islamaumaroc

الحسن الثاني مفخرة الدولة العلوية.

  دعوة الحق

227 العدد

لقد سجل التاريخ المغربي الشيء الكثير عن الأسرة العلوية المجيدة من المكارم والأمجاد منذ حلوا بهذه البلاد المغربية السعيدة... فكانت هجرتهم من الحجاز إلى المغرب هجرة خير وبركة على البلاد وأهلها... وسجل في حقهم التسابق إلى المعالي وتسنم ذروة المجد والإسراع إلى الإغاثة والنجدة... وتحرير الثغور من الاحتلال الأجنبي، والسهر على وحدة البلاد وتقوية جيشها وعدتها...
ومرت الأعوام والسنون وذكرى الملوك والسلاطين الفاتحين الذين مثلوا أدوار الشجاعة والعظمة والعبقرية بجباه عالية على مسرح الخلود أبدا مائلة أمام الأجيال تناقلها علن السلف محفوفة بالإحلال والأعظام.. ولولا الإقرار والاعتراف بالعبقرية لما أقيمت الذكريات والمهرجانات. وخفقت الأعلام والرايات ونصبت أقواس وعقدت حفلات التكريم أو التأبين، وهتف بحياة قائد أو زعيم خالد... ووضعت الأكاليل وباقات من الزهور على المدافين والأضرحة...
فالخدمات الجليلة والأعمال المجيدة التي قام بها ملوك الدولة العلوية عبر السنين والأحقاب لها نشرها الطيب وذكرها الخالد وأُرها المحمود وجزاؤها الحسن في الدارين، ولله در القائل.
من يصنع العرف لا يعدم جـوازيه  لا يذهب العرف بين الله والنــاس نعم، وإن التاريخ الذي يسجل حياة الأمم وأعمال رجالاتها لفخور بما يضمنه إليه من صفحات لامعة ووقفات مشرفة لمليكنا الذي تعتز به العروبـة وينتظم به الإسلام جلالة الملك الحسن الثاني فالذكرى الثانية والعشرين لتربع جلالته على عرش أجداده المنعمين لتذكرنا في فخـر واعتزاز بالكفـاح البطولي الذي خاضه ضد القوى المعادية للبشرية والحريـة والوحدة، فهو مـن ذوي الإيمان الراسخ الذين يدركون إدراكا واعيا حقيقة الخطر القائم على الإنسان ويلعبـون دورهم البطولي دون خوف أو تردد غير عابئين بما يلحقهم من مكروه أو أذى !!
أجل ... ففي حياة الحسن الثاني وأخلاقه العالية وخصاله الشريفة وغيرته الإسلامية وحرصه الأكيد على توحيد القطر المغربي واسترجاع الأجزاء المغتصبة كالساقية الحمراء ووادي الذهب... والبقية تأتي... والبقية تأتي لدليل ساطع وبرهان قاطع على نبوغه وعبقريته ولا عجب، فقد ورث الحسن الثاني عن أجداده العبقرية والبطولة والشهامة حيث نجد عهده الزاهر مليئا بالأعمال الجليلة والمنجزات العظيمة والمبادرة الأصيلة... وإذا أخذنا صفحات هذا العرش العلوي المجيد لتجلو ميزاته الإنسانية، وتتفهم إلى أي مدى اتسعت أعماله الإصلاحية وامتدت أطر مجاهيده الكبرى إلى أفاق إنسانية عليا، فإننا نجـد البطولة في أروع صورها تجلوها كل حركة قادها ملوك العرش من المولى علي الشريف إلى الحسـن بن محمد بن يوسف بـن الحسـن ـ فترك المجـد الإنساني الباذخ والسمو الروحي الأمثل الذي يتعالى في مقاصـده عن المدارك والهـواء الضيقة هـو الذي يؤلف سلسلة ذهبية لهذا العرش !
لقد عمل صاحب الذكرى على تشجيع العلم والأدب وإتاحة الفرصة لذوي المواهب لانطلاق قرائحهم حرة كريمة... فأنشأ دار الحديث الحسنية التي كونت العشرات من العلماء... وأسس حفظه الله المجالس العلمية التي تؤدي دورها على الوجه المرغوب... وشجع التعليم الأصيل ووسـع من اختصاصه وأطره وفعالياته حتى أداه الدور الخطير الموكول إليه... ولا غرابـة في ذلك، فإن اهتمام ملـوك الدولة العلوية بالحركة العلمية شيمة من شيم عصورهم الذهبية الزاهرة... لقـد كانوا يعفون العلماء من الأداءات المفروضة تكريما لهـم وتشجيعـا، وكانت المنح تنهال على المؤلفين مثل الجوائز التـي توزع اليـوم في مختلف الأقطـار الأوربية على العلماء والباحثين والكتاب، كما كانت الخزائن تقام في كل مدينـة... وكان السلطان سيدي محمـد بن عبد الله مـن أشهر مؤلفي عصره وكذلك المـولى عبد الرحمن كان يحرص على تعميـم التعليم الابتدائي في الحـواضر والبـوادي واستخدم للوصول إلى هـذه الغاية جميـع الوسائـل التي رآها كفيلـة بتحقيق برامجه.
وكان المولى الرشيد ينفق في سبيل العلم أموالا طائلة ويمنح العلماء والأدباء صلات مالية ضخمة كما كان يعين القائمين بالوعظ والإرشاد لكي لا يبقى الجمود مستوليا على أفكار سامعيهم ولتنمو الحركة الإصلاحية التي كان يسعى قدس الله تعالى روحه في تطويرها. ولم يكن المولى إسماعيل بأقل دعوة إلى نجاح المسمى الإصلاحي من المولى الرشيد.
وكان المولى سليمان يشجع بعض المؤلفين حين كثرت التآليف في عهده وكثرت المطالعات العامرة من كتب نفسية مفيدة إبان ملكه ولقد كان هو نفسه مؤلفا كبيرا.
ولقد انفق المولى عبد الرحمن كثيرا من المال على التعليم الابتدائي والعالي وأسس مدارس قرآنية كما أسس ولده مدارس حربية تلقن طلبتها العلوم الحربية ونور أفكارهم من هذه الناحية التي تعطيها الدول اليوم أهمية كبرى وتعقد عليها آمالها في النصر والنجاح ـ وقاوم المولى عبد الرحمن كثيرا من البدع ويمنع المسكرات وينهى عن الفساد والزنا وكان يساعد الأفراد الذين يقصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الخرافات والجمود.
كما نجد المولى محمد بن عبد الله يؤسس العديد من المساجد والمؤسسات الدينية والثقافية ومدرسة حرة لتلقين ضباط الجيش المغربي القراءة والكتابة وأصول الفنون العسكرية وتخرج منها قواد مهرة أدخلوا إصلاحات كثيرة على الأساليب العسكرية واستفاد المغرب من مواهبهم إفادة كبرى ـ وكانت الدراسات تسير على مقتضى أساليب المدارس العصرية في ذلك الوقت ومن إنسانية الدولة العلوية أن كانت في عهد المولى إسماعيل كثير من الأساري يعاملهم معاملة اللطف والإحسان وأطلق المولى محمد بن عبد الله سراح كثير منهم،  وكان يقدر عددهم بالآلاف ـ وكان سيدي محمد هذا عالما سلفيا لا يعرف إلا ما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكان يضرب على أيدي كل من سولت له نفسه أن يخرج عن هذين النظامين الراسخيـن والدعامتين الأساسيتين وكذلك المولى سليمان كان يناصر التحديد ويمنع العوام من زيارة القبور وقيام المواسـم الضارة ... والمولى عبد الرحمن أيضا كان يقاوم البدع ويمنع المسكرات وينهي عن الفساد والزنا ويساعد الأفراد الذين يقصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقاومون الخرافات والجمود.
ولـم تقف الدولـة العلوية إلى حد هـذه الإصلاحات العظيمة بل تعـدتها إصلاحات أخرى منها يستمد الوطن قوته الكاملة فتأسست في عهود ملوكهم أساطيل حـربية كبرى تعينهم على أعمالهم الحربية وتساعدهم على قتال كل من اعتـدى على الأمة والبلاد ... وتكـون همزة الوصل بينها وبين الأسعار إلى الخارج ومن هـذه الأساطيل الأسطول الذي كان يشتمل على عـدة قطع والذي أسسه المولى إسماعيل الأكبر وأسست في عهد هؤلاء الملوك الأبطال مراسي كثيرة منها مرسى الصويرة ومرسى فضالة (المحمدية) وغيرهما.
