islamaumaroc

الإلمام بمن وافق حكمه للمغرب استهلال المائة عام.-2-

  دعوة الحق

227 العدد

كلمـة أولى:
قبل ربع قـرن ظهر لي  في أول عـدد من «دعـوة الحق» ذو الحجة 1376 ـ يوليوز 1957 كلمة بعنوان: « حاجة الدعـاة إلى مقومات» ومنذ ذلك الحين شدتني إلى «الدعوة» أصرة ظللت أتعهدهـا طيلة هذه الحقبة من التاريخ، سواء كنت داخل المغرب أو خارجه، وإني إذ أوثرهـا في هذه المناسبة برسالتي «الإلمام، بمن وافق حكمه للمغرب  استهلال المائة عام» ليطيب لي أن أشيد بدورها البارز في تعميـق الوعي الإسلامي والوطني، وفي إثراء الفكر المغربي والتعريـف به خـارج البلاد، متمنيا للمشرفين عليها المزيد من التوفيق والوافر من العمـر لمتابعة المسيرة...

تمهيد:
لم يكن هناك بالنسبة للعالم الإسلامي، في فجر أيامه.. غير أعياد ثلاثة دأب المسلمون على الاحتفاء بها وإيثار أيامها بمظـاهر خاصة، تلك، تلك عيد الفطر الذي يأتي في أعقاب شهر رمضان المعظم، وعيد الأضحى الذي يأتي مباشـرة بعد يوم عرفات ، حيث يؤدي المسلمون فريضة الحج، ثم يوم الجمعة الـذي يكون عيدا ثالثا له حرمته ، حيث يذر المسلمون بيعهم وشراءهـم ويتوجهون إلى سماع الخطبـة وأداء فريضة الجمعة.
وهكذا فلم يكن هناك مـا نسميه اليوم (عيد المولد) أو (عيد الهجرة) أو (عيد أول السنة)، ومن ثمـة ظلت كتب التاريخ الإسلامي القديمـة خالية من كل إشارة تدل على أن الجماعـة الإسلامية سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى الأفراد، كانت تقـوم بإحياء أعياد غير الأعيـاد الثلاثـة السالفـة الذكر... ومن ثمت  لم نر ذكرا لهـا في عهد الأدارسة والمرابطين والموحدين..
إلا أن بعض الجهات الإسلاميـة لم تلبث أن تنبهت إلى ضرورة الاهتمام بالحدث العظيـم الذي يتجلى في ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بـد أن المفكرين من المسلمين آنذاك وازنوا بين أيـام الإسلام المحجلـة ليختاروا منها يومـا يكون هو المناسبة.. وهكذا وقع الاختيار على حـادث ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره طالـع يمن على الكائنات البشرية.
ومن الموافقات الغريبة أن نجـد أن الاهتمـام بالموضوع، بصفة منتظمـة يأتي من المغاربة تقريبـا في نفس الوقت الذي أخـذ فيه القـادة بالمشرق يقيمون احتفالات المولد، هـل هـو توادرد خواطـر أم كان مما يدخل في إلإطـار التنافس بين قـادة المشرق والمغرب... قد يكون هـذا وذاك..
ولقـد كانت الجهات التـي تنبهت إلى هـذه المنقبة هناك أواخـر القرن السادس الهجري أسرة بيكتيكين (BEGTEGIN) في شخص  زعيمها مظفر الدين كوكبوري (KOKBURI) صاحب إريل...فقد تحدث ابن خلكان في وفياته عن احتفال هـذا الملك بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كـان يصل إليه في كل سنة مـن البلاد القريبة كثيـر من الفقهاء والصوفيـة الوعاظ والقراء والشعـراء، ولا يزالون يتواصلـون من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول، حيث تتميز الاحتفالات بإنشاد السماع واستعراض سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وإيقاد الشمـوع الموكبية التي تحمل على البغال،  كمـا تتميز بإطلاق البخـور وتقديم بإطلاق البخور وتقديم السماط للحاضرين.
وقد كـان ابن دحية المغربي في جملـة الذين حضروا إربـل سنة 604، وشاركوا في تلك الاحتفالات وألفوا لمظفر الدين حولهـا كتاب « التنوير في مولد السراج المنير».
أمـا الذين تنبهوا إلى الموضوع في ديـار المغرب فهم أسرة العز في أصحاب سبتة الذيـن سنوا عيد المولد أواخر القرن السادس في بـلاد المغرب وأتوا بزلفـى تدنيهم إلى الله وتقرب على حـد تعبير المقري، وقـد رأينا أبا العبـاس العزفـي يشرع في تـاليف كتاب « الدر المنظم في مولـد النبي المعظم»، الذي ينهيه ولتده أبو القاسـم، كما سنرى ابن مرزوق يؤلف كتابه « جنـى الجنتين في فضـل الليلتين».
