار والكبار... ويقدر ما تزداد ثرواته الدلالية بقدر ما يظهر الاحتياج إلى المزيد من الدقة في التحديد، ففي الوقت الذي يستشهد البعض بما سجله المؤرخون لـ «العبرة» يكون آخرون صورة أسطورية عن التاريخ. ومنهم من ينسب له «منطقا» كأنه عقل جبار يعلق في برزخ من وراء سحب.
«عصرنا لا يتحمل دولة عنصرية مثل إسرائيل، وإن استطاعت أن توجد فلأجل محتوم يترصد له منطق التاريخ» (1 ).
عصرنا «لا يتحمل» وإسرائيل توجد «لأجل محتوم» إلخ...
ومن المضحك ـ الممبكي عند كاتبنا الكبير كون «إن» الشرطية الواردة في قولته، تربط وجود إسرائيل بقدرة غيبيـة «الأجل المحتوم».                          
يذكرنا هذا بالدهريين الذين كانوا يرددون، «إنما في أرحـام تدفع، وأرض تبلع. وما يكلمنا إلا الدهر» ما أشبه الدهر هنا بـ : (                 ) عنـد الإغريق، لا حول ولا قوة للبشر فالزمان الفاعل القهار.
أيها العرب! انتظروا! واقنعوا بمصيركم، واقتنعوا بأن إسرائيل ستظل لـ «أجل محتوم» فهي محكوم عليها بالاضمحلال فاصبروا. وصابروا. فإن «منطق التاريخ» في النهاية لإسرائيل بالمرصاد! أما أنتم فثرثروا «فوق النيل» وحجوا إلى أضرحة أولياء الله الصالحين. رفقة بعض أصحاب الجاه من رجالات الفكر والسياسة، فبركتكم تتصرف في سير التاريخ ومنطقه...
في تعليق على معرض لوحات زيتية لعمر بوركبة. نقرأ تعاريف لمفاهيم. مثل «فن» و«تاريخ» و«ضمير جمعي» و«قيمة» وينسب ذ الخليفة العلمي. صاحب المقال إلى نتشه التعريف الآتي لـ «تاريخ».
«التاريخ ظاهرة تتجذر خارج الخير والشر مستقلة بعلويتها الأنتلوجية الأبدية» (2 ).
ويضرب مثلا على «الطاهرة المستقلة بعلويتها» بلوحة من رسم بيكاسو «تكون حاملة بداخلها لكون أنتروبولوجي يستحيل ربطه بجدلية نسبية وظائفية صادرة عن نوعية تاريخية أو إنسبة معينة إنه الفن بسموه وملكوته...».
ذاك «التاريخ» الأثيري، وهذا الفن المجرد عن كل نسبية (أي عن أية علاقة تربطه بأي مجتمع ـ أو بأية ظاهرة ثقافية. والمنسلخ تماما على التاريخ وعن كل الناس) أين وجودهما في خريطة المعاني؟ إنهما دالان على اللامدلول.
وما دام الخليفة العلمي يضرب المثل ببيكاسو، فلنتأمل قليلا في أعظم وأشهر لوحاته، غرنيكا، إن لها على عكس ما جاء في كلام الخليفة العلمي، تاريخا مضبوطا، هو الحرب الأهلية الإسبانية، وبالتدقيق بعد المذابح والحريق المهول الذي قضى على البلدة وعلى سكانها، وصاحب تلك الجرائم معروف ومحدد، الفرنكويون، كما للوحة المذكورة وقت وأسباب تاريخية لها مكان محدد إن اللوحة تحمل نفس الاسم العلم الذي تحمله البلدة الشهيدة.
أبعد كل ذلك يجوز بأنه «يستحيل» ربط الكون الذي تحمله لوحة بيكاسو «بجدلية نسبية وظائفية»؟
فالسببية والنسبية بارزتان في مشروع بيكاسو، ـ أنجز لوحته لفضح جرائم: ـ تلك الجرائم كانت أكثر فظاعة من بقية جرائم الحرب المعهودة، هكذا جاءت اللوحة أكثر تعبيرا عن واقع تاريخي... وهذا الواقع لا«يتجذر خارج الخير والشر» إنه لا ريب فيه، ولا شر أبشع منه ولا «يستقل» إطلاقا بعلوية، إذ لا علوية فيما يهدد إنسانية البشر.
