islamaumaroc

أضواء على ملامح العرش المغربي، محمد الخامس الحسن الثاني

  دعوة الحق

227 العدد

لكل أمة خصائصها ولكل شعب معالمه التي يعـرف بها وشعب المغرب يتوفـر على الكثير من الخصائص والعديد من المعالم التي يمتاز بها بشهادة التاريخ النزيه الذي يتطـرق إليه الشك والتزوير، وفي طليعة مفاخر أمتنا اختيارها النظـام الملكي لقيادتها والإشراف على شؤونها. وحمايـة ثغـور البلاد والذود عن الحمى. إيمانا منها بانسجامه التـام مـع تطلعاتها إلى الحياة المثلى التي ينشدها المجتمع الواعي في ظل الاطمئنان والاستقرار.
واختيار أمتنا لهذا النوع من الحكم جنبها الكثير من الهزات. وضمن لها البقاء بعيدة عن أطماع المغامرين الذين يغتنمون بعض الفرص للسيطرة على البلاد والتحكم في رقاب العباد. ولا ندعي أن وطننا عاش حياته كلها بعيدا عن الأطماع والدسائس وأن ثغورنا ظلت في منجاة من السطـو والاختلاس. وأن شعبنا لم يتعرض للغارات والافتراس فقـد أصابته النكبـات. وعايش النكبات شأنه في ذلك شأن العديد من المجتمعات. إلا أنه استطاع بفضل قيادته الرشيدة التغلب عليها والخروج منها ظافرا منتصرا ليواصل المسيرة من جديد...
وما كان في استطاعته أن يتغلب على الصعاب ويقهر الأعداء. ويرى جماجم المغامرين. لولا تلك القيادة الحكيمة التي عرفت كيف تخطط سبل نجاته. وكيف تواجه الأحداث بالحكمة جنبا. وبالصرامة إن كان هناك ما يستوجب قهرها بالقوة الضاربة. وأصدق برهان على ذلك معركة وادي المخازن الشهيرة التي لقنا فيها المغيرين درسا في البطولة والفداء لحماية العرين.

