islamaumaroc

محبة الأرض (قصة قصيرة)

  دعوة الحق

227 العدد

... رفع الفأس بيديـن معروقتين بقوة قبل أن يهوي بها على الأرض وكانـت السماء صافية والشمس تبدد بحرارتها برد الصباح وبقايا الضباب الذي كان يجثم على التلال المنخفظة وأرسل عميقا وهو يلقي بقطعة سوداء مـن التراب،  إن أفكارا تجيش في خاطره فتكاد تقلقه وتنغص عليـه عيشه لقد حصل على قطعة أرض بصعوبة ومنذ أكثر من ست سنوات وهو يـؤدي ثمنها أقساطا للحاج عبد الله الذي رحل مع أولاده وأسرته إلى مدية الدار البيضاء للسكنى في بيت من الصفيح اشتراه هو الآخر من الأرملة «فاطمة» التي تربطه بها وشائج عائلية إن صديقيه «والسي حمو» ينصحانه «والسي قدور» ينصحانه بأن يزرع أرضه الجديدة بالذرة والشعير، بينما هـو في قرارة نفسه يعتزم في تجربة فلاحية جديدة إن مشروعا عزيزا إلى نفسه تكاد خطوطه تتم كلها في مخيلته لكن كيف يتصرف؟ ومن أين يبدأ؟
كان يخيل إليه وهو يهوي بفأسه على الأرض في إيقاع رتيب بأنه لا بد أن يأتي اليوم الذي قد تتحول فيه أرضـه إلى بستان أخضر. وارف الظلال. وغزير الإنتاج بيد أن شيئا واحـدا كان يقف حجر عثرة دون تحقيق مشروعيه ...،  المـال والوسائل؟ وحدق بعينين فيهمـا بريق الأمل إلى أغوار حفـرة كانـت على مقربة منه، ثـم دنا منها وجعـل يتحسس ترابها بأصابعـه، فألقـاه مبلـلا وتمتم هامسا:
ـ لا بد أن يكون الماء قريبا.
وبينما كان سارخا في تأملاته إذا به يسمع من الخلف صوتا مألوفا لديه.
ـ صباح الخير السي بوحيى.
والتفت ليرى صاحبه القريب السي حمدان مقبلا عليه وهو يخاطبه بصوت أجش.
ـ أراك «يا السي بوحيى» مشغولا هذه الأيام بحفر الأرض ... فماذا تراك تنتظر منها...؟
وصـوب إليه «السي بوحيى» نظرات صامتة، ولـم يقل شيئا  بيـد أن  «السي حمدان» استأنف بزهو قائلا:
ـ في علمـك بدون شك أنني وأسرتي سنرحل إلى البيضاء بعد شهر بقصد الإقامة بها نهائيا.
وهنا بادره «السي بوحى» وهو يتمسك بفأسه بعد أن توقف لحظة عن الخدمة.
ـ لكن هل أعددت ما يلزمك من مصاريف ووسائل العيش؟
ـ أموري  مدبـرة ... «زوجة» الحرث بعتها .. والغنم سأبعث بهـا إلى السـوق قريبا، ثم إني لا أهتم بهـذه الأشياء وإنما سأرحل على بركة الله.                               
والسكنى ...؟
ـ «براكة» من الخشب استلمت مفتاح قفلها أخيرا وهي كافية لتأويني ... أنا والعائلة.
ـ هذا هو الغلط «السي حمدان».
ـ غلط ...؟
ـ نعـم وإلا كيف يمكنك أن تعيش كفـلاح في مدينة صاخبـة كالبيضاء لا تتوقف حركتها في الليل وفي النهار ...؟
ـ بالعكس «السي بوحيى» إن فلاحين كثيرين وأنت تعرفهم ... منهم «السي جلول» و«الطاهر» و«الحـاج فضول» رحلوا بدورهم إلى المدينة منـذ أكثر من خمس سنوات وهـم يعيشون الآن في أحسـن الظـروف والأحـوال.
ـ ومن قال لك إنهم في أحسن حال...؟.
ـ كل الذين يعودون من البيضاء لقضاء أيام في القرية يؤكدون هذه الحقيقية ...
وأحنى «السي بوحيى» رأسه وشد قبضته على الفأس في حالة مـن الانفعال الذي سيطر على أعصابه فجأة، وتتابع وقـع الفأس وهي تعلـو وتنزل على الأرض.
وعـاد «السي حمدان» دون أن يضيف شيئا جـديدا إلى ما قالـه وغمغم هامسا،  وهو في طريقه إلى بيته.
ـ مسكين جاري المعذب ... المفتون بحفر الأرض والباحث في أعماقها ... ما شاء الله ... كيف يهلـك  صحته...؟
وظل «السي بوحيى» وحده يستعيد مع نفسـه ما سمعه من «السي حمدان» وتسـاءل في قرارة أعماقه، أأكون أنا المخطئ وهو المصيب...؟ أصحيح أن الذين يرحلون إلى المدينة للإقامة يعيشون أحسن؟ وحتى عند عودته إلى داره القائمة بجوار «البرية» العجوز يفصلها عن بيت «السي حمدان» سياج من القصب وأشجار صغيرة من الصفصاف. لاحظ ببديهته أن زوجته رحمة مطرقة صامتة على غير عادتها فبادر يستفسرها.
ـ أرى حالتك ليست على ما يرام... هل تحسين بتعـب ؟ مالك...؟
ـ لاشئ .
ـ قولي ... بماذا تحسين...؟ أتكون أعراض الحمل...؟ وانفجرت فجأة تنتحب وتركز في نفس الوقت زائغة على وجه زوجها الذي كان ينوء مـن الإرهاق ثم قالت:
ـ إنك تعلم أن دخلنا من الفلاحة قليل ... ولم يرحمنا الجفاف منذ سنتين. وأولادنا يجـب أن يعيشوا ويقرأوا في المدرسة... كيف..؟ وما العمل...؟
وهاله أن يـرى زوجته هي الأخرى تثبـط عزيمته وتطفئ جذوة حماسه كمـا فعل تماما جاره «السي حمدان» فقاطعها صارخا:
ـ رحمة ...أرجوك .., إفصحي.. ماذا تقولين؟
ـ أريد أن أقول إن جيراننا سيرحلون إلى المدينة ولا بد أن نفعل مثلهم.
وجلجـل صوته:
ـ اسكتي ... اسكتي يا امرأة. أتريدينني أن أرحل عـن قطعة الأرض التي اشتريتها من غرقي وجهدي؟ كيـف رحل عنها وقلبي يحدثني بأنها ستكون معطاءة وكريمة مـع أولادي..؟ كيف أرحل وأسكن في بيت من صفيح تحوله شمس الصيف إلى جحيم.. لا..لا يارحمة.. هـذا لن يكون أبدا.. مستحيل...
ثم سادتهما فترة صمت رهيبـة، بعدها عاد يقول، ولكـن في هدوء وسكينة، ودون أن يرفع رأسه.
صحيح يارحمة.. إننا نريد أن نعيش في ظروف أحسن، وأولادنا في حاجـة إلى القراءة،  لكني أرى أن العيش الكريـم مرهون بالعمل وحـده.. في المدينة أو في القرية..ولا أظن أن مدينة الدار البيضاء ستمنحنا بسهولة كنوزها في حالـة رحيلنا وسكنانا بها.. لا أعتقد ثم إني لا بـد أن أخبرك بأنه تقرر من طـرف الجماعة بناء مدرسة ابتدائية بجوار السوق، أما القرض الذي طلبته لغرس أشجار «الشهدية»، فقد وافـق عليه صندوق القرض الفلاحي كما أخبرني بذلك شيخ القبيلة،«السي الهاشمي».
وفي لحظة صمت حاسمة من عمر الزمـن في حياة أسرة «السي بوحيى» كان جهاز راديو صغير «ترانوستور» معلقا على الحائـط إلى جوار إطار يحتوي على صورة «سيدنا علي بـن أبي طالب » وهـو يشق رأس الغول إلى نصفين وبواسطة هـذا الجهاز كـان السي بوحيى يشرف على دنيـا جديدة، ويتلقى عن طريق ثقافة عامة في شتى المجالات، واقترب منه، وأدار مفتاحه عله يبعث في البيت أنسا ومـرحا، أو يستمع منه إلى أهازيج شعبية مـن «عيطة الحوز».
وكم فوجىء وهـو يستمع إلى خبـر لفت اهتمامه رشد حواسه كلها، ذلك أن جلالة الملك أعطى إشارة الانطلاق إلى رعاياه الفلاحين ليبدأو عملية الحرث الجماعية «التويزية» وتـذكر كلمة قالها جلالته، الفلاحة هي قبل كل شىء،  التفكير هي المحبة في الأرض، وهي مقابلة الأرض.
وتألق وجه «السي بوحيى» وأشرقت ملامحه بفرحة عارمة ودنا من زوجته رحمة وهو يهتف متحمسا.
ـ اسمعي يارحمة.. هـذا هو البرهان.. اسمعي.. ألست على حق..؟وكانت ابتسامة واسعة تنتشر قليلا على محيا زوجته، وأقبل الأولاد ـ«فضول» و «علي» و«خديجة» جذلين، فأحاطـوا بالراديو الصغير، فيما كان أبوهـم ينظر إلى فأسه الموضوعة في ركن البيت وابتسامـة الأمل تتألق على وجهه الأسمـر المعروق القوي.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here