islamaumaroc

ارتسامات حول كتاب للسلطان سيدي محمد ابن عبد الله

  دعوة الحق

227 العدد

** إن الاهتمام بالعلوم الدينية طابع يطبع كثيرا من أحوال المغرب في مختلف العصور سواء من حيث الأصول الدينية أو من حيث الأصول الدينية أو من حيث الفروع المتولدة عن طريق الدراسات الفقهية وما يتصل بها، ولعل السبب ف يذلك يرجع إلى أن جل الذين  كانوا يحكمون البلاد المغربية كانوا هم أنفسهم ينتمون إلى زمرة العلماء.
فالعلم أصـل من أصول الاستمرار الحضاري لا ترقى أمـة دون أن تجعله شعارا لها يحميها ما المهاوي المهلكة ويقيهـا من شر الجهل المقيت.
ولقد تبرى رجـال الإصلاح في إعداد المدارس وتهيئ المساجـد الصالحة لنشر أمهات الكتب الإسلاميـة ودراستهـا وفهم ما يرتبط بها من أحكـام سواء عن طريق الكتاب والسنة أو  عن طريق الاطلاع على ك ما بلغ إليه المجتهدون من الفقهاء وأداهم الأمر إلى تعميم الأوقاف لتشجيع التعليم وإلى  إنشاء الخزانات العامـة للكتب وتزويد المساجـد بخزانـات محلية كانت خيرا زاد للمتعلمين الذين يجدون فيها مـا يروي ظمأهم وما يخفف من غلوائهم إلى المعرفة النافعة.
وإن نظرة خفيفة إلى الحوالات الحسبية في المغرب لتزودنـا بكثير من الحقائق الدالـة على أن مساجـدنا ومدارسنـا لم تكن معطلـة من رواد العلم  ومن مشجعيه كما أن التأمل في واجهات الكتب المحبسـة  لتدلنـا على أن الذين كانوا يجعلون تلك الكتب رهن القراء ليسوا منتمين لطبقة معينة ، فهم يمثلون طبقات شتى من المجتمع تجد فيهـا الحاكم والمحكوم وتجد فيها الغني ومتوسط الحال، وتجد فيهـا الرجل والمرأة ، وهذا إن دل على شيء ، فإنمـا يدل على أن المغاربة شعورا بواجبهم وعلموا أن  كـل عمل لا يقوم على علم لا استمرار له  ولا خلود.
ومن أهم الظاهـر التي تثير الإعجاب وجود التعاون العلمي بين المسؤولين وبين رجال العلم ، فنحن حيثما نطلع عن تاريخ بعض الملوك في القديم والحديث نجد علاقـة متينة تربط بين الحاكمين والعلماء ويتجلى ذلك واضحا في المجالس العلميـة التي كانت تقـام على أساس من التوازن الفكري ومن الاحترام المتبادل.**

 ومن أشهر الدلو المغربية التي عنيت بالعلم وقامت على أسسه الدولـة العلوية الشريفة لما كان لذويها من الاعتزاز بأهـل الفضل والصلاح ولما  كانوا يشعرون به من ضرورة بناء كيان دولتهم على قواعد متينة لا تنفصـل عن روح الدين الإسلامي في مبادئه وسلوكـه، ولقد وجهت عنايتها إلى أصلاح التعليم وتطويره حسب الحاجيات الاجتماعية التي كانت مهيمنة على المجـرى التاريخي في كل حقبـة من الحقب وفق مـا هو متلائم مع طبيعة السكان ومع طبيعة الاستقرار.
إن  جولة في تاريخ هذه الدولة العلوية لتعود بنا إلى عهد المولى إسماعيل والمولى الرشيد وإلى سيدي محمد بن عبد الله المولى عبد الرحمن وولده المولى محمد، وإلى المولى سليمان وغلى عهدنـا الذي يمثله الحسن الثاني نصره الله وإلى ما حققته هاته العهود من ازدهـار ثقافي وفكري ناتج عن تجاوب هؤلاء الملوك مع أهل العلم فيما يرجون وما يأملون.
بل إننـا إذا تتبعنـا أسباب الازدهار الفكري فسنجـد أنت أحد هؤلاء الملوك هو المولى محمد بن عبد اله ساهـم يدوره في التأليف  والتحليل والتوجيه وفق خطـة منهجيـة هادفة إلى إقرار الطمأنينة في النفوس ونشر السعادة بين الناس وإبعاد أسباب الفوضى والاضطراب وإزاحـة كل ما من شأنه أن يضلل الفرد أو يشككه في قيمته الإنسانية أو في قيمة معتقداته.
