islamaumaroc

على العلم والقوة ترتكز دعائم الملك دينا ودنيا.

  دعوة الحق

227 العدد

أجل فبروح هذا العنوان الخطير قامت وتقوم عناصر الدولة الإسلامية خلافة وملكا، مستخدمة كل ما لديها من طاقات لبث المعرفة علوما وفنونا في اندفاع مستمر صوب تأسيس المعاهد والمدارس في أرجاء العالم شرقا وغربا، باذلة جهودا متواصلة لخلق أجيال صالحة تستطيع تحمل أعباء المسؤولية المستقبلية عن يقين وإيمان، وقد تسلحت بسلاح العلم الصحيح الذي من شأنه أن يجعل منها أمة تذود عن الأصالة والكيان وما يضمان من مفاهيم ماديا وأدبيا، لا بدع أن تنتج ما ينبثق عن مخططاتها من جهود تحقق الهدف المرجو دينا ودنيا، طالما روحها الكتاب والسنة والإجماع.

العلـم قـال اللـه قـال رسـوله          *    إن صـح والإجماع فاجتـهد فيـه
وحذار من نصب الخلاف سفاهـة    *    بين النـبي وبـين قـول فـقـيه

وانطلاقا من هذا الخط المستقيم سار ملوك دولتنا العلوية الشريفة وأمراؤها - فلذات أكبادهم - في رعاية أبنائهم بتأسيس معاهد للتربية والتكوين الصالحين باختيار العناصر المثقفة على اختلاف أصنافها فكانوا يكلفون بالحصص الأولى من أي الذكر الحكيم المهرة فيه وفي تجويده ورسمه قصد أن يلقنوه تلقينا جيدا وغضا طريا كما أنزل امتثالا لقول الرسول صلوات الله عليه ... من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا فليقرأه على ابن أم عبد (1). لهذه المآثر الخالدة كان أبناء الأسرة المالكة منذ تربعها على عرش المغرب وطوال أربعة قرون وهي تسير بفلذات أكبادها وأمرائها على ضوء هذا المنهج الدراسي الحي مترسمة في منهجيته طريقة علمية لها جدواها المنتج حسب المستوى الذي يوجد عليه أطفال الأسرة.
وطموحا منهم أكثر كانوا يلقنونهم في هذه المراحل الأولى متون العلوم وحفظ نصوصها في غير ما فرع من فروع المعرفة كتهييئهم لما ينتظر من ولوج أبواب المعرفة التي كانت تلك المتون كمقدمات وفتح لغوامضها ومغالقها.
وكثيرا ما كانت هذه المعارف تؤسس إزاء قصورهم العامرة رغبة الاتصال بها وتعاهد سيرها بأنفسهم وفي هذه الظاهرة الطيبة ما يصور لنا آونة أخرى كريم العناية التي كانوا يولونها للأمراء والأميرات إيمانا منهم بالرعاية وملاحظة الوارد في أن (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، فكانوا بهذا الاعتبار أمناء على الثقافة بهذه الديار خاصة منها الإسلامية دينا ولسانا وأدبا مما لم يلبث (والناس على دين ملوكهم) أن كانت قدوة حسنة للشعب ترسم خطاها منتهجا ما سنت من مناهج ووضعت من برامج، وأسمى من هذا أن ملوكنا الأماجد كانوا يشركون في مدارس الأمراء بعض أطفال الرعية من شتى الأوساط رجاء احتكاك أبنائهم بأطفال الشعب منذ فطرتهم الأولى، وشيء من هذا القبيل لا يعتم يقوي رابطة الحب والعطف بينهم فينشأوا متآخين مستجانسين، خاصة ما كانت الولاية فوقتئذ يجدهم الحال دارسين أحوالهم وطبائعهم فتسود الطمأنينة الحق بين الراعي والرعية، ولا بدع أن تنعم الأمة في عيش رغيد خصيب أمنا ورفاها، وتلك هجيري ما تنشده الأمم المتحضرة.
 وهذا ما عززه التاريخ واتصلت مسيرته كحلقات سلسلة محكمة الوضع إلى تأسيس المعهد المولوي في عهد العاهل البطل محمد الخامس طيب الله ثراه (2) ، ثم لا يفوت القلم أن يستعرض في إيجاز بعض أفراد دولتنا العلوية الفاخرة كمؤسسها بحق المولى رشيد (أسبغ الله عليه شآبيب رحمته) الذي بعدما درس، حسب العادة المتبعة، انخرط في المدرسة الدلائية وزاويتها لأمر اقتضاه الحال آنذاك (3).
وكمحمد العالم من أبي النصر المولى إسماعيل قدس الله روحه الذي استحق وصف (العالم) عن جدارة بما كان يتوفر عليه من معرفة وثقافة خاصة في الآداب وفنونه الذي كان يضرب فيه بسهم وافر متعمقا باحثا نافذا، لاسيما الندوات التي كان يعقدها مع معاصريه من أدباء القطر السوسي، وما كان يجري في حلباتها من آيات بينات من الأدب الغض وعيونه شعرا ونثرا (4).
وكان الملك السلفي المحدث محمد بن عبد الله طيب الله ثراه الذي كان هو الآخر حامل لواء العود إلى السلفية الحق بالمغرب والرجوع إلى صحيح السنن ومساندها، مما جعله يضع مسنده المسمى »الفتوحات الإلهية» بعدما كان من رواد الأدب ووعاة أيام العرب وأخبارها حفظا واستحضارا (5) ، كما له أطيب الأثر في بعث برامج الدراسة بكلية القرويين وتطعيم مناهجها وتطويرها كي تصبح مسايرة لمعاهد الشرق الإسلامي (6).
ولثقته بآرائه وأفكاره الاجتهادية لم يكترث لما كان يوجه إليه أحيانا في بعض الفروع ونوازلها بمصادمة ما عهد فيها من (عرف أو عمل) حتى من أقرب أقربائه.
وكعالم الدولة المولى سليمان برد الله مضجعه، كان من خيار الأسرة المالكة علما ودينا وعملا وتحررا في أفكاره مسهما في سلفية أبيه ومترسما خطاه ناقلا أقدامه الثابتة على سننه علاوة علىاتصاله برجال العلم والثقافة وحضور مجالسهم ومآثمهم في رعاية منقطعة النظير وقديما قيل ( لا يعرف الفضل إلا ذووه).
وهكذا دواليك تتصل تلك الحلقات آخذا بعضها بحجزة في امتداد عريق يصل حاضرا بغائب ويبرز في حلة قشيبة رائعة في البطولة والتشجيع والقفز بالشعب إلى البعث والنهوض وتنسم أرواح الحضارة الهادفة في شتى أصنافها صناعيا وثقافيا وفكريا، كما شهد بذلك عهد الحسن الأول قدس الله روحه، وأخذ يتصاعد أيام المغفور له محمد الخامس أسبل الله عليه شآبيب رحمته، رغم السدود والقيود المضروبة من طرف الاستعمار الغاشم، نعم تجلت تلك القيم وتقمصت معالمها الخالدة في ملكنا المفدى جلالة الحسن الثاني أيده الله فكانت أعماله الموفقة نبراسا أضاء الأرجاء وتخطت أنواره المغرب لتسهم بدورها الإنساني والأخوي بالدرجة الأولى في الدفاع عن مقدسات الإسلام وقيام الحضارة الإنسانية التي جد وكد العرب في خلقها وتكوينها منذ عصور ساحقة، إذ لا عجب أن يصبح الحسن الثاني رجل الساعة (والحقيقة فيما نرى) ورأينا عند عقد مؤتمرات إسلامية هنا وهناك وما لعبه فيها من أدوار حكيمة وبطولية لفتت أنظار العالم عامة والعرب خاصة لا سيما في مؤتمر الرباط وصنوه الثاني عشر بفاس بعد الذي أصبح اليوم مضرب الأمثال فيما خططه من مشاريع منطقية كان لها الأثر الفعال في توحيد الصف العربي على كلمة سواء، مما جعل الدول الأجنبية تؤمن ببنوده السليمة طبيعيا وعقليا خاصة الولايات المتحدة، وزاد في بلورة تكوين لجنة سباعية من صميم أعضائه يرأسها الحسن الرائد ثبت الله خطاه، وغدت تجول في عدة عواصم كأمريكا ملقية الأضواء الكاشفة على المقررات بإيضاح عاهلنا المفدى والخطيب المفوه في خطبه الارتجالية الجامعة.
وهاهو جلالته اليوم يعمل على استرجاع سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، سالكا -على عادته- الحكمة في المطالبة لإعادتهما، واتخاذ كل ما يمت بصلة إلى الطرق الديبلوماسية وما يهدف إلى تجنب العنف والشدة، بعرض القضية على محكمة العدل الدولية وهيأة الأمم المتحدة، رغم ما يبديه الاسبان من تعصب وتصلب في القضية المغربية وأصالتها تاريخيا واقتصاديا وثقافة، منذ طوال سنين وسنين - حيث أصبحت شيوجهم أحيانا تتحرك في الشمال بين سبتة ومليلية إظهارا للقوة كتهديد أشبه ما يكون بطنين الذباب، وأنى له يطير، وليس بخاف على اسبانيا وقادتها ما للمغرب وللمغاربة من بطولة وشجاعة عرفهما التاريخ ويعرفهما حتى الساعة الشرق والغرب جميعا، بل كان عليها أن تتخذ العبرة من جارتها (البرتغال) وتعود إلى رشدها مكتسبة بذلك عطف العالم خاصة العالم العربي، راجين إتمام ما وعدت به أخيرا من إنجاز علق على نيلها الجبل.
فليمض جلالة الحسن الثاني مظفرا منصورا ووراءه الشعب المؤمن بقضيته العادلة في الصحراء وسواها من مغصوب الأجزاء الشمالية.
وهنيئا لسدتكم العالية بذكراكم الثانية والعشرين وما تحمل في طياتها من مكارم ومزايا لها أثرها الطيب على العالم الإسلامي أجمع، محفوظا في سمو ولي عهدكم سيدي محمد وصنوه المولى رشيد وباقي الأسرة الملكية .


(1) عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ومن كان على شاكلته في الحفاظ على تراثنا الإسلامي الخالد.
(2) المؤنس أوائل العقد الرابع الميلادي والسابع الهجري.
(3) نشأ عنه سجله التاريخ.
(4) وقد كان الكاتب خصص هذا الموضوع بمقال نشر قبل.
(5) له في ذلك سلف نبيل هو الإمام بن محمد بن إدريس الشافعي.
(6) وقد حضر أحد الإخوان من طلبة «دار الحديث الحسنية» أطروحة في العاهل المغفور له محمد بن عبد الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here