ولم تلبث هـذه المناسبة أن أصبحت في عـداد الأيـام التي تحفل بها الدولـة على المستوى الرسمي في سائـر الجهات المشمولة بحكم بني مريـن سواء في بـلاد المغرب أو الأندلس، وهكذا وجدنـا السلطان أبا يعقوب يوسف يصدر ظهيرا (مرسوما مليكـا) شتاء سنة 691 ـ 1292 في أعقاب جواز العاهل المريني إلى الأندلس لرد عدوان المغيرين على الثغـور التابعة للمغرب.. وجدنـاه يشرع الاحتفال بعيـد المولد في سائر جهات المغرب ويعتبره يومـا رسميا للدولة، تتلقى فيه التهانـي من سائر طبقـات البلاد، الأمر الـذي استمر عليه التقليـد إلى اليوم في المغـرب الأقصى.
وإذا كانت مجالـس الاحتفال بهذه المناسبة قد أصبحت عادية عنـد بني مرين بفاس... فإنها عنـد إخوانهم بني عبـد الواد في تلمسان أثارت انتباه يحيى ابن خلدون الـذي تحدث هو الآخـر عن المشاعـل التي كانت تحكي الأسطوانـات القائمة، كما يحكي عن المباخر الضخمة، ويحكي عن السماع الذي يسترسل إلى آخـر الليل علاوة على نصب السماط !!.
ولا بتد أن نـلاحظ أن الدواعي التي كانت وراء إنشاء مثـل هذا الاحتفال بعيـد المولـد لمك تكن فقطط التعقيب على الشيعـة الذين اعتادوا الاحتفال بمولد الإمـام علي والحسين، ولكـن الأمر يتعلـق بتقليد العـادة التي جرى عليها المسيحيون في احتفالهم بعيد السيد المسيح و إقامتهم المهرجانات لأجل تلك المناسبـة.
إن أهـل سبتة أقرب الناس جوارا للمسيحيين وقـد تتبع المسلمون دون شـك اهتمام ذالك العالم المسيحي بأعياد الميلاد ومطالـع العام، فقاموا أي المغاربـة هم كذلك بسـن عيد المولد اجتهادا منهم وتعبيرا عن تشبث المسلميـن بدينهم واعتزازهم بنبيهم...
وما  من شك في أن أهـل (إربل) انطلقوا من نفس المنطـق سيمـا وهـم يحتكون هناك بالمسيحييـن مـن كل جانب.. لقـد كان الأمـر يقتضي ضربا من المنافسات والمفاخرات والمتابعات.. ولا بد أن نلاحـظ أن فترة التقليد مـ جانب المسلمين اقترنت باحتفال العالـم المسيحي بمطلع القـرن الثالث عشـر الميلادي، الـذي اهتـزت له المحافل الدينيـة، مما زاد في مـاس المسلمين لتشريع منقبـة الاحتفال بالمولد.
وعندمـا كان أسلافنا هنا أو هناك يحتفلون بعيد المولد.. كانـوا يحتفلون بذكرى الهجـرة التي تعتبر بإجماع المسلمين الحد الفاصـل بين عهديـن، أفلم نسمع أن هجـرة الرسول صلى الله عليه وسلم إنمـا انطلقت في واقـع الأمر عند الأيام الأولى لشهر ربيع الأول التي كانت تصـادف أيام مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهكـذا وجـدوا في اليـوم الثاني عشر من ربيـع الأول ظرفا مناسبـا للاحتفال أيضا بالهجـرة والتنويه بهـا.
وعندمـا أمر سيدنـا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عـام 17 بحساب الهجرة من اليوم الأول من المحرم، وليس من ربيع الأول، كان يعرف  أن نيته وعزمه صلى الله عليه وسلم على الهجـرة، كانت ابتداء من أول المحرم أي قبل شهرين من تنفيـذ الخطة، واختيار عمـر رضي الله عنه يأخـذ بإشارة القرآن الكريـم إلى «أول يوم»  في حيـاة المسلمين عندمـا تحدث القرآن عن المسجـد الذي أسس على التقوى بدار الهجرة، وقـد نص ابن خلكان على أن بدايـة الاحتفال بالمولد كانت تنطلق من المحرم...
 وهكذا رأينا أن الاحتفال بعيـد المولد لم يلبث أن هدى الناس جميعا إلى الاحتفال باليوم الأول من السنة الهجرية ، لأن المناسبـتين متلازمتين،  ومعنى هذا أن أسلافنا الذين قلدوا المسيحيين في الاحتفال بعيد الميلاد كانوا يقلدونهم أيضا في الاحتفال بمطلع السنة، ولم يجـد العلماء في هذه «البدعـة الحسنة» من بأس ما دام القصـد إلى أن يتخـذ المسلمون من هـذه المناسبة فرصة للتأمل واستعراض التاريخ..
 وقد رأينا ونحن نعيش استهـلال القرن الخامس عشر الهجري أ، نسهم بهذه المناسبة بتقديم ومضـات سريعة عن الشخصيات الخمس عشرة التي صادفتها مطالع القرون الهجريـة وه يتحكم بأرض المغرب تذكيـرا واعتبرا سيما وفي تلك الشخصيات من كان بعيـدا عن منـاخ المغرب، وفيهـا من ورد عليه من المشرق وفيهـا من كـأن يسير في ركب الفاطميين بالمهديـة أو في ركب الأمويين بقرطبـة، ولو أن جلها أي تلك الشخصيات ينتمي لصميم الصحراء المغربية على ما نراه منذ ظهور المرابطين إلى العلويين...                                                        

1) هرقل: (هيراكليوس)
610 م ـ 641 م 12 هـ ـ 20 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الأول، هو الجمعة الموافق لـ: 16- يوليـه 622.
اعتلى القيصر هرقل عرش بيزنطة عام 610 ميلادية، واستمر حتى 641 ... كانت المقاطعات البيزانطية في إفريقيا تحت حكمه ـ ومنها المغرب الأقصى وحزر الباليار، وكانت تنعم على عهده  ببعض الهدوء والرخاء.
بيد أنه لم يلبث أن أخذ يواجه الصراع الذي شب في الشمال الإفريقي حيث أعلن البطريق كريكوريوس الثاني الذي تسميه المصادر التاريخية العربية «جرجير» ثورته على الحاكم العسكري الذي كان يشاركه في الحكم وهكذا انفصل كريكوريس عن قيصر بيزنطة. واستبد بالشمال الإفريقي بسبيطلة (جنوب غربي القيروان)... قبل أن تجهز عليه طلائع الفتح الإسلامي...
وهرقـل ذلك هو الـذي بعث إليه الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم بدحية الكلبي في مطلع السنة السابعة من الهجـرة (مايه 628) يحمل رسالته التاريخية المشهورة التي تدعوه إلى اعتناق الإسلام، في أعقاب حروبه مع ملك الفرس.
وهكذا رأينا أنه عندمـا كانت السنة الأولى للهجرة، كان المغرب، تحت حكم هرقل... وكان واليه على البـلاد هو كريكوريس أو جرجير.
وعلى ذكر خطاب النبي إلى هرقل، نذكر أن الناصر الموحـدي آل إليه ذلك الخطاب.. كمـا نذكر أن السلطان مولاي إسماعيل ابن مولاي الشريف ملك المغرب (1082 - 1139/1671- 1727) عندمـا كانت وعلاقاته جيدة بلويس الرابـع عشر ملك فرنسا، كان ينسبه إلى هرقل عظيـم الروم «الذي كتب له جدنـا وسيدنا عليه الصلاة والسلام » ولكنه عندمـا توترت العلاقات ذات يوم مع ملك فرنسا بسبب محاصرته الثغور المغربية (سنة 1114-1702) قال له السلطان مولاي إسماعيل:
«ما أنت من ذريـة هرقل على كل حـال بإجماع الأجناس ولكنك من ذريـة جرجير الذي كـان بإفريقية وقتله عبد الله ابن الزبير».!

2) عمر بن عبـد العزيز
 718م ـ 720م/ 99هـ ـ 101هـ:
كـان اليوم الأول للقرن الهجري الثاني، هـو الاثنين الموافق 24 يوليه 719.
تولى الحكم بعـد سليمان بـن عبد الملك ابن مروان بعهـد منه ، فبويع في مسجد دمشق ( 69-101هـ/ 720).
وإلى هذا الرجل الجليل يرجـع الفضل في بث الإسلام بين أهـل المغرب وتفقيههم في دينهم، حيث وجدنـاه يعهد إلى بعثة تتألف من عشرة من التابعين بهذه المهمة.. كان من هؤلاء حبان ابن أبي جبلة.
وقد اختار واليا عنه على بلاد المغـرب إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجـر، فقدم القيروان سنة مائة، وكان خير أمير وخير وال.. كان لما ورثه عمر بن عبد العزيز عن عمـر ابن الخطاب من جهة أمه، أثر في حسن سيرته فجدد ما بلـى من الديـن ونهض بالعلم بعد خمـود وعمل على إصلاح طائفة من المرافق...
وهكذا وجدنـاه يعيد الهمل بالشورى ويقرب العلماء ورجـال الصلاح للأخـذ برأيهم في أمور تلك الملك.
كما رأيناه ينصف طوائف الأمة على اختلاف أجناسها وآرائها وعقائدهـا فقضى بذلك على الفتن والتشنجـات الداخلية.
وقد كان مما قام بـه من إصلاحـات تخفيف الضرائب على الناس.. وعندمـا استأذنه واليه على مصـر في أن يفرض الجزية على مـن أسلم أجابه قـائلا: إن الله إنمـا بعث محمدا هاديـا ولم يبعثه جابيا.
وممـا قام به اهتمامه بتدوين العلوم ونشرهـا وعدم تفرقته في ذلك بين العلـوم الشرعيـة وغيرها.
كمـا اهتم بتدوين علم الحديث الذي كاد أن يتعرض للتلف، وممـا اهتم بنشره من العلوم ، علوم الحكمة من الطب وغيره، فقـد عنى بنقلهـا إلى اللغة العربية وكـان يقرب إليه بعض المشتغلين بها ...
ويكفيه مفخـرة أنه ضرب بعدله مثلا لمـن أتى بعـده من الملوك والحاكمين.. 

3) إدريس بن إدريس:
804م-828م/188هـ - 213هـ
كان اليوم الألو للقرن الهجري الثالث، هو الأربعاء الموافق 30 يوليه 816:
 يعتبر إدريس بن إدريس من الأمراء الأوائل الذيـن تقلدوا منصب المسؤولية، ولمـا يمض  من عمره زهاء عشر سنوات وذلك في أعقاب اغتيال والده من طرف العباسيين..
وفدت عليه وفود العرب من إفريقية والأندلس نازعين إليه ملتفين حوله، فاستوزر عمير بن مصعب الازدي، وتعبيرا منه عن مناصرته للمذهـب المالكي أسند القضـاء لعامـر بن محمد بن سعيد القيسي الذي سمع  من مالك بن أنس..
وإلى إدريس هذا يرجـع الفضل في بناء مدينـة فاس 192- 808 التي تعتبر الحاضرة الأولى للإسلام بالمغرب الأقصى، والتي ظلت «دار علم» كمـا أراد لها إدريس منـذ اليوم الأول.
وقـد صادفه مطلع القرن الهجـري الثالث في مدينـة تلمسان يدير أمرها ويصلح أحوالها بعد أن كان قد قضى على من بقي هناك مـن المناوئين.
وقد قتال أبو مروان عبد الملك الوراق، دخلت مدينة تلمسان سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، فرأيت في رأس منبرها لوحا من بقيـة منبر قديم قد سمر هنـاك مكتوبا عليه، «هـذا ما أمر به الإمـام إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم في  شهر المحرم سنة تسع وتسعين ومائة».                              