إن سيدي محمد بن عبد الله كان يوم أشـد الإيمان بأن المشكلة السياسية لا تنفصل مطلقا عن الاتجاه الثقافي الموجه للفرد في المجتمع، فليس هناك أي معنى لأن يعيش الفرد سهـلا لا تقيده قواعد الدين ولا تهذبه عقيـدة التوحيد ، إلا أنه كان يرى أن الدين يسر وليس بعسر،  ومن ثـم لـم يكن من حق الفقهاء أن يفسدوا على النـاس سعادتهم وأن يضيقوا عليهم الخنـاق وأن يصـوروا لهم الدين تصويرا زجريـا وأن يحولوا بينهم وبين الرحمـة فالله رحيـم واسع المعفرة والإنسان ينبغي لـه أن يعيـش متفائـلا يبني وجوده على هـذا التفاؤل، فإن ذلك خيـر له من أنـواع التضييقات والإحراجات التي لا تكـون إلا سببا في إحداث القلق وفي سلب السعادة.
وهو في الوقت ذاتـه كان يرى أن تبسيط القواعـد الدينية جزء لا يتجـزأ من مهمة الإصلاح الديني سواء في العقيدة أو في الأحكـام ، ولهذا دعا إلى اجتناب البحث المعقـد في الإلهيات والى الابتعاد عن المنطق في الوصول إلى الأحكام التي يمكن الوصول غليها عن طريق النقل، ولذلك نراه قـد أقام ثورة على النظام الذي كان متبعا في دراسـة الفقه ودراسة التوحيـد، وأعلن عن خطـة تربط المتعلم بمنهاج فكري  وبطريقة تعليمية محدودة فه قـد ضاق ذرعـا بإهمـال بعض الكتب المفيـدة التي توسع المدارك وتفتح آفاق المعرفـة مع أن الرجـوع إليهـا أسلم والالتجـاء غليها أحكم، ولهذا اضطر إلى تتبع أحوال الفقهـاء والمدرسين وإلى تحديد حرياتهـم فيما يلقونـه من مواد وفيما يدرسونه من كتب خشيـة تفويت الفائـدة على المتعلمين أو خشية إثـارة البلبلة في نفـوس العوام فأمر رحمه الله  بتدريس القرآن وبالاقتصار على الصحيح من الأحاديث كما أمـر أن يقتصر المدرسون في علم الكـلام على  عقيـدة ابن أبي زيد القيرواني التي افتح بها رسالته.
وأمـا في الفقه دعـا إلى إحياء بعض الكتب  القديمـة الخالية من التعقيد والغموض مثل المدونـة، مثل البيان والتحصيل ومثل مقدمـة ابن رشد، ومثل الجواهر لابن شاس، والنوادر والرسالـة لابن أبي زيـد القيرواني، وأمـا مختصر خليل ، فقد ألـزم الناس إذا أرادوا قراءتـه بأن يدرسوه بشرح بهرام الكبير والمواق والحطـاب والشيخ علي الاجهوري والخرشي الكبير وألا يتعدوا هـذه الشروح إلى غيرها، ولذلك  أمتر بنبذ ما عداهـا وإهماله وعدم استعماله في  التدريس.
ولم يكتف بهذه الطريقة الإصلاحيـة بل نراه قد ساهم مساهمة عملية في الاستفـادة من محيطه العلمي فألف كتبا كثيرة،  واستعان في ذلك بمجالسـه العلمية الزاخـرة وأحس بأن القيمة التي يكسبهـا الفرد من التحـاور العلمي، أسمـى من التعالي والتعاظم، لذلك نراه في مؤلفاـه متواضعا يتطلع إلى المعرفة ويبحث عن الأحسـن ويستفيـد ممن حوله ويعلن عن ذلـك دون أن يجـد حرجا ا, تستبد به أنانيته والدليل على ذلك كتـابه الموسوم بطبق الأرطاب فيمـا اقتطفنـاه من مساند الأئمة وكتب مشاهيـر المالكية والإمـام الحطاب وهو الكتاب الذي توجـد منه نسخة خطيـة بخزانة القرويين تحت رقم 748 من  حجم 40 والمنجز قبل موتـه مؤلفه بنحو أربعة أشهر فقط، فقـد تم تأليف الكتاب في أوائل ربيع الثاني من سنـة أربع ومائيتين وألف وتمتن حياة المولى محمد بن عبد الله في الرابع والعشرين من رجب من نفس السنة.
