islamaumaroc

أخطاء في فهم القومية العربية

  دعوة الحق

27 العدد

في الآونة الأخيرة بدأنا نلحظ اهتماما من رجال القلم في المغرب بالقضية القومية العربية، في مفهومها الفلسفي، وعلى مستواها الفكري، تمشيا منهم مع هذه الحركة الصاعدة التي يعيشها شعبنا العربي في المشرق، والتي يجب على شعبنا العربي في المغرب أن يعيها عن علم ومعرفة، خاصة بعد أن أصبح أمام ضرورات كفاحية جديدة لتوحيد المغرب العربي في كيان متماسك بعيد عن التأثيرات الاستعمارية لأنه يكون الجناح الأيسر الفعال في وطن العرب الموحد.
والحقيقة أن ما كتب عن الفكرة القومية العربية في المشرق كثير وكير جدا، حتى أن فئة من مفكري أمتنا العربية وفلاسفتها قد أوقفوا إنتاجهم على هذه الناحية، بالإضافة إلى أنهم التزموها بحيث أصبح اسمهم مقرونا في الذكر بالعمل النضالي الضخم، من أجل الهداف القومية للأمة العربية، تلك الأهداف المتمثلة في إنجاز الاستقلال بمعناه الكامل للأقاليم العربية، وتوحيدها في كيان متماسك فعال، وتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية لهذا الكيان... فمن هؤلاء شيخ العروبة أبو ساطع الحصري الذي أغنى المكتبة العربية بما ألفه من كتب للتعريف بالقضية العربية وللدفاع عنها، وإذا كان بعض المتشددين يتهمونها بالسطحية، فإن الإنتاج الفلسفي الذي قدمه الفيلسوف العربي الكبير ميشيل عفلق ما خرج عن كونه تعمقا في التحليل، وتوسعا في العرض، ونفاذا إلى صلب المشكلة التي عرضها بشكل مبسط ساطع الحصري. يضاف إليهما الكاتب البليغ عبد الله عبد الدايم الذي التزم بالإضافة إلى المبدأ الأسلوب والمنهاج فاختط في مناقشاته وكتاباته الطريقة الرياضية، العقلية المقنعة، ولو أردنا الإطالة لا مللنا بسرد أسماء أفراد هذه الجماعة، التي تعمل جاهدة لتحقيق ما نطمح إليه من وحدة في النضال تؤدي حتما إلى نضال للوحدة، إلا أنه لابد لي من ذكر سليمان العيسي (شاعر البعث العربي) لأنه ما قال بيتا في قصيدة إلا وبروح عربية، أما لاستنهاض الهمم، أو للتغني بالمجاد أو لذكر الواقع المرير الذي نعيشه، واقع الخذلان والتفرقة، وله دواوين عديدة تفور بوجدانه العربي الثوري الحي، وغير هؤلاء كثير...
والمتتبع لهذا الإنتاج يجد أنه بالرغم من اختلاف الأساليب بين مفكري المشرق في طرح معضلات العرب وشرحها ووضع الحلول لها. فهم يتفقون حول معطيات واحدة سواء في التفكير، أو في لتعبير، وهذه المعطيات هي بمثابة أبجدية الفهم القومي الصحيح للحركة العربية، إذ بدونها تبقى أية محاولات من هذا القبيل مشوهة، مدللة على أن صاحبها لم يحط بعد بالموضوع دراسة، ولا بالفكرة دراية.
والمؤسف أن بعض كتابنا في المغرب لا يزالون يقعون في أخطاء، من المستحسن العمل على تلافيها مستقبلا، وخاصة أثناء المحاولات الدراسية لمظاهر الوثبة العربية، لأن اللغة المريضة لا تعبر إلا عن تفكير مريض... ولنضرب لذلك بعض الأمثلة :
1- الدعوة الفكرية والسياسية التي تعمل لمفهوم الشعارات العربية القومية من حرية، ووحدة، وحياة كريمة، تضع بالدرجة الأولى وحدة الأمة العربية كواقع تاريخي حي لا يستطيع الواقع الفاسد الذي تحياه هذه الأمة اليوم أن يطغى عليه، ومن هذا فالتعبير يجب أن يلائم هذا الواقع محترما الكفاح الشعبي من أجل ذلك وإلا خرج عن كونه تعبيرا قوميا سليما...
وما دامت الجماهير التي تعيش بين الأطلس، وخليج العرب، تكون أمة واحدة، هي الأمة العربية، فلا يجوز أن نطلق كلمة أمة على فئة من هذه الأمة كأن نقول : الأمة المغربية، أو الأمة العراقية، أو الأمة التونسية، هذا من وجهة النظر القومية خطأ وأي خطأ، إذ كيف يعقل بعد أن نقر بأن العرب أمة واحدة، أن نعود لنناقض أنفسنا ونقول بوجود، (أمم) عربية...
ثم إننا إذا رجعنا إلى تعريف الأمة فإننا نجد أن هذه الكلمة تعني في المفاهيم الفقهية، والدستورية، والقومية، وغيرها، مجموعة من الأفراد يوحد بينهم الوطن الواحد واللغة الواحدة، والمصير الواحد، والتاريخ المشترك، فإذا طبقنا هذه المقاييس على الناس الذين عاشوا أو يعيشون تاريخ وآلام الوطن العربي وتكلموا أو يتكلمون لغة الضاد فإننا نجدها تنطبق عليهم جميعا وتضيق عن أن تشمل غيرهم من الناس أي ممن ليسوا عربا...
2- ومن التسليم بوحدة الأمة العربية تاريخيا، وحقيقة، تنشأ وحدة الوطن العربي، الذي هو المسكن الطبيعي لهذه المجموعة من البشر، والمكيف لتفكيرها وفلسفتها، والمحدد لمقدار نمائها الفكري، وعطائها الإنساني، بل إنه كما ذكرت يدخل في العناصر الأساسية لوحدة الأمة، فلا يصح إذن أن نطلق على هذه التي تحد بجبال طوروس وجبال شتكوين والخليج العربي، والبحر العربي وجبال الحبشة، والصحراء الكبرى، والمحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، غلا كلمتي (الوطن العربي) ومن الخطأ قوميا القول بوجود(أوطان) عربية، لأننا نخدش بذلك وحدة الأمة العربية، وقدسية إيماننا بهذه الوحدة إلا أنه ما دام وضع الفرقة والتجزئة قائما بين أجزاء وطن العرب، وإلى أن ينتج النضال من أجل الوحدة يبقى تعبيرنا بكلمة قطر أو الجزء المغربي أو العراقي أو اللبناني... إلخ من الوطن العربي هو التعبير الجامع بين إيماننا بوحدة الوطن وبين العرف السائد حاليا.
هذا ما يحضرني من الأخطاء القومية التعبيرية الشائعة في الكتابات الصادرة عن المغرب، أما أخطاء الفهم التي يقع بعض كتابنا فيها فهي : في الخلط بين طبيعة القومية العربية والقوميات الأوربية التي سبقتها، وعدم الاعتراف بأن لقوميتنا تجربة جديدة مخالفة تمام المخالفة، لتجربة القوميات الأوربية، وسأحاول أن أوضح وجهة النظر العربية القومية في هذه النقطة بالذات.
فالذين يخلطون بين ما يدرسونه عن تاريخ القوميات الأوربية وبين ما تريده قوميتنا العربية لنفسها، وخاصة في المسألة الدينية، يجب أن يتذكروا بأن الحركة القومية في أوروبا ما قامت للقضاء على الاستعمار، والرجعية، والإقطاع، ومن اجل تحقيق الاتحادات القومية فقط، بل وفي كثير من الأحيان قامت، لتحطيم العبودية الكنسية وتخليص الشعوب من استغلال الكهان... وهذا بخلاف الحركة القومية في الوطن العربي، فإنها ترتبط ارتباطا روحيا بالدين الإسلامي، باعتبار أنها تستمد خاصيتها المميزة من الروح، وتدعو في إلحاح على وضع الحلول الناجعة للأزمة الروحية التي يعاينها الشعب العربي، بل إنها هي وحدها الحركة الجدية الفعالة التي تستطيع في وقت واحد، أن تبعد الخرافيين من صفوف الشعب، وتواجه في قوة الأفكار الداخلية التي تستهدف مسخ الإرادة العربية، وإلحاقها بالمعسكر المادي الشيوعي، حيث تخبو كل إشعاعة روحية نيرة لتبقي على الإنسان العربي توازنه الطبيعي الذي دعا إليه الرسول (ص) في حديثه : (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) يضاف على ذلك من الأسباب أن الوطن العربي كان مهبطا للديانات السماوية الثلاث، وأن الدين الإسلامي وهو آخرها، كان عربيا في كتابه، وفي نبيه، بل وحتى في نظرته إلى كثير من مظاهر الكون والوجود... ولسنا وحدنا نحن العرب المسلمون نقول بهذا أو ندعو له تعصبا أو مكابرة، بل إن المنصفين المخلصين من رجالات العرب المسيحيين أنفسهم قد عرفوا هذا الارتباط القدري بين العروبة والإسلام، فأكبروه، ودعوا مواطنيهم إلى الاعتراف به، لأن الإيمان بالعروبة، وشرف الانتساب إليها، يفرض عليهم ذلك، من ذلك هذه الصيحة للفيلسوف ميشيل عفلق : «قوميتنا كائن حي متشابك الأعضاء وكل تشريح لجسمها، وفصل بين أعضائها يهددها بالقتل، فعلاقة الإسلام بالعروبة ليست إذا كعلاقة أي دين بأية قومية، وسوف يعرف المسيحيون العرب؟، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقتظها التامة، ويسترجعون طبعهم الأصيل، إن الإسلام لهم ثقافة قومية، يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم، وإذا كان الواقع لا يزال بعيدا عن هذه الأمنية، فإن على الجيل الجديد من المسيحيين العرب مهمة تحقيقها بجرأة وتجرد مضحين في سبيل ذلك بالكبرياء والمنافع، إذ لا شيء يعدل العروبة وشرف الانتساب إليها».
ويطول الحديث في إقناع الذين يخافون على الحركة القومية  أن تتردى فيما آلت إليه القوميات الأوربية أو انطلقت منه من عصبية ضيقة، واستعلاء أممي، إلا أن ما أوردته كافيا إقناع ذوي النيات الحسنة.
وعند هذا الحد أجد نفسي أمام الكثير من المتناقضات الفكرية لدى فئة ممن يكتبون في المغرب يطول المقام بسردها وتفنيدها، باعتبار القومية العربية حركة مرحلية تؤدي إلى ما بعدها، وهي الوحدة الكونية، أو الوحدة الإفريقية – الأسيوية، أو غير ذلك من الوحدات الجغرافية أو الدينية، واعتبار الكفاح العربي عمل عاطفي أورد فعل سلبي، إلى غير ذلك من الإدعاءات، كل ذلك يحتاج إلى كلام طويل يمكن أن نفرد له مقالات أخرى...
وإن أنس لا أنس ما يجب التذكير به من أمور، والشعب العربي في المغرب يستعد في عزم أكيد لبناء كيان المغرب العربي الموحد... إلا أن لي عودة إلى ذلك في القابل –إن شاء الله-.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here