ونؤكد أن «الأنتلوجيا الأبدية» قد أخذت مسيرة إجبارية نحو كرامة الإنسان وحركته ولا مسيرة غيرها...
ب) ثقافة خارج التاريخ
التاريخ حي قيوم إلا أنه تأخذه سنة ويأخذه نوم. فيستغل تلك الفترات بعض مفكرينا ليفرضوا عليه قوانين يسير عليها. مثل هذا «القانون» الذي استنتجه حسين فوزي دون استدلال.
«الانفتاح الثقافي ضرورة، حتى قبل الانفتاح الاقتصادي» (3 ).
إنها قولة ترفضها بعض الاتجاهات الماركسية، على اعتبار أن الثقافة بنية فوقية لا يتحقق وجودها إلا انطلاقا من القاعدة الاقتصادية (البنية التحتية) يجوز من منظار آخر، أن تكون قولة الأستاذ فوزي صادقة، إذاك يوضع السؤال.
إذا جاز لإمكانات حضارية (وهي نتائج ما يحصل من تفاعل بين ثقافات مختلفة) أن تستخدم الانفتاح الاقتصادي فمتى وأين تنشأ تلك الإمكانات نفسها؟
وهل تستطيع أن تنشأ منعزلة عن النظام الاقتصادي الذي يمكنها من أدوات العمل ومواده؟ 
إن «الثقافة» تتجسد في الصنائع والفنون، وفي أنظمة الفنون، وفي المبادلات الداخلية والخارجية، على اختلاف الأصناف والأنواع، فبالاقتصاد المزدهر، تتفتح الثقافة وتتسع وبانتشار الثقافة العميقة الواسعة يتغلب على الحاجات وتنمو الموارد والقدرات على استغلالها، ويحصل الرواج، ويزداد مستوى الاستهلاك.
إن ثقافة أمة ما في أية فترة من حياتها، انعكاس لكل ما تحقق في تلك الفترة، به تؤرخ تاريخها العام(4 ).

هذا تعريف من التعاريف الممكنة للثقافة، فمنها ما يتمتع بمناعة الدقة، ومنها ما يتسع فيطلق على أكثر من مفهوم مثل ما جاء عند عثمان أمين بالنسبة للثقافة إذ يجعلها مرادفة.
«لحضور الوعي ويقظة الروح وهما لا يكونان إلا مع الضمير الحي والعقل الناضج» (5 ).
هذا تعريف يمكن أن يعطي للكثير من الأشياء، بيد أنه لن يحدد أي شئ على الخصوص.
ج) ـ التنبؤ بالغيب:
هناك موقف آخر لبعض الكتاب العرب من التاريخ إنهم يتنبئون بما سيأتي به المستقبل إذ يريدون الأحداث على هذا الشكل أو ذلك، اعتمادا على تخيل لا تسانده معطيات علمية ومنطقية فذاتيتهم في هذا الحال، تسمى بديلا لـ «منطق التاريخ» نجد هذه النظرة عند الشاعر صالح جودت، حيث يؤكد أن أحمد شوقي:
«سيبقى. إلى ما شاء الله سيد القدامى والمحدثين لأنه كان شاعر مصر وشاعر الإنسانية جمعاء، وكانت موسيقاه الشعرية فريدة لم يدن منها قبله، وأشك في أن يأتي بها شاعر بعده» (6 ).
فيما يتعلق بما «سوف يأتي بعد شوقي» هذا شئ لا يعلمه إلا علام الغيوب! فمن «السلطوية» والمجانبة أن نسبق الأحداث فنحكم من الآن على الملايين من السنوات المقبلة ولو بطريق الاستشفاف... إن المستقبلية نفسها (7 ) لا تتنبأ على المدى البعيد وإنما تقف عند سنوات وهي تفعل تنطلق من معطيات «موضوعية» معتمدة الإحصائيات ومستقرئة الأوضاع والمالية والتكنولوجية. فتقيم مستوى الأطر ومؤهلات الكليات ومعاهد التعليم العالي ... في هذا الحال، يلتحم المنطق بالواقع المعطى ليتجاوزه إلى الواقع المترقب. يكون دور الذوق الفردي والذاتية محدودا، فإن للتاريخ «منطق». فهو بالضرورة خارج عن قواعد المنطق البشري...
أمـا فيما يتعلق بتصريح صالح جودت عن «ما قبل شوقي» فنشك أن يكون قائله قد قام بعملية استقرائية تامة لتاريخ الشعر. عند مجموع الشعوب. إن مثل هذا الاستغراق في حكم تقييمي قاطع يفترض مسبقا أن من صدر عنه قد قام بتجميع (كما يقول أصحاب المنطق الرياضي) (8 ). وهذا ما لم يفعله صالح جودت. ولن يستطيعه ولو كان جميع العرب له مساعدين لذا لا نجازف إذا صرحنا بأن في الأحكام السابقة رائحة شوفينية، لا شعر فيها ولا موسيقي لقد صدرت عن شاعر في حق شاعر آخر من مواطنيه، أكيد أن الأحكام الصادرة عن الذاتية لا ترغم التاريخ على أن يلتزم بنزواتها. حتى لو تعلق الأمر بأمير الشعراء العرب.
إن ما أودرنا من أحكام عن شاعرية شوقي لا يدخل في اهتمام هذا البحث إلا بقدر ما يعطي نموذجا حيا عن الكيفية التي يؤرخ بها بعض كتابنا، ويصدرون أحكاما في الآداب أو السياسية... يروي محمد أبو رية عن المشير أحمد مختار باشا الغازي هذا التقييم في حديث عن محمد عبده  «إني أعتقد أن دماغ هذا الرجل هو أعظم دماغ عرف، وأنه لو وزن لرجح بكل دماغ من أدمغة الرجال العظام الذين عرف الإفرنج أدمغتهم » (8 م).
لو أن الأستاذ الإمام علم بهذا الحكم على دماغه لحزن لتفكير بعض كبار ضباط الجيوش العربية...

تجد عند الله العروي خطاطه فكرية مماثلة لما جاء عند صالح جودت، يتحدث العروي عن نظرة الغرب إلى التاريخ فيرى أنها على:
«طرفي نقيض مع النظرة التقليدية»
إنها تنبني في آخر التحليل على افتراض هو:
«أن الأمر الإلهي ليس حاضرا في الكون منذ البدء البدء» ( 9).
هذا افتراض طبيعي عند الماديين و الملاحدة، لكنه غير مقبول عند المسيحيين (وهم أغلبية الليبراليين) لأنهم يؤمنون بوجود عناية الله La providence التي تهيمن على كل شئ فتعميم الافتراض مجازفة كان الأولى أن يقال:
«إن الأمر الإلهي غير حاضر عند بعض الغربيين»
تلك هي الملاحظة الأولى، أما الملاحظة الثانية فتتعلق بما يضفيه العروي إلى قولته السابقة، أن الأمر الإلهي ليس: «غائبا إلى أبد الدهر»
أنفهم من هذا «الأمر الإلهي» سيظهر يوما ما وسيدخل في التاريخ لأنه ليس «غالبا أبد الدهر»؟
فما علة عدم حضور الأمر الإلهي في التاريخ منذ البدء؟ (خصوصا وأنه يجوز تصور ذلك الحضور استقبالا) ذلك الغائب حاليا، والذي ليس غائبا نهائيا، بل يتوقع حضوره، أين هو الآن¨إن العدم لا يحضر لا عند البدء ولا «يدوم» غائبا «أبد الدهر».
فعندما سيبدأ التدخل، سترتبط نظرة الغرب إلى التاريخ بنظرة اللهوتيين والمتكلمين ولن تبقى «على طرفي تفيض مع النظرة التقليدية».
يفسر العروي قولته تفسيرا يؤكد التأويل السابق ويزيد الأسئلة حدة.
«إن الحقيقية المطلقة ليست معروفة منذ القدم ولا هي خارج متناول البشر أبدا الآبدين».
حقا، إن «الحقيقة المطلقة» ستصبح في متنازل البشر، بأية «عناية» سيتم ذلك؟
فإن يثبت مؤرخ أن الأمر الإلهي غير موجود في الكون ولم يوجد سابقا، قد يقبله البعض ويرفضه آخرون، لكن لا أحد يجرؤ فيتحمل مسؤولية التنبؤ بما سيحدث للبشر في أبد الآبدين!
فيمثل تلك التصورات، يفقد حقا التاريخ إيجابياته فيعود حقا مسرحا لخيال الظل.
ينتقل بنا العروي من مفاجأة إلى مفاجأة فلننظر إليه، يحوم حول «الحقيقة المطلقة» وهو يقاوم النظرة التقليدية.
«لكي يكون التاريخ ميدان جد ومسؤولية، لا بد من اعتبار الحقيقة المطلقة كحرية وكصيرورة».
تلك الحقيقـة المطلقة سماها المتكلمون بـ:  «الله» المهيمن المدير، وكما أن الله يخالف كل ما يخطر بالبال لأنه متعال، وكذلك «الحقيقة المطلقة» لقد اكتسبت المطلقية من الابتعاد الكلبي عن كل ما سواها، لا تعتريها نسبية ولا إحالة على شئ عداها وهذه بلغة علم الكلام، تعال، والتعالي صفة من صفات الله، الرب هـو «الحقيقة المطلقة» إنه المطلق الذي يتمتع بمطلقية قطعية إطلاقا.
هكذا أراد العروي أن يبتعد عن «منطق علم الكلام» ابتعادا بلا رجعة وأن يتجاوز النظرة «التقليدية»( 10) فوقع في ما فر منه.

يمكن أن نؤول فكرة العروي تأويلا آخر بإرجاعها إلى الأصل الذي استوحت منه، يقول العروي عن نظرية الغرب إلى التاريخ إنها تنبني من جملة ما تنبني عليه على افتراض، «هو أن الأمر الإلهي ليس حاضرا في الكون منذ البدء ولا غالبا إلى أبد الدهر أو بعبارة أقل ارتباطا بعلم الكلام إن الحقيقة المطلقة ليست معروفة منذ القدم ولا هي خارج متنازل البشر أبد الآبدين لأن في كلتا الحالتين إيجابية ويعود مسرحا لخيال الظل (11 ).
لا يحمل هذا أية مفاجأة للقارئ إنه يكرر الأطروحات الماركسية التقليدية بيد أن تناقضا يكمن في ما سيذهب إليه المؤلف في الشطر التالي من العبارة،  فكون الحقيقة المطلقة في متنازل البشر، ولو يعد حين قولة مباغتة لأننا لا ندري مـا هي الشروط التي سيقتضيها الذهن الإنساني، في نهاية ليتاح له أن يحيط بأطراف «الأمر الإلهي».
سبق للكاتب أن أكد أن الغرب تبني نظريته للوجود على إلغاء الأمر الإلهي والتعالي وبالتالي ينفي كل فعالية للعناية الإلهية، من ذلك تعادل بين المطلق والأشباح، فما ينبغي التنبيه إليه هنا، هو أن يرد واضحا في الأطروحة التقليدية، يأتي ضمن تضاربات قد تحملنا على القول بأن الفكرة الهجلية لم تحرر بعد من «قشورها اللهوتية عند العروي فلا يبعد أن تكون محاولته ترمي للمزج بين الظاهر والباطن بين الخفي والمصرح به، بحيث تتجه إلى تبني موقف باطني، وفي هذا ما فيه تعارض مع الفكرة المعبر عنها بوضوح لدى الماركسيين.
نقطة أخيرة، ماذا يقصد المؤلف بـ «أمر الله»؟
حسب السياق إنه يعطي للعبارة معنى خاصا، تدخل إرادة الله/ الإلهية القضاء لكن هذا المعنى غير مقبول هنا، ف«أمر الله» عبارة استخدمت في القرآن والأدب السياسي، للتعبير عن «نظام الحكم» و«السلطة السياسية» ومنه سمي الحاكم ب«الأمير» (من أوامر الله ويسهر على احترامها) كما سمي القادة ب«أولي الأمر» جاء في القرآن.
(يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء 59) (12 ).
وأخيرا: ما التاريخ؟ وما «التاريخية»؟
يجيب عبد الله العروي.
«أستعمل كلمة تاريخية للتعبير عن النزعة التاريخية التي تنفي أي تدخل خارجي في تسبب الأحداث التاريخية، بحيث يكون التاريخ هو سبب وخالق ومبدع كل ما روي ويروى عن الموجودات»(13 ).
ينفي المؤلف تدخـل أي سبب «خارجي» عن التاريخ لتفسير التاريخ فكان عليه وهو مؤرخ أن يدلنا على الأسباب التي هي من التاريخ و بها يفسر ويؤول وعلى الأسباب التي هي خارجة عن التاريخ كي يتجنب الباحثون الخلط.
ـ ثانيا: إذا كان التاريخ هو «سبب الموجودات» و «خالقها» و«مبدعها» فمن العبث محاولة «تفسير» التاريخ أو «تأويل» أي حدث لأن التاريخ نفيه سيصبح سببا لذاته، وخالقا لذاته، ومبدعا لذاته.
فالتاريخ هو تاريخ بالضرورة لكذا... أو كذا ... فأين مكان الإنسان في تاريخ الإنسانية؟
وأين أدوار الإنسان في صنع التاريخ؟
لماذا طمست تفاعلات الناس فيما بينهم... وتفاعلاتهم مع الطبيعة؟
فالاعتراف باستقلال بعض القوانين عن الإنسان لا يخولنا أن ندعي وجود قانون يفرض سليبة الإنسان في التاريخ، ولا أن نجعل من التاريخ سرا نغلفه أسرار بحيث إذا حاول أحد أن يحل السر الأول وجب عليه أن يعرف مسبقا كيفية حل الثاني، ومعرفة الثاني تتوقف على معرفة السر الثالث و...
ـ هل نحـن أمام مثالية أو رومانتيقية؟ أم  أنه مجرد «فـن تجريدي» إن لم تكن نظريته نهيلية عديمة للتاريخ ...                                      
قد يكون لفظ «عدمية» هنا، غير ملائم أو على الأقل مبالغا فالأصل استعمال «مثالية ـ ذاتية» فلا ننسى أن العروي مؤرخ وأن المؤرخ هو الذي يصرح أن «التاريخ لما هو مكتوب اليوم يركز على منطق الأحداث إلى حد أن الأحداث في ماديتها قد تذوب ويظهر التاريخ كأنه كله من عمل عقل المؤرخ» ( 14).
ـ هـل الباحثون في التاريخ يؤمنون ـ مع العـروي ـ بشئ يسمى «منطق الأحداث» أو «منطق التاريخ» كما سماع صالح جودت؟ ( 15).
فلنترك للمؤرخين أن يجيبوا كما نرجو منهم أيضا أن يخبرونا من منهم يعتقد أن التاريخ يظهر وكأنه «كله من عمل عقل المؤرخ »! وهل لهذا العقل الخاص منطق خاص يتجاوز الأحداث، وحتى الأفراد؟
ونوجه لهم سؤالا أخيرا:
أحقا أن «مادية الأحداث تذوب ويظهر التاريخ كأنه كله من عقل المؤرخ»؟
إذا  ذأبت «مادية الأحداث» ـ (الموضوع) ولم يبق إلا عقل المؤرخ/ذات المؤرخ) لن ينتج في الأخير، إلا تاريخ ممتزج بمؤرخ، ولا يتـدخل أي شئ آخر أما المنهج فاستبطان (الذات الموضوع) نظن أنه لا عقل المؤرخ يدرك تجريديا. ولا التاريخ يفهم بعد أن «تـدوب مادة الأحداث».
وما معنى أن«تذوب الأحداث»؟
في أي وعـاء يحصل الذوبان، في التاريخ أو «في» شعـور وذهن المؤرخ؟
إن الاعتقاد في الذوبان من شأنه أن يسقط في مزلقين.
ـ أنطولوجي وبيانه أن لمنطـق الوعي وجـودا «خارجيا» و«موضوعيا» (مثالي ـ ذاتي) بمعنى أن إسقاط هـذا الذوبان على العامل الخارجي (بما فيه الأحداث) ليس إلا تصـورا فرديا يضخم بشكل لا واقعي.
صحيح أن في التاريخ أشياء تتجاوزه، هي قوانين التاريخ، لكن صحيح كذلك أن للفكر قوانين بها نفكر وندرك سير التاريخ فلا تأريخ دون مؤرخين، كما لا تاريخ (مـادة الأحداث) دون أناس ليصنعوه، فالإنسان هو الكائن الذي يتأرخ قبل أن يؤرخه الآخرون، لأنه يتطور ويتقدم ويعي التغيير فيؤرخه، إن العقل لا يشرع للطبيعة قوانين سيرها، إلا أنه يلاحظ ما يعتريها فيعيه ويتأمل فيه.
للعوري تعريف آخر «تاريخ» ويريده تعريفا، على وجه الدقة لما يسميه «التاريخانية الماركسية» أنه بمعنى ما من المعاني.
«النظرة الشاملة التي يلقيها مجتمع ما على مجموع حوادث الماضي».
يعلق محمد عابد الجابري على هذا التعريف.
«إن مفهوم التاريخ بهذا المعنى، مفهوم ضباني، لا ماركسي» (16 ).
ويحتج الجابري على ذلك بما جاء عن ماركس نفسه في الأسرة المقدسـة.
«التاريخ لا يعمل شيئا لا يملك ثروة كبيرة لا يقتل! هو الإنسان الشخص الحي الذي يقاتل ويملك كل ذلك (...) إنما التاريخ هو نشاط الإنسان في سعيه نحو أهدافه».
كثير من الباحثين انتقدوا بشدة «ماركسية العروي» (17 ). جاتء عند محمود العالم بهذا الصدد:
«إن الماركسية التي يتبناها الأستاذ العروي ويطلق عليها اسم الماركسية التاريخية ليست في تقديري هي ماركسية ماركس وإنجلي ولنين، تلك النظرة التي تقوم على  المادية الجدلية والمادية التاريخية وإنما هي ماركسية تجريدية تعتمد على جدل يكاد أن يكون هيجليا، إنها ماركسية إيديولوجية معلقة في فراغ التجريدات والتعميقات» (18 )


  (1) نجيب محفوظ في حديث مع عبد العالي الحمامصي: هؤلاء يقولون ج 1 القاهرة دار الهلال ص 24.
  (2) العلم 19-5-1981.     
  (3) الحمامصي هؤلاء يقولون ـ ص 35.
  (4) أنظر كتابنا، من المنطلق إلى المتفتح (الأحاديث الثلاثة الأولى) القاهرة دار الأنجلو المصرية.
أما بخصوص التفرقة بيت تاريخ وتاريخ Histoire في معجمنا مصطلحات فلسفية 1962
  (5) الجوانية دار القلم، القاهرة ص 246.
  (6) عبد العالي الحمامصي: هؤلاء يقولون في السياسة والأدب.
  (7) مستقبيلة Prospective.
  (8) التجميع ضرب من الاستقراء الإحصائي الكامل الذي يؤدي إلى أحكام مركبة.
8م) في تقديم لرسالة التوحيد ص 10 دار المعارف، القاهرة، ط 1971.
  (9) العرب والفكر التاريخي ص 59-60.
  (10) ص 59.
  (11) نفس المصدر ص 60.
  (12) انظر دراسة ممتعة في الموضوع لشكري نجار، الباحث عدد 7 ص 90. سنة 1979.
  (13) العرب والتفكير التاريخي ص 126، تعليق 10.
  (14) نفس المصدر ص 44 تعليق 3.
  (15) أنظر هنا ص
  (16) الجابري المحرر الثاقافي (22،1،74).
  (17) منهم (جورج لابيكا) في المجلة الباريزية La pensée، ومحمد عابد الجابري في المحرر الثقافي وتوفيق السعدي في الثقافة الجديدة وجابر رشيد في أنوال، ومحمود أمين العالم في منشورات مختلفة.
  (18) قضايا عربية عدد 2 – 1974 ص 116.
يلخص الجدول البياني التالي شروط تحقيق إنسية ومعلوماتها تبعا لـ:  «لكرلوجا» كما تتصورها:
* توتر نحو ـ      . آفاق جديـدة
                   . مغامرات مستمرة.
* معتقدات         . عن اقتنـاع
                   . محاولة إقناع
* ذاتية            . في نزوع إلى الموضع
                   . في نزوع إلى تجاوز            
= * حقل ثقافي    . مجال فردي
                  . مجال توسلي
* محيط كوني    . الطبيعة
                   . الكائنات الحية
* عقل مجند       . حرب ضد الإيهام
                   . استمارات ـ اختيارات من أجل التكيف
* التزام           . سياسي
                   . تطويري إصلاحي


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here