4) يحيى بن إدريس بن عمر:
905م ـ 944م/ 292هـ ـ 332هـ.
كان اليوم الأول للقرن الهجـري الرابع هو السبت الموافق 7 غشت 913.
ولى سنة 292 وتوفي بالمهديـة (تونس) 332، كان يحيى هـذا أعلى  بني إدريس قدرا وأوسعهم ذكـرا وأكثرهم عدلا، وأغزرهم فضـلا وأبعدهم ملكا على حـد تعبير المؤرخين، وكـأن إلى جانب هـذا فقيها حافظا لحديث ذا فصاحـة وبيان، بطلال شجاعـا ذا صلاح وورع ودين، قال علي النوفلي، كـأن يشهد مجلس يحيى هذا، العلماء والشعـراء، وكـأن أبو أحمد الشافعي من جلسائه وممن يتكلـم عنده في العلم،  وكـأن ينسخ له عـدد من الوارقبين، وهـو أول ملك واجده عنت الفاطميين الذيـن تاقت مطامعهم إلى الاستيلاء على المغرب الأقصـى، الأمر الذي أدى ـ بعـد الاصطدامات المسلحة ـ إلى قبـول الأمير يحيى لمبايعـة عبيد الله المهـدي وقبوله كذلك أن يقتصر حكمه على  مدينـة فاس وأعمالهـا. في حين تنـازل فيه لموسى ابن أبي العافيـة على  ما سوى المدينة، وذلك بمقتضـى عقد مع مصالحـة قائد عبيد الله المهـدي وابن عـم ابن أبي العافية. 
وقد استطـاع الأمير يحيى ـ وهـو في هـذا الموقف الحرج الدقيق ـ أن يحافـظ بفضل سياسته ولباقتـه، على ما يمكن الحفـاظ عليه بالرغـم من تعنت عملاء الفاطميين ... بيد أن هـذه المجاملات لم تدم فقد تنكـر الفاطميون ليحيى ونكبوه قبل أن يدركـه أجله منفيـا في المهدية..  

5) المعـز بن زيري ابن عطيـة
 1001م ـ 1026م/ 391هـ ـ 714هـ:
كان اليوم الأول للقرن الهجري الخامس هو الثلاثاء الموافق 15 غشت 1010.
ولي المعـز هذا بعـد وفاة والده زيري ابن عطية باني مدينـة وجدة ، ولقد سلك نفس سياسة والده وبايـع عبد الملك ابن المنصور ابن أبي عامـر الذي رأيناه يبعث له بعهده على فاس وسائر أعمال المغرب حواضره وبواديه، وذلك سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.
وقـد صادف مطلع القرن الخامس تنصيب عبد الرحمـن بن المنصور ابن أبي عامر في أعقاب وفاة أخيه عبد الملك، حيث وجدنـا المعوز بن زيري يبعث بهديـة نفيسة  تحتوي في جملة ما تحتوي عليه على خمسين فرسا ، وكانت هـذه فرصة لكي يقوم عبد الرحمن بإرجـاع الأمير معنصر بن المعـز الذي كان رهينة لدى البلاط العامري...
وكانت مناسبـة أيضا ليخلع على الولـد وعلى السفراء الذين وردوا بالهديـة من ضروب التكريم.. الأمر الذي نـال منالـه من المعـز، حيث قام بجمـع كل الجياد التي كان يتوفـر عليها ليبعث بها  إلى قرطبـة، وقـد وصل عددهـا إلى تسعمائة فرس، ولم تصـل من المغرب إلى الأندلس هديـة أعظم منها على  ما تقـول المصادر التاريخية المغربية.

6) علي بن يوسف بن تاشفين
 1107م ـ 1143م/ 500هـ ـ 537هـ.
كان اليـوم الأول للقرن الهجري السادس هو الخميس الموافق 22 غشت 1107.
بويع أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين أوائل محرم سنة خمسمائة بعهد من أبيه إليه ... فسلك طريق والده العظيم بطل الزلاقة. وملك من البلاد ما لم يملكه سلفه. لأنه صادف البلاد ممهدة والأموال وافرة والرعايا آمنة من تخوم السودان إلى جنوب أروبا إلى حدود النيل.
وقد دشن حياته في الأندلس بجولات عظيمة أقضت مضاجع الفرنج ... وقد ظل صلة ولاء بالخلفاء العباسيين في بغداد على نحو ما كان عليه والده لوفرة المراسلات مع الخلفاء فقد لاحظ أن مطالع الشهور تختلف في المغرب عنها في المشرق الأمر الذي حذا به إلى طرح موضوع توحيد التاريخ الهجري على رجال الاختصاص الذين أدلوا بفتاويهم في هذه النازلة التي يتجدد الحديث عنها كل عام !
وقاد قام أمير المسلمين علي بن يوسف بحركة واسعة لإعادة بناء جامعة القرويين في مدينة فاس وما يزال اسمه منقوشا في أعالي قبابها على مقربة من المحراب ... حيث نقرأ بين الأفاريز التي تحيط بالقبة المستطيلة هذه الكلمات «أمر بعمله، عن أمر الملك العادل الآمر بالخير والفضل أمير المسلمين وناصر الدين بن يوسف أدام الله له أسباب التأييد والتمكين. الفقيه المشاور الأجل الإمام القاضي الأفضل أبو محمد عبد الحق بن عبد الله بن معيشة الكناني... وكان إتمام ذلك كله في سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة».
وقد عرفت الحركة العلمية على عهده نشاطا كبيرا تجلى في عدد المفكرين والقضاة والفقهاء الذين يتجولون عبر قواعد الإمبراطورية المغربية الفسيحة الأرجاء.             

7) الناصر بن يعقوب المنصور
1199 م ـ 1214م ـ 595 م ـ 610 هـ.
كان اليوم الأول للقرن الهجري السابع هو الأحد الموافق 29 غشت 1204
بويع لمحمد الناصر لدين الله في حياة والده يعقوب المنصور الموحدي ، ثم جددت له البيعة بعد وفاة الوالد يوم الجمعة 22 ربيع الأول سنة 595.
ولم يلبث أن تحرك نحو بلاد افريقية لإرجاع المنشقين إلى جادة الصواب، وقد أصبح كالشأن في والده. لا يقول بالولاء لرسوم الخلافة في بغداد. لأنه كان يرى أن الخلافة أصبحت مفتتة في يد الأعاجم، ولهذا فقد قصد الجهات المنشقة لقطع الخطبة باسم «الخليفة العباسي» حيث صادفه مطلع القرن السابع هناك على أبواب المهدية بأسطوله وعتاده، ومن هنا فوض لوزيره أبي محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص حكم تونس... فكان هو جد الملوك الحفصيين...
وبعد عودته إلى بلاد المغرب والمقام قليلا تناهت إليه الأخبار عن تطاول ألفونصو في الأندلس، فقرر الجواز إلى تلك الجهة لمناهضة العدوان.
وهنا اهتزت بلاد الفرنج لجوازه وتمكن رعبه من قلوبهم. وكتب إليه أكثر أمرائهم يسألونه السلام ويناشدونه الأمان ويطلبون العفو... ووفد عليه منهم ملك بيونة (             ) التي كانت تحت التاج الإنجليزي على ذلك العهد. ويذكر صاحب كتاب «روض القرطاس» أن ملك بيونة قدم بين يديه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث به إلى هرقل يستشفع به...
ومن الطريف أن نقرأ في المصادر الإنجليزية القديمة عن سفارة بعث بها يوحنا ملك إنجلترا وشقيق الملك قلب الأسد إلى الخليفة محمد الناصر 608-1212 بعد سنوات من بناء جامع حسان، يستصرخ به عندما تحرج موقفه، فقد تألب عليه الأشراف ورجال الدين والأهالي وزاد الطين بلة أن البابا كان قد حكم عليه بالحرمان الكناني قبل ذلك بثلاث سنوات...؟! وأطراف من ذلك أن نرى الملك جوهن يعرض على الخليفة الموحدي، كدليل على الامتنان، أن يعتنق العاهل الإنجليزي الإسلام هو وسائر أفراد رعيته !!

8) يوسف بن يعقوب بن عبد الحق
1286 م ـ 1306 م ـ 685 هـ ـ 609 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الثامن هو الأربعاء الموافق 6 شتنبر 1301
بويع في أعقاب وصول الأخبار بوفاة والده في قصره بالجزيرة الخضراء من الأندلس 22 محرم فاتح 685 حيث التحق يوسف بالمدينة المذكورة وهناك جددت له البيعة قبل أن تنقل الجثة إلى شالة بظاهر مدينة الرباط...
واجه هنا العاهل مشاكل الحركات الانفصالية التي ظهرت في المغرب الأوسط كما عاش تناقضات بني الأندلس حيث وجدنا سلسلة من الاصطدامات والمصالحات بين هؤلاء وأولئك ...
كما شاهدنا طائفة من الاجتماعات على مستوى عال بين الحكام، سواء في الأندلس أو إيالات المغرب، ولكن النتائج لم تلبث أن ذهبت أدراج الرياح ...
وقد شهد مطلع هذا القرن وجود السلطان أبي يعقوب يوسف في معسكره آل يغمراس في تلمسان حيث كان يسير من هناك أعمال الدولة، ومن ثمة أيضا واصل اتصالاته بديار المشرق حيث بعث بركب الحاج المغربي في حامية تناهز خمسمائة فارس ووجه خطابا إلى صاحب الديار المصرية الملك محمد بن قلاوون وأتحفه بهدية استكثر فيها من الخيل العراب والمطايا الفارهة ... ظلت هذه السفارة حديث المجالس. وقد أجاب عنها صاحب مصر بعدد من الهدايا المطرفة كان فيها الفيل والزرافة.
وقد سجل عهد يوسف بن يعقوب أول صلة مباشرة للمملكة المغربية بشرافة مكة في أعقاب التنافس الذي شب بين أبناء الشريف أبي نمى الأول حيث رأينا العاهل المغربي يبذل مساعيه الحميدة لتطويق الخلاف بين صاحب مصر وبين أشراف الحجاز.                       
وإلى يوسف هذا يرجع تاريخ الظهير الذي صدر إلى سائر عمال المغرب بإقرار الاحتفال بعيد مولد النبي صلى الله عليه وسلم أواخر القرن السابع، هذا الاحتفال الذي يعتبر في الواقع احتفالا بمطلع العام والقرن الهجري وكان بنو العرفي أصحاب سبتة قاموا في مطلع القرن بسن تلك العادة واتخاذ ذكراها مناسبة للإشادة ببني الإسلام عليه السلام كما قلنا.

9) أبو سعيد بن أبي العباس:
1398 م ـ 1420 م ـ 800 هـ ـ 823 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري التاسع هو الجمعة  الموافق 13 شتنبر 1398.
صادف ظهور هذا القرن تغير الأحوال بالمغرب. وقد طويت طائفة من محاسن العمران وتقلص ظل عدد الدول وفل حدها ووهن سلطانها وتداعت أحوالها وخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل. وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض !!
في هذا الجو بويع السلطان أبو سعيد عثمان بن أبي العباس بن أبي سالم.
بويع يوم 30 جمادى الثانية سنة 800 = 1398 بيد أن النقض والإبرام كان بيد الوزراء والحجاب ...! وكان من أكبر حجابه أبو العباس القبائلي وفارح بن مهدي وأبو محمد الطريفي وعبد العزيز الملياني ومن وزرائه صالح الياباني ويحيى الهسكوري. ومن كتابه الأديب ابن أبي دلامة ومن قضاته عبد الرحيم اليزناسني...
وقد تعرضت مدينة تطوان في عهد أبي سعيد هذا إلى عملية انتقامية من الجيش الإسباني... كما أن مدينة سبتـة استهدفت هي الأخرى لعملية غدر في قصة مثيرة، فلقد شاهدنا النصارى يأتون بصناديق مقفلة يوهمون أن بها سلعا وأنزلوها بالمرسى كعادة المعاهدين... وكانت تلك الصناديق مملوءة رجالا يقدر عددهم بأربعة آلاف من الشباب المقاتلة فخرجوا على حين غفلة واستولوا على الثغر،  حيث وجدنا أهل المدينة يتطارحون على السلطان عبد الحق بن أبي سعيد راجين المساعدة.
«يا ملكا قـد صـأن  بيضة مغرب * بضـوارم وصـوارم وجـــنود
هتــك النصارى علينا حرمة سبتة * غــدرا بنقص مـواثق وعهود»!

ولم تزل مدن المغرب ترتدي المسوح والنعال الود ونسوان المنطقة يجعلن رؤوسهم (شمريرا) وهي قبعة من الدوم تعبيرا عن الحزن.                    

10) أبو عبد الله محمد الشيخ
1472 م ـ 1505 م ـ 876 هـ ـ 910 هـ
بعد تزعمه في مدينة أصيلا طمحت نفسه للاستيلاء على فاس العاصمة التي كانت قد استنامت إلى شريف إدريسي هو محمد بن علي العمراني الجوطس ...
ولقد عقـد محمد الشيخ اتفاقية هدنة مع البرتغال تمكن بواسطتها من التصدي لبسط نفـوذه على باقي المدن المغربية، وهذا الأمير هو محمد الملقب بالبرتغالي نظرا للفترة التي قضاها بالبرتغال.
وقد شهدت أيام أبي عبد الله محمد الشيخ استيلاء الملكة إيزابيلا عاهلة اسبانيا على حمراء غرناطة حيث وجدنا أميرها السابق أبا عبد الله ابن الأحمر يقدم على أبي عبد الله محمد الشيخ بعد أن خاطبه بقصيدة طويلة من نظم العقيلي. موصولة برسالة طويلة وقد استهلت القصيدة هكذا:
مولى الملـوك ملك العـرب والعجم * رعيا لمـا مثلـه يرعى من الذمم
بك استجـرنا ونعم الجـار أنت لمن * جـار الزمان عليه جور منتقم ! !
كما شهدت أيام محمد الشيخ كذلك استيلاء البرتغال على ساحل البريجة حيث شيدوا مدينـة (الجديدة)... وشهدت استيلاءهم كذلك على بعض سواحل السوس. حيـث بنوا حصن فونتي على مقربة من أكادير... وكانوا يمنون أنفسهم بالبقاء في هذه المواقع قبل أن تداهمهم طلائع الدولة السعدية. 

11) أحمد المنصور الذهبي
1578 م ـ 1603 م ـ 986 هـ ـ 1012 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الحادي عشر هو الخميس الموافق 8 أكتوبر 1952.
تولى أبو العباس أحمد المنصور الخلافة في ساحة الحرب بموقعه وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة. حيث كان مصرع دون سباستيان ملك البرتغال. وكانت وفاة السلطان مولاي عبد الملك ملف المغرب، ومقتل الأمير أحمد الملقب بالمسلوخ الذي كان يعضد البرتغال ضد السلطة الشرعية.
وقد جني أحمد المنصور صمرات من ذلك النصر العظيم. حيث شاهدنا أن مركز المغرب يتعزز على الصعيد الدولي. وأمكن أن نشاهد العاصمة مراكش تستقبل في قصر البديع عددا من السفارات الأجنبية من مختلف جهات الدنيا... وكتبت مئات التقارير بشتى اللغات عن المملكة المغربية ووجدنا الأرشيفات الوطنية في العواصم الأروبية تزخر بالوثائق الهامة التي تتعلق بالمغرب الذي كان على هذا العهد يمون دول أروبا بالسكر! !
وبالرغم من أنه كان صديقا للعثمانيين إلا أنه كان حريصا أشد الحرص عليى استقلال بلاده غير راض إطلاقا للهيمة التركية. ومن ثمة وجدناه يحتد غضبا إزاء إمبراطورية سنغاي (إفريقيا الغربية) التي بلغه عنها أنها ربطت لها صلات في مصر. مع صنائع الدولة العثمانية الذين «فوضوا» لستغاي النظر في تلك الأقاليم! !
وقد أحمذ أحمد المنصور بعد هذا يخطط لمداهمة الممتلكات الإسبانية في أمريكا اللاتينية والهند بقصد إضعافها تمهيدا لتحرير الثغور المغربية في الشمال.            