ولقد كان اهتمام الملوك العلويين بالقضاء والعدلية كثيرا فلم يجعلوا هذين المنصبين الخطيرين إلا من توفرت فيه شروط الكفاءة من علم وخبرة وتقوى وكفاءة وقدرة فلهذا كان المولى إسماعيل يبحث القضاة ويفتشهم عن السلوك الذي يسلكونه ولكن من الذي يظهر لإسماعيل العظيم حقيقة الأمر، أنه الامتحان الذي نظمه حالما تربع على عرش المغرب وقد عزل كثيرا من العدول الذين لم توجد فيهم مؤهلات العدالة ـ فقانون الحكم في عهد هؤلاء الملوك الميامين كان مستمدا من كتاب الله العزيز وسنة رسوله الكريم فمنهما خططوا قانون الحكم وبهما نجحوا في عدالتهم الكبرى.
ومن الوسائل التي أعانت هؤلاء الملوك على تثبيت دعائم المملكة المغربية والسمو بمكانتها أن نظمت عدة سفارات في الخارج بقصد التبادل التجاري والاتصال الوثيق مع الدول الأجنبية والاحتفاظ بالعلاقات الطيبة معها.
وإن المولى إسماعيل فخر الدولة العلوية قاوم الاستعمار البرتغالي والإنجليزي مقاومة سجلت اسمه في صفوف الأبطال وحرر الشواطئ المغربية من استعباد طال أمده وعظم حظره،  وامتد أثره ثم سار بجيوشه الجرارة إلى مجاهـل السـودان مبشـرا بمبادئ الحق والعدل والإخاء وخـاطب وده ملوك أروبا ورغبوا في محاولة دولته كما كان بالمرصاد للإقتطاعييـن الذين كانـوا يستغلون سلطتهم لإرهاق الشعب المغربي، وإثقال كاهله.
فملوك الدولة العلوية من المولى إسماعيل إلى الحسن الثاني كانوا رقباء لكل بادرة من البوادر عاملين على أن يجنبوا هذا المغرب حوادث الدهر وعاديات الزمن ... لقد كانت حرية المغرب وتحصينه وحفظه من عبث العابثين هـدف أولئك الملوك العظام وأن هـذا الموقف الصارم هو الذي أكسب المغرب هبة وحلالا في عين غيره من الدول فكانت تلك المحاولات والسفارات في عين غيره من الدول تاريخا دبلوماسيا يشهد للمغاربة بموهبة سياسية وبنفوذ معتبر!
وفيما يتعلق بالجزء الجنوبي من البلاد المعروف بالصحراء المغربية فيذكر المؤرخون المغاربة والأجانب ومن بينهم «دولا تسابيل» أن سياسة الملوك العلويين كانت نشيطة ... فقد توالت الغزوات لصد المهرجين وتوجهت الجيوش المغربية إلى واد نون عام 1665 م وإلى أدرار عام 1678م وإلى تاكانت عام 1730 م (عن طريق ماسة وواد نون والساقية الحمراء، وتبشيت عام 1789م) ووضع المغرب فيالق من جيشه رهن إشـارة أمير الترارزة عام 1672 م وحصل هذا الأمير على تولية السلطان إياه ـ ومنذ عهد السعديين وتعيين شيوخ الطوارق مندرج في اختصاصات باشوات المغرب في تمبكتو، وقد تجددت هذه التوليات في عهد سيدي محمد بن عبد الله وفي عهد مولاي الحسن الأول كما عرفت الصحراء في القرن التاسع عشر الصوفي الكبير سيدي محمد الفاضل تلميذ سيدي المختار الكنتي الذي خلفه ماء العينين في شنقيط والساقية الحمراء وقد ورد على مولاي الحين الأول الذي بعث بواخر مشحونة بالأعتدة للوقوف على وجه التدخل الأجنبي في الصحراء وعندما وصلت الجنود الفرنسية إلى موريطانيا استحدث جميع القبائل الشنقيطية بالسلطان مولاي عبد العزيز قدس الله روحه.
نعم فكفاح الملوك العلويين من أجل وحدة التراب المغربي وخصوصا من أجـل الصحراء أكدته الوثائق والمستندات الوطنية والأجنبية فقـد وصل إلى تخوم السنغال السلطان العلوي مـولاي إسماعيل وحاصر أهل شنقيط حيث عقد الملكة خنـاتة بنت الشيخ بكار المغافري هـذا البيت المشهور بالصلاح والاستقامة ... ورجل السلطان مولاي الحسن الأول بدوره إلى تخوم شنقيط وتوغـل فيها إلى أن نزلت جيوشه بالساقية الحمراء.               
وعندما احتلت فرنسا بلاد السنغال سنة 1858 فكرت في الدخول إلى شنقيط وهيأت حملة بقيادة الجنرال «فيدرب» وقد لاقت الجيوش الاستعمارية مقاومة عنيفة من رؤساء القبائل الساكنين في القطر من عرب وموريطانيين وكبدوا العدو خسائر في النفوس لم يعرف عددها واستمرت إلى سنة 1901 حيث بعثت فرنسا الجنرال «كيوطي»  للاجتماع برؤساء الصحراء فاجتمع بأمير الترارزة إذ ذاك السيد أحمد بن سالم بن علي وذلك في أقصى الجنوب الموريطاني حيث تقع إمارته وطلب منه عقد معاهدة صداقة وتعاون ثم السماح له بالدخول إلى إمارته فرفض الأمير هذا الطلب مؤكدا للجنرال الفرنسي أنه لا يستطيع إبرام أية اتفاقية إلا  بعد الحصول على «موافقة سلطان المغرب» وعند ذاك دبر الضابط الفرنسي مكيدة لقطع نهر السنغال واحتلال الإمارة بالقوة ...ولكن جيش الأمير قاومه مدة أربع سنوات واستمرت الحرب بين أبناء الصحراء المغربية والجيش الفرنسي مـدة خمسة عشر سنة ولم تنته إلا سنة 1916.
وكان السلطان مولاي عبد العزيز قد أرسل وفدا إلى شنقيط ليتفقد الأحوال ويطلع على شأنها وينصب بعض الموظفين ويسلم لهم تعيينهم فقصدت هذه البعثة مدينة اسمارة بالساقية الحمراء واجتمعت بالشيخ ماء العينين وأدت مهمتها أحسن أداء.
وفي سنة 1911 عندما تمت المعاهدة الفرنسسية في شأن المغرب وضعت خريطة لتحديد البلاد المغربية فكانت تحد بالجزائر وأفريقيا الوسطى «السنغال والسودان وريو دي أورو» وتوحدت الصحراء المغربية داخلة في هذه الجنود.
وفي سنة 1920 عمدت فرنسا إلى إدماج الصحراء المغربية في إفريقيا الغربية بدون استشارة الدولة المغربية وملكها، مما يجعل هذا الأمر ملغى ومناقضا للقوانين الدولية.
أما اسبانيا فقد حاولت منذ قرون احتلال الشاطئ الأطلسي من المملكة المغربية وجزر كانارياس «الخالدات» القريبة منها دون جدوى، وفي منتصف القرن التاسع عشر طلب الإسبانيون بحق الصيد وفي إنشاء معمل خاص بالسمك على الشاطئ المغربي ولك يطالبوا فقط بالسيادة على تلك المنطقة ولم يتنازل المغرب لهم قط عن تلك السيادة الشئ الذي تؤكده معاهدة تطوان 1860.
وقد تابع الإسبانيون محاولاتهم لاحتلال إيفني ومـا حواليها حتى تم لهم ذلك باتفاق مع فرنسا ولكن بدون موافقة المغرب حيث أن السلطان المولى عبد الحفيظ لم يصادق على تسليم بقعة من التراب ولو من أجل إنشاء معمل للصيد.
وفي مستهل هذا القرن كان الاستعمار قد ضرب على المغرب حصارا شديدا وعمل على عزله في باقي البلاد والقضاء على مقوماته بكل الوسائل واقتسمته فرنسا واسبانيا ـ وقد استطاع الشعب المغربي بفضل كفاح طويل بقيادة مكله المنجم محمد الخامس ونجله جلالة الملك الحسن الثاني من تحرير جزء من الأراضي المغربية سنة 1956حينما أعلن استقلال المغرب في 3 مارس مع الدولة الفرنسية وفي 2 أبريل من نفس السنة مع الدولة الإسبانية.
وقد أثر المغرب وهو يوقع وثيقة الاستقلال على أن يحتفظ فيما يخـص الأجـزاء غير المحررة منه ويسجل حقه الكامل في تحريرها واستعادتها إلى حظيـرة الوطـن المحرر وواصـل الكفاح بعـد ذلك فاسترجـع طرفايـة الصحراوية المجاورة للصحـراء المغربيـة سنة 1958 بعد مفاوضات مباشرة مع اسبانيا ... وبعـد عشر سنوات من مفاوضات مضنيـة مماثلة مـع اسبانيـا استعاد المغـرب منطقـة إيفني في 1969.
وأخيرا جاء دور تحرير الصحراء المغربية الساقية الحمراء ووادي الذهب بالطرق السلمية فكانت المسيرة الخضراء المظفرة ... واهتم الرأي العام الدولي ... بالمواقف البطولية والدهاء السياسي والخبرة القانونية التي استعملها الملك الحسن الثاني لمعالجة هذه القضية سواء مع اسبانيا أو هيئة الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية ...
وأثبت حفظه الله مغربيـة الصحراء المغـربية تاريخيا وسياسيـا واجتماعيا ودينيا وقانونيا... فاعترف الجميع بمشروعية مطالب المغرب في الوحدة الترابية وتحرير الأراضي من الاحتلال الأجنبي ـ وهب أبناء الصحراء من كل فج عميق لتأكيد الولاء وتحديد الطاعة والبيعة لجلالة الملك وتحقق العالم مرة أخرى من شعبية الحسن الثاني. ومن الشعب المغربي الصحراوي الذي رفض رفضا باتا كل محاولة لتزييف واقعه وفصله عن تاريخه وأجداده ودينه.
والمعركة مستمرة من أجل عظمة المغرب رغم كيد الكائدين وهي كما يريدها الحسن الثاني عمل مستمر للتحديد ... للتلقيح ... للإنتاج ...لأنه عمل كل يـوم ... كل شهر كل سنة كل جيل ... فهي معركة إيمان في القلب وفي التفكير والإبـداع والإنتاج ... والمغاربة الذين فتحوا الأمصار وطبعوا دولا أخرى بالطابع المغربي لن يقبلوا أن تطبعها شعوب أهرى بطابعها ولن يستوردوا أنظمتها.
إن الخطة التي يسير عليها الحين الثاني تتسم بسمة الخلق والإبداع وتقوم على استبقاء المناهج والأساليب المتولدة عن الدراسة المحكمة والاستيعاب الرزويـن لتجنب مواطن الزلل والزيغ وتسلم المشاريع من مغبات الاحتلال والارتجال: فإذا كان العصر الذي نعيش فيه يتميز بتقدم العلم وطغيان المادة مثلما يتميز بظهور عدد من المذاهب والتيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فإن أرشد الحكومات في نظر الحسن الثاني هي التي عرفت تحسن الاختيار وسط الآراء والنظريات المختلفة. ونخط للشعب سياسة مستمدة من حقائقه وشخصيته ... مرتكزة على مقوماته ملبية لعبقريته واحتياجاته سواء فيما ينوبه كعضو مسؤول في الأسرة الإنسانية الكبرى أو فيما يخصه كشعب ـ أما هذه التيارات المختلفة فإنه جلالته يرى أن العب المغربي المسلم يجد نظاما اقتصاديا واجتماعيا في كتاب الله تعالى الذي يقول : «وكذلك جعلناكم أمة وسطاء فتكون تلك الأمة الوسط التي ليست بالرأسمالية ذات النظام الأهوج التي لا تترك حرية لأي ضعيف ولا بالاشتراكية التي دلت الأرقام والحوادث على نظرياتها يمكن أن تكون أخطر من تطبيقها نريد أن تكون تلك الأمة التي يمكنها أن توفق بين النظامين وذلك بأن تعطي لكل الميادين مدلولها ومفهومها ... ففرق جلالته بين المبادئ التي يجب أن تكـون في بداية الدولة. وأن تؤمم ... وبين الميادين والقطاعات التي يجب أن تبتعد منها الدولة في قبضة المبادرات الحرة.
أما ميادين التأميـم فباختصار كل ما يجعل للـدولة سلطات على القطاعات الإستراتيجية للإقلاع الاقتصادي وللاستمرار في النمو ... مثل الطاقة والصناعـة الثقيلة ... والمواصلات بجميع أنواعها ... والقروض ووسائل القروض ودور القروض ذات الصبغة الاقتصادية المنتجـة ... والخيرات الباطنية برا كانت أم بحرا ... هـذه القطاعات الاستراتيجية ذات الطاقـة مائية كانت أو كهربائية أو معدنيـة أو مالية أو نوريـة إن شاء الله تعالى.
وهناك ميادين أخرى وهي ميادين المبادرات الخاصـة ... وكل ما يمكن المواطن مـن رفع مستواه الخاص وخلق الروح والنيابة عن الدولة التي لا يمكنها أن تخوض جميـع الميادين، فترى الصناعة والصناعة الصغيرة والسياحة والفلاحة بجميع أنواعها والتجارة وخلق شركات مغربية خـارج البـلاد بجميـع القارات حتى يمكن للمغـرب أن لا «يتزوج» دائما بخلاياه وسـلالاته الخاصة ... بل أن يأتي بـدم جديد وتلقيحات جديـدة ويعرف بنفسه وبإنتاجاته ويمكنه كذلك أن يصدر للخارج مفكـرين وفنييـن ونخبة طيبة من شبابه.
لقد سار عاهلنا المفدى على نهج أبائه وأجداده وأخذ بناصية الحق واثر شعبه على نفسه في صوفية عاقلة مدركة. وما عرف عنه إلا السعي المتواصل والدأب المستمر. وما عهد فيه إلا التفكير المستمر والابتكار والتجدي والانفتاح على ما ينفع وطنه وشعبه بالدرجة الأولى حتى اجتمعت بقيادته الأمة والتفت حوله القلوب وتوج الله سبحانه وتعالى جهاده وجهوده باسترجاع الصحـراء على يده واستكمال الوحدة التي تركها ملوكنا الأماجد أمانة في أعناقنا ... كما وحـد الله تعالى على يده كلمـة العرب في مؤتمر القمة بمدينة فاس الزاهرة حيث وحدوا صفهـم وخطتهم للتصدي للاستعمار والصهيونية في هـذه الظروف الدقيقـة الحاسمة. 
وخرج العرب منه مرفوعي الرأس، أقوياء أشداء على خصومهم معترفين لملكنا بالفضل الأكبر في الحفاظ على وحدتهم وكيانهم المعنوي واختاروه رئيسا عليهم. وهنا أيضا نبع التحدي الحسني القهر الذي قصم بتوفيق من الله وعونه. ظهر أعداء المغرب مدعما بولاء من الشعب.
هذا الاعتدال المنضبط للسياسة الحسنية أكسب المغرب قوة ونفوذا ووضعا دوليا متميزا، جعل دول العالم تتعامل على قدم المساواة ومن غير ضبط أو إكراه أو إرهاب سياسيا كان أو اقتصاديا أم إديولوجيا في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الأجنبية على مجموعة العالم الثالث وتشتد المناورات الاستعمارية للنيل من استقلالها وإخضاعها للتبعية الذليلة.
هـذا الانتماء المغربي المحضر، وهـذا الارتبـاط العضـوي بعقيدة الشعب وقيمـه ومقدساتـه وتقاليـده ... وهـذا التجاوب الصـوفي بين الشعـب هـو القاعـدة العريضة الراسخـة للتحـدي الحسني.
وإن احتفالنا اليوم بالذكرى الثانية والعشرين لجلوس صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله على عرش أجداده المنعمين ليعبر في الواقع عن متانة الوحدة الوطنية وسلامة الرأي العام في ظل الانتصارات الباهرة على طريق الإشعاع الإسلامي نعم ففي هذه الفترة مـن تاريخ الأمة الإسلاميـة التي يحاول أعداء الدين صرف المسلمين عن تأدية رسالتهم نرى أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني المجدد لهذه الأمة أمر دينها بوجـه رسالة إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلـع القرن الخامس عشر الهجري يدعو فيها المسلمين إلى توحيد كلمتهم وعدم التنازع المـؤدي إلى الفشل واتباع شريعـة الإسـلام التي جـاء بها خاتم الأنبياء عليـه الصلاة والسلام حتى يستأنـف المسلمون البناء والإصلاح والتجديد في عالـم الإسلام الواسـع المديد.
وفي هذا الظرف بالذات أيضا نجد الملك المصلح يعين مجالس علميـة تضم نخبة مـن علمائنا الأمـاجد رسم لها جلالته الخطـوة العريضة التي يجدر بها أن تسير في إطارها لتأدية رسالتها الصعبة مبرزا الانطلاقة الرامية إلى خدمة الإسلام وبعثـه الدفاع عنه عـن طريق الاقتناع بالحوار المركز والحجة الدامغة والبرهان الساطع فهذا العرش قـد خاض كل المعارك فانتصر. وضحى في سبيل تحقيق السعادة والسيادة للشعب فاستجاب له القدر، وقاد حروبا ضاريـة في مختلف الواجهات فنال منتهى الفـوز والظفر والأمة المغربية الوفيـة لتتخـذ هـذه الذكرى الغالية مناسبة لإظهار ولائها وإخلاصهـا وتعلقها برمز سيادتها ومحقق وحدتها مبرزة كوامن الحب والتفاني والشعور الواثق المطمئـن الذي يربطها بالعرش العلوي برباط وثيق.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here