العرش المغربي:
وتبعا لسنـة التطور تشاء الأقدار الإلهية أن تتعاقب على عرشنا عـدة عائلات تختلف في الأشخاص وتتباين في الأسماء. ولكنهـا تتحد في الأهـداف والغابات وجميعها مـن أمـة واحـدة هي صميـم السلالة المغربية التي امتزج دمها بالدماء العـربية الطاهرة ولذلك نراها كلها لم تدخـر وسعا في الحفاظ الكيان الوطني. ولـم تتساهـل في الدفاع عـن وحدة ترابه. وحمايـة ثغـوره وتطهير شـواطئه، والذود عن عقيدته.
وإن واكبنا مراحل تاريخ عرشنا الخالد نجد أمامنا صحائف بيضاء لا تخلو في بعض الفترات. من نقط سوداء. وضعتها أنامل الخصوم والأعداء سرعان ما يقتلعها ملوكنا  رحمهم الله بتدبيرهم المحكم. وإخلاصهم التام. وحرصا منهم على أن يظل سجل هذا الوطن محتفظا بصفاته ونقائه.
والسير في هذا التوفيق الإلهي يعود أولا وأخيرا إلى إخلاص عائلاتنا الملكية. واقتناع الشعب بصلاحية هذا النوع من النظام فقد كان من المستحيل على بلد يتوفر على طاقات بشرية هائلة ومـوارد طبيعية ممتازة. ومراكز استراتيجية حساسة أن يظل بعيدا عن الأطمـاع ولا يتعـرض لدسائس المتطلعين إلى استغلال الشعوب واستبعادها فقد أصابـه في بعض فترات الضعف ما أصـاب غيره من النكسات،  ولكن عرشنا ولله الحمد كان بالمرصاد لكل المؤامرات ولم يدخر وسعـا في الحفاظ على الوحدة المغربية الكاملة ولم يحجم في يوم من الأيام عن خوض ملحمة فرضتها الظروف العابرة. أو اقتحام معركة نسجت خيوطها الأيادي الأثيمة.
وتذهب أبعد من هذا لنعيد إلى الذاكرة أن عرشنا كان ـ في العديد من الظروف ـ الدرع الواعية لغيره من الشعوب المعرضـة للأخطار والدول المغلوبـة على أمـرها. ويكفينا في هذا المجال أن الأندلس لم تحافظ على إسلامها فترة طـويلة من الزمن إلا بفضل تدخـل ملوكنا ومواقفهم البطولية في الدفاع عنها ضد غارات الأعداء.
فهذه الملاحم البطولية التي يحتفظ بها التاريخ النـزيه في سجلاته. مـا هي إلا صحائف ذهبية كتبها ملوكنا لتظل هالة إكبار وإعجـاب بهذا الوطن الذي أنجب أولئك الأبطال رضـوان الله عليهم وتؤكد بعد ذلك أن النظام الملكي اختاره الشعب المغربي ووضع فيه ثقته الكاملة نظـام صالح ويستحق التكريم والتبجيل.
ويأتي دور العائلة العلوية الشريفة ليتربع ملوكها عرش المغرب، فتواصل نفس المسيرة وتواكب الأحداث الجسام التي تضخمت بتطلع الغرب إلى التدخل في شؤون غيره تمهيدا للسيطرة المطلقة. وتوطئة لبسط نفوذه السياسي واحتلاله العسكري للقارة الإفريقية برمتها.
وأمام هذه الموجة الاستعمارية العاتية كان على عرشنا أن يجابه هذه التحديات بالحكمة تارة وبالصرامة إذا ما دعت الضرورة. ولولا الحكمة والصرامة في وقتهما المناسب لما تأخر بسط الحماية الأجنبية على المغرب بعدما سقطت القلاع الإفريقية الواحدة تلو الأخرى فحصافة رأي ملوكنا العلويين وتدبيرهم المحكم وسياستهم المثالية ويقظتهم المتناهية وشجاعتهم النادرة حالت دون سقوط المغرب عام 1912 م  بعشرات السنين.
والضريف في هذا الباب أن عرشنا رغم فرض الحماية الأجنبية على المغرب في ظروف حرجة. استطاع بلباقته ودهائه أن يحدد هذه السيطرة الدخيلة في شكل حماية تنص صراحة على المحافظة على عرشه العلوي وصيانة كيانه الدولي وترابه الوطني. وهو مكسب لم يتبرع به الاستعمار علينا. وإنما نتيجة دهاء مغربي وغفلة استعمارية بدليل أن المستعمرين تنكـروا فيما بعد لصك الحماية نفسه، وتطاولوا ما وسعهم التطاول على هـذه الحقوق الأساسية فحاولوا بكل الوسائل محـو شخصيتنا الدولية والانقضاض من وحدتنا الترابية.

محمد الخامس:
ويعتلي جلالة محمد الخامس عرش أجداده الكرام، فيتفرس في الأوضاع على مختلف مستوياتها في هدوء وسكينة وروية ظنها الأغيار غفلة واستلاما، وما كانت في حقيقتها وواقعها ـ كما تؤكد المواقف المستقبلية ـ إلا الهدوء الذي يسبق عادة هدير العاصمة المدمرة.
فلقد كان محمد الخامس من الأفذاذ الذين قدروا الوضع الحرج كل التقدير، وحسبوا أبعاد المعركة المصيرية حساباتها الدقيقة فخططوا لمواجهتها التخطيط الكامل وحددوا التوقيت اللازم، وأعدوا ما يكفل لها النجاح الباهر. وبحكمته وهدوء أعصابه ولباقته السياسية ودبلوماسيته المرنة. حاول إفهام المستعمرين ضرورة ترضية مطامع شعبه الذي شب على الطوق وتمكينه من المشاركة العلمية في تسيير دفـة الإدارة في البلاد تدريجيا. فتغافل الاستعمار عن هذه النصيحة وتمـادى في غطرسته وجبروته وطغيانه. ولم يضع في حسابه أن محمدا الخامس أعد لكل مرحلة أسلوبها, وهيأ لكل مجابهة استرتيجيتها. إذ كـان يعمل بتعاون وثيق وتنسيق محكم مع قادة الوطنية بفضح أهداف الاستعمارية مواقفه العدوانيـة على الساحـة الدولية بوجـه عام، وبين الأشقاء العـرب والمسلمين بصفـة خاصة، وعلى توعيـة الشعب في الداخل وإعداده للمعركـة الفاصلة والحاسمـة التي تدل كل القرائن على أن لا مفـر منها في نهاية المطاف. وقد أدت الوطنية المغربيـة دورها على جميع المستويـات، الأمر الذي ظهر جليا في وقوف الكثيـر من الدول الأجنبية والعديـد من الشعوب بجانب المغرب في هيئـة الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الشعبية، وبرز أكثـر وضوحا في اندفاع الشعب المغربي بنسائـه ورجاله للاستشهاد والفـداء.
وقائمـة مواقف هذا الملك العصامـي البطوليـة طويلة جدا، وتحتاج لاستقطابها إلى دراسة مستفيضة باعتبارهـا نقطة تحول مهمة قلبت الأوضاع الاستعمارية رأسا على عقب وأحدثت في صفوفـه خللا وحيرة وارتباكـا، فبعدمـا استنفذ جلالتـه كل الوسائل السلمية لإقناع المسئولين على المستوى الأعلى بإعادة النظر في تعنت الغدارة  الفرنسية وغطرستها، لم يجـد بدا من الوقوف بصلابة المؤمن بربه وشجاعـة المطالب بحق شعبه في وجـه مخططات الاستعمار وجهـا لوجه، فأعلتهـا صرخـة مدوية بوجوب تغيير نظام  الحماية الرث وصكها العفن.
وهنـا احتدم الصدام بين الحق والباطـل واشتد الصراع بين الخير والشـر، فأبلى جلالـته البلاء الحسن في الدفـاع عن حقوق شعبـه ووقف خصما عنيـدا في وجه غلاة المستعمرين ، إيمانـا منه بأن هـذا الموقف سيعجـل بنهاية مأسـاة شعبه، ويحـث السير بالاستعمار إلى هاويته، وإحساسا بأن الاستعمـار لا بد أن يـرتكب حماقـة يجابه بها هـذا الموقف الملكي المتصلب، وصـدقت فراسته كـل الصدق، حيث أقـدم الاستعمار على نفـي جلالـته كإجراء عملي لابتلاع المغـرب نهائي ، والمؤمـن ينظـر بنور الله؟.
وبين عشية وضحاهـا اندلعت الثورة المغربيـة العارمـة وتفجرت القضية الوطنية الشاملة، وارتفعت الأصوات في أطراف الدنيـا منددة بهذه الهستيريـة الاستعماريـة، وعـاد محمد الخامـس على أثرها إلى عرشه مرفوع الرأس مكلل الجبين بالنصير المبين والفوز المتمثـل في حريـة البلاد واستقلالها التام، وهـذا هو المكسـب الغالي الذي كـرس رحمه الله جهـوده من أجله كملك عاهـد الله على الوفـاء لوطنـه وبايعـه شعبه  على الوقوف بجانبه وتشاء حكمـة اله أن يلتحق بالرفيق الأعلى بعـد أن أدى الرسالــة بأمانة ووفـاء وجاهـد في سبيل الله بإخلاص وإبادة.

الحســن الثانـي:
 هذه الأحداث والملاحـم والمواقف عايشهـا وتحمل أوصابها ولي عهده ووارث سره جلالـة الحسن الثانـي الذي اعتلى العرش والمغرب لا يزال في فجـر استقلالـه.. وكمـا وجد محمد الخامس وطنه مقيـدا بأغلال الحمايـة ألقى خلفه أمامـه مشاكل عويصة تتطلب جهـدا متواصلا وحكمة متناهية وإرادة فولاذيـة.
ومن حسن حظ أمتنـا أن هذه العناصر تتوفـر في العاهل الشاب، فانطلق بقواه الفكريـة وعبقريتـه الفذة إلى الميدان لترميم ما تصـدع في عهد الحمايـة وبناء ما تحطم إبان الاستعمار من هياكـل اقتصادية وثقافية واجتماعيـة وعمرانية تتناسب وتطلعات المغـرب الجديد، وهـي مسئوليات ضخمـة لا يقوى على حملها ـ كما أسلفنـا ـ إلا من وهبه الله قدرة فائقـة على الاحتمـال والصبر والمثابـرة والابتكار،  وانطلق العمل باسم الله في البنـاء والتعمير والتشييد والتنظيم الهـادف إلى تطـوير المغرب والمغاربـة تطويـرا يواكب التقـدم البشري ، مـع الاحتفاظ لبلدنـا بالأصالـة المغربيـة ولشعبنـا بالطابع الإسلامي.
ومن البديهيات أن انعتاق شعب ظـل تحت حكم الأغيار ما يقـرب  من نصف قرن، يبتلعـون خيراته، ويبتزون أرزاقـه ويمتصون اقتصادياته ويخططون لتجهيل أجيالـه وينتحلون الأسباب والمبررات لاقتطاع أجزاء من ترابـه يحتاج حتمـا إلى إعادة النظر في تلك الهياكل الهشة لإقامتهـا على صروح متينـة يتطلبها عهد الانعتـاق، وبناء شامـخ كهذا يستلزم بدوره وقفـة تأمـل عميقـة وشاملة لاتخـاذ القرارات الكفيلـة بنجاحـه ، أضف إلى ذلك أن المعرب يحتاج إلى اتخـاذ موقف جريء ، وفي منتهـى الحزم بالمنسبـة لوضعه الجغرافي الذي اختلس منه الاستعمار أجزاء مهمـة إبان كبوة من كبوات الزمن وغفلـة من غفلات الشعوب، ولكـن خريج المدرسة الوطنيـة النابغـة وتلميـذ محمد الخامس العظيم خاض كل هـذه المغامـرات بشجاعته النادرة وعبقريتـه الممتازة وأسلوبـه الذي حير الأفكار.
وفي خضم المنجزات العمرانيـة في الداخـل اضطلع بعبء الدفـاع عن الحق العربي عسكريا ودبلوماسيا، والمساهمة الفعلية في بناء الهيكـل الإفريقي ورفـع مناره  عاليـا وحماية العرين الإسلامي ماديا وروحيـا،  وهكذا تعددت الواجهات، وتضخمت المستويات واتسعت دائـرة العمـل الجبار بشكل ملفت للأنظار، فكان التوفيـق حليفـه في هذه التحركـات، وعلى قدر العزائم تأتي العزائم
وأمام هذه الإنجازات العملاقـة، والمواقف المشرفـة والملاحم الرائعـة، تملكت الدهشـة أعداء الشعوب الناهضـة ممـن يحلمون بعودة سيطرتهـم عليها، فراحوا يكيدون للمغرب في الخفاء ويعملـون بكل الوسائـل لعرقلة هـذه المسيرات الظافـرة، ولـم يتورعوا عن التحالـف  مع مـن سيطر على قلوبهم الحسد وخدعهـم سراب التوسع أملا في شغـل المغرب عن تحقيـق أولوياتـه، وتطلعا إلى تمزيق وحدتـه.
وبتخطيط متقـن، وتدبير مبرمج، وإعداد دقيق، وشجاعـة مدهشة، كـأن عاهلنا لكل المؤامرات بالمرصاد، قانونيا وسياسيـا وعسكريا، وفي نهايـة المطاف أعلنها مسيرة سلمية لاسترجاع صحرائنـا، ووقفها وقفة مضرية في وجـه مناوشات الخصوم على الحدود، وكتبهـا بقلمه السيال حقيقة مغربيـة صميمـة في «التحدي» وفي المثل «اعـط غريمك تمرة، فإن أبي فجمـرة».
وليس في قاموس السياسـة من تفسير لمواقفه البطوليـة إلا «التحدي» بمعنـاه الشامل والكامـل ، فواقع تلك الملاحـم ومعناهـا ومرماهـا أن المغرب يسير في بناء مستقبلـه على دعائم فولاذيـة، ويشيد نهضته على صروح حديديـة تتبعثـر على جوانبها أمواج الطامعيـن، وتحطم على جدرانها أحـلام  الحاسدين.
وما دمنـا قد وصلنـا إلى ذروة الفخر والاعتزاز، وأعطينـا صورة مصغرة فقط عن الأحـداث الكبرى التي سجلها تاريخنا القديـم منه والحديث، فلا مناص من التأكيـد على أن انتصارات المغرب كانت من صنـع عرشنـا العتيد وملوكنا المياميـن الذين حققوا للوطـن أمانيه بفضل الله وعنايته ومدده أولا، وإخلاصهـم وتضحياتهم وتفانيهم في خدمـة الأمة ثانيا، ووفاء ولاء شعبنـا ثالثا.
وليس بغريب ولا عجب أن تجتمع هـذه المزايـا لتكون القوة الدافعـة لمواصلـة مسيراتنا العمرانية العملاقـة والحملة المظفرة الضامنـة لحمايـة وحدتنـا وصيانـة كرامتنا في ظل عرشنا وعاهلنا المفدى، حفظه الله وسدد خطاه وأمده بتوفيقه «إن ربي لسميع الدعاء».

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here