12) اسماعيل بن المولى الشريف
1671 م ـ 1727 م ـ 1082 هـ 1139 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الثاني عشر هو السبت الموافق 15 أكتوبر 1689.
بويع السلطان في أعقاب استشهاد أخيه السلطان مولاي الرشيد أثناء جولة بالفرس في حدائق قصر البديع بمراكش...
كان على السلطان مولاي إسماعيل أن يطمئن على الأحوال الداخلية في البلاد حتى يتفرغ لمواجهة الذين يحتلون بعض الثغور المغربية. كانت الخريطة السياسية ببمغرب ممزقة فلقد صادف ظهور الدولة العلوية الشريفة بقايا السعديين وإمارة الدلائيين في الغرب. وإمارة مراكش وإمارة إيليغ في الجنوب. وإمارة الهبط . وإمارة الريف في الشمال.  ومنطقة للنفوذ التركي شرق المغرب  ! هذا علاوة على  الوجود الإسباني والبرتغالي والإنجليزي في بعض المواقع ...
ولكن البلاد ما لبثت أن توحدت. حيث وجدنا العلويين يعملون بشتى الوسائل المحتلة.
وهكذا أجلى السلطان مولاي إسماعيل الإسبان عن المعمورة (المهدية) ثم الإنجليز عن مدينة طنجة. وكانت أحمل هدية قدمها مولاي إسماعيل إلى شعبه في مطلع القرن الثاني عشر الهجري (1690) هي تحرير مدينة العرائش التي ظل المغاربة ـ حدادا عليها ـ يلبسون النعال السود منذ أن تسلمها الإسبان قبل اثنين وثمانين سنة وتبع هذا تحرير مدينة أصيلا. بعد قرنين وربع من الاحتلال البرتغالي. ديوان ضخم من الشعراء أشاد بالحادث واتجه إسماعيل لمحاصرة سنتة. 
رفعـت منـازل سبتـة أقــوالها * تشكـو إليكـم بالــذي  نالهـا!
كان السلطان مولاي اسماعيل يمتاز باعتزازه الفائق ببلاده وبدينه... تجلى ذلك في الآلاف من الوثائق التي تزخر بها المكتبات الوطنية في البلاد الأروبية، وفي العشرات من الكتب التي ظهرت منذ ذلك الوقت. سواء باللغة الفرنسية أو اللغة الإنجليزية أو الإسبانية...        
لقد كان هناك شبه قوي بين السلطان مولاي إسماعيل بن مولاي الشريف والسلطان أحمد المنصور الذهبي... سواء في بقائه على صلة تامة بالجنوب المغربي أو في تشييد المعالم التي أصبحت تفوق ما بناه المنصور في مراكش !

13) محمد بن عبد الله
1757 م ـ 1790 م ـ 1171 هـ ـ 1204 هـ
كان اليوم الأول من القرن الثالث عشر هو الثلاثاء الموافق 24 أكتوبر 1786.
تقلد السلطان سيدي محمد بن عبد الله زمام الأمر في حياة والده وبتكليف منه وقد جددت بيعته فور وفاة الوالد.
وقد حلق هذا ال الملك العظيم في حقل السياسة الدولية ووجدناه يتفوق على عدد من القادة العالميين في تفكيره وتقديره للأمور بشهادة الذين اهتموا بحياة السلطان سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث).
وكما كانت الخطة التي اتبعها جده السلطان مولاي إسماعيل، وجدنا سيدي محمد يقوم بنشاط مزدوج. فهو من جهة على بصيرة بما يدور في العالم الخارجي ... الأمر الذي تنطق به كذلك سائر الأرشيفات الوطنية الموجودة سواء في استانبول والعالم الإسلامي أو القارة الأروبية والولايات المتحدة الأمريكية كذلك.
وهو بالإضافة إلى إنشائه لمدينة الصويرة على المحيط الأطلسي جنوب المغرب وجدناه يتجه إلى تكميل ما ابتدأ جده السلطان مولاي إسماعيل حيث وجدناه يهتم بتعزيز الثغور المغربية وشحنها بآلات الجهاد. كما وجدناه يقوم بعملية إجلاء البرتغال عن مدينة الجدية. وبذلك صفى آخر معقل للبرتغال بديار المغرب، وقد قام إلى جانب هذا بحصار مدينة مليلية التي كانت على وشك التحرر لولا عملية غدر خذلته من جانب داي الجزائر !
وقد كان من أبرز ما اهتم به سيدي محمد إحياء الأسطول المغربي حيث كان يتوق إلى إنشاد دار الصناعة على نحو ما كان عليه الأمر على عهد الموحدين وجدناه يتخذ من سلا والعرائش مركزين لصنع السفن والمراكب التي بلغت في عهده المائتين على حد تعبير المؤرخين المغاربة وعلى ما تؤكده التقارير الدبلوماسية وقد كان من تلك السفن «المعونة» بلغ عدد بحريتها 330 بحار مدافعا أربعة وخمسين مدافعا. وقد استنفر سيدي محمد في مطلع القرن ألف شاب لتدريبهم على خدمة البحر. حيث كانوا يقيمون في طنجة ...
ومن جهة أخرى فإنه ليس من قبيل الصدفة أن نجده في مطلع القرن يتخذ قراراه بتخصيص بعثة طلابية يناهز عددها 140 ناشئا من أجل تعلم الصنائع الوطنية التي تمثل تراثنا الحضاري حتى لا يتعرض للضياع.

14) الحسن بن محمد بن عبد الله
1873 م ـ 1894 م ـ 1290 هـ ـ 1311 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الرابع عشر هو الجمعة الموافق ثاني نونبر 1883.
دن مولاي الحسن يمارس الأعمال في حياة والده الذي كان يستخلفه في كثير من المهام. وهكذا أجمع الناس على مبايعته بعد أن التحق والده بالرفيق الأعلى ...
لقد استقبل مولاي الحسن (الحسن الأول) أياما كانت في منتهى الدقة. فالاستعمار الأروبي يأخذ بمخنق المغرب من جهة الشرق ومن جهة الجنوب والشمال كذلك ... والمؤامرات الداخلية ما تنفك تتفاقم بدعم من القوى الخارجية ولكنه مع ذلك عرف كيف يستفيد من اختلاف الدول الأجنبية لصالح احتفاظ المغرب باستقلاله أكثر ما يمكن مـن الوقت. ولم يتردد في بـث سفرائه عبـر العواصم الأروبية قصد إبلاغها صوت المغرب وإقناعها بمطالبـه العادلة. وقد نجح في إقناع المجموعة الدوليـة بالمشاركة في مؤتمر مدريد عام 1880.
وفي مقابلة هذا ظل البلاط الملكي يستقبل السفارات الأجنبية وظل العاهل يحاور سائر الأطراف وهو في كل ذلك حذر يقظ لما يجري حواليه ! !
ولا بد أن نذكر هنا بالمواقف الحازمة التي تميز بها العاهل إزاء الحفاظ على الحدود المغربية وبصفة خاصة في المنطقة الجنوبية التي كانت تغري بعض الدول الأروبية بالنزول فيها حرصا على ازدر تجارتها وتثبيت قدمها !
وأن ما حررته الدبلوماسية المغربية من مكاتبات وخطابات في سبيل تحرير ثغورها ليعتبر حقا من عيون الوثائق الوطنية التي تشهد بالغيرة المغربية الصادقة.
وعندما بعثت اسبانيا في دجنبر عام 1885 بمنشورها إلى الدول الأجنبية معلنة بسط حمايتها على بعض أطراف الشاطئ الأطلسي والصحراء رفض السلطان مولاي الحسن هذا الوضع ... مؤكدا حدود الإيالة المغربية «وأما وادي الذهب فإنه بناحية أولاد دليم وقبيلته تسمى العروسيين الذين هم بخدمتنا الشريفة نازلين بنواحي مراكش وفاس، وتسمى عندهم بالداخلة.
وإن ما أطراف ما تميز به مطلع القرن الهجري الرابع عشر هو إصدار السلطان مولاي الحسن لرسالة نشرت على أوسع نطاق بين الرعية ... وقد كان من أسباب تعميم الرسالة الرد على التدخل في الشؤون الداخلية المغربية من طرف حركة ظهرت في السودان ! الأمر الذي قد يفسره أيضا تأكيد العاهل على حدود المغرب تمتد إلى السودان ذاته ... !
وقد أصبحت الرسالة الحسنية بظهائر بتاريخ 1801 تطلب إلى عمال المملكة تعميم الانتفاع بالرسالة في كل الجهات.

15) الحسن بن محمد بن يوسف
1961 م ـ 1380 هـ
كان اليوم الأول للقرن الخامس عشر هو الحد الموافق 9 نونبر 1980
لقد رأى فيه جلالة الملك محمد الخامس مخاييل العبقرية فرشحه منذ نعومة أظافره لولاية العهد الأمر الذي استقبله الجمهور المغربي بكامل الرضى بالرغم من الموقف المعادي الذي اتخذته السلطات الاستعمارية,كان لوالده نعم الصاحب في شتى الظروف وخاصة منها ظروف المنفى. وبعد عودة الأسرة المالكية إلى أرض الوطن وتحقيق الاستقلال عين بتاريخ تاسع يوليه 1957 وليا للعهد بصفة رسمية... وبعد استشهاد الوالد يوم 26 يبراير 1961 في أعقاب عملية جراحية. جددت للأمير الحسن البيعة ملكا على البلاد ...
وهناك ظاهرة تميزت بها تربية الأمير، ربما خفيت على البعض. ولكن الملاحظين يولونها أهمية بارزة تلك أن جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله «اختار أن يتلقى ولي العهد ما يجب أن يتلقاه من حقول المعرفة داخل البلاد. حتى يمكن جلالة الوالد أن يتتبع عن كثب مراحل تلقي ابنه لمختلف العلوم واللغات. وحتى يظل سمو ولي العهد على صلة كاملة بالواقع المغربي».
لا أجرؤ على القول إنني أستطيع في هذه السطور القليلة تقديم هذا الملك الذي دوى صيته عبر القارات والذي أصبحت كلماته مثلا تضرب في المرويات، وأصبحت توجيهاته حكما تروى بين الناس ...
حاولت أن أبرز من جوانبه لكنها جميعها كانت متوازنة، إنه ينتمي إلى خمسة أحياز كانت هي أصول مآثره وآثاره، حيز القارة الإفريقية. حيز العالم الإسلامي. حيز العالم العربي. حيز الفكر الغربي وحيز الوطنية المغربية. رأيناه يسهم بخط وافر في إنشاء إفريقيا الحرة... ورأيناه يتزعم العالم الإسلامي والعربي ويتحدث بلسانها إلى العالم المسحي ورأيناه يصل بين قارة وأخرى. سمعنا عن مغرب المؤسسات والمنشآت عن مغرب السدود وأصبحنا نقرأ في الموسوعات العالمية الحديث عن المسيرة الخضراء على أنها من المعالم التاريخية على الصعيد الدولي.
ونحن نعيش اليوم مع مغرب يتجدد باستمرار في سائر مرافق حياته وما يزال الناس يتتبعون ثنايا الخطاب التاريخي الذي وجهه إلى العالم الإسلامي بمناسبة القرن الهجري حيث أحيا أسلافه ...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here