إن هـذا الكتاب هو التعديل الثاني لكتابه المسمى ببغيـة ذوي البصائر والألباب في الدرر المنتخبـة من تأليف الحطاب.
كان قـد اقتصر في هـذا الكتاب سنة إحدى ومائتين وألف على ذكـر عقيدة ابن أبي زيد وعلى كتاب الطهارة والصولات فإذا بالعالمين الدينيين فقيهي العدوتين سلا والرباط سيدي محمد بن المير وسيدي  محمد بن عبد الله الغربي يشيـران عليه بإتمـام الكلام على قواعـد الإسلام،، فيعمل بإشارتهما ويبني كتابه على شرح قـول النبي صلى الله عليـه وسلم... بني الإسـلام على خمس شهـادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسـول الله وإقـام الصـلاة وإيتـاء الزكاة وصـوم رمضـان وحـج بينت الله الحـرام لمن استطـاع إليه سبيلا...
وينهي عمله في شهر رمضان المعظم من سنة اثنتين ومائتين وألف ويسمى  كتابه تسميـة جديدة تتلاءم مـع خطته وهي الفتح لربانـي فيمـا اقتطفناه من مسانـد الأئمـة وفقـه الإمام الحطاب والشيخ ابن أبي زيـد القيرواني.
ويشاء الله لهـذا التعديل أن يطبع سنـة 1941م بتحقيق الأستاذ الفريد البستاني معتمـدا ف يذلك على مخطوطـة تطوان الأصلية، وأن يجعله من ضمن منشورات مؤسسة الجنرال فرانكـو للأبحاث العربية الإسبانية بمطبعـة الفنون المصورة،« بوسكـا» بالعرائش،  وأن تحتفظ خزانـة القرويين بنسخة مطبوعة تحمل رقم 596.
أمـا التعديل الثاني فهو طبق الارطاب الذي نتحدث في هـذا المقال عن نسخته الموجودة، فهـو يقول في مقدمته بعد أن تحدث التعديل الأول(1 )، ثم عدنـا إلى إمعان النظر فيه بعـد مرور سنتين من تأليفه والعود أحمد ـ ونسبنـا كل مسألـة إلى قائلهـا من الأئمـة الذين عليهم المعتمد ونقلنـا ذلك من نوادر ابن أبي زيد وابن يونس، وابن رشد، وابن شاسر ومنتقـى الباجي على الموطأ والزرقانـي عليه أيضا وابن حجـر علي البخاري والخرشي الكبير ، والشيخ علي الأجهوري والمواق، والتوضيح والتهذيب والتقييـد عليه، فأتى والحمد لله في أحسن ما يكون والله أسأل من فضلـه أن ينفع به  كمـا نفع بأصله، وأن يثيبنـا عليه بجزيل الأجر وأن يجعله لنـا من أعظم الأجر وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وغليه أنيب وسمته طبـق الأرطب إلخ..
ابتدأ الكتاب بعقيدة ابن أبي زيد القيرواني ليتجنب بها مشاكـل المتكلمين ويبتعد بها عن مزالق بعض الفلاسفـة ويطمئن بواسطتهـا إلى الإيمان الصادق الخالي مـن أي التواء فالله واحد لا إلـه غيره ولا شبيـه له ولا نظيـر له ولا والد ولا ولـد ولا صاحبة ولا شريك له ليـس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء،  ولا يبلغ كنـه صفته الواصفون ولا يحيط بأمـره المتفكرون يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكـرون في ماهيـة ذاتـه ولا يحيطون بشيء  من علمـه إلا بما شاء وسع كرسيـه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلـي العظيم العالم الخبير المدبر القديـر السميع البصيـر العلي الكبير إلى آخـر ما جاء في هـذه المقدمة المشهورة التي خصهـا الفقيه محمد بن قاسم جسوس رحمه الله بشرح جيد انتهـى من تأليفه سنة خمس وعشرين بعـد مائل وألف من الهجـرة.
وبعـد ذلك شرع السلطان سيدي محمد بن عبد الله في التحديث عن أركان الإسلام الباقيـة وكان في ذلك دقيـق العبارة واضح الأسلوب ينهج نهج الفقهـاء الذين يربطون الأحكـام بأصولها ويعتمد في الاستدلالات على مسانـد الأئمـة وعلى كتب الأقدمين وبنص في أحكامـه أنه ينتمي إلى المذهب المالكي ومع ذلك فهو في العبـادات غير مشددة، وقـد يستحسن أحيانـا بعض الأحكام التي لم يقل بها مالك رضي الله عنه أو على الأقل كـان يترك الخيار  للذيـن يقرؤون بعد الإشـارة إلى مختلف المذاهب ، فقـد نص على أنت ما  كـأن يتعلق بحقوق الله في العبادات قد يقبـل على اختلاف صوره المذهبيـة أما ما يتعلق بحقوق النـاس، فغن الواجب يقتضي الالتزام بروح المذهب حتى لا تستغل بعض الفتاوى لإبطال الحقوق  ولإهدارهـا،  وكان يسير على هـذا الرأي في جـل الأحكـام التي صدرت عنه في كتابه هـذا، فهو مثلا أشار في باب الطهـارة إلى أن بعض الأئمـة يتساءلون في طهـارة الخبث في الجزء اليسير الذي هـو  دون الدرهم وذكـر أنه وجـد ذلك في مسند الإمـام أبي حنيفة وأنه أراد التحقق مما فيـه، فكتب إلى فقهاء القسطنيطينة  يستفتيهم فيمـا  وجد، فإذا بهم يؤكـدون له لك ويزيـدون مسألة أخـرى كتبوهـا بخطوط أيديهم وهي أن البول إذا لـم يبلغ قدر الكف، فإنـه فهو عنه، واستحسن هـذا الحكم ورأى فيه سعـة وقال بإزائه(2 )... وأنـا في نفسي اتبع الأئمـة الأربعة في أبواب العبادة ولا تفرق بين  واحـد منهم فيها، وأمـا غير أبواب العبادة، فالنكـاح والطلاق والبيوع والحبس والهبة والعتـق وغير ذلك فلا ابتـع إلا  مذهب الإمام مالك رحمه الله لأني مالكي المذهب حنبلي الاعتقاد مع أنـي مؤمـن بأن الغمام أحمد على اعتقـاد الأئمة الثلاثـة وأنتهم كلهم على  هدى من ربهم ووجـه الفرق بين أبواب العبـادة والمعامـلات أن من ارتكب رخصـة في مسألة أبواب العبادة قد أفتى بها بعض العلماء الذين يعتمد عليهـم لأجل ضرر به فـلا تلحقه تهمـة ف يذلك ، إذ أبواب العبـادة هي لله، فلا تهمـة فيها وغيرها فيه حقـوق المسلمين، فمن ارتكب رخصـة في مسألة قد رخص فيهـا بعض الأئمـة الأربعة في غير أبواب العبادة مثـل الطلاق والنكـاح والبيوعـات وغيرها من حقوق العبـاد، فإنه قد دخـل بابا من أبواب التهـم وربمـا نسب لغرض فيه شهـوة نفسه فلا ينبغي لمن كـأن على مذهب أن يتخطـى لغيره من المسائل التي فيهـا حقوق العباد.
ومن الواضح أن هـذا التوجيه لا يكـون مقبولا إلا إذا كان الفقهـاء والمفتون يتلاعبـون في المصلحة العامـة بما اكتسبوه من معرفـة بالأحكام، فينتقلون من مذهب إلى مذهب رغبة في تحقيق هوى مدسـوس أو حرصا على تفويت حق على مظلوم، أمـا إذا أصبح ذلك الانتقـال قانونا عاما مفروضا على القضاة أو مدونـة مشروعة بنيت على أساس اختيار من لـدن فقهاء نزهـاء مقتدرين، فإن هـذه الشبهـة تزول ويصحب الرجـوع إلى الحكم المذهبي حينئـذ شبيهـا بالخروج عهنه حينما كان مستعملا.  
وعلى كل حال فـإن الأحكام المتعلقة بالنـاس لا يصح التساهل في تحويزهـا،  أما الأحكام المتعلقة بالعبادات، فإن الأمر المهـم فيهـا  هو حسن نيـة العبد في اتصاله بالله  وحسن اعتمـاده على ما  هـو مدون سواء في المذهب الخاص أو المذاهـب الأخرى، ولعل هــذه التوسعة في الأخذ بالمذاهب الأخرى أحيانـا هي التي جعلت السلطان المولى محمد بن عبد تالله حين تأليفـه لهذا الكتاب يقبـل كثيرا من الأحكـام،  سواء كانت موافقة لمذهب الإمام مالك أو كانت مخالفـة له، بحيث لم يكن يتعصب لمذهبه المالكي إذا كان الأمر يتعلق بالعبادات لا  بالمعاملات..
فمن ذلك حديثـه عن  انغماس الجنب في المـاء إذا كان طاهـر الجسد، فغن الانغماس يكفيه سواء دلك أعضاءه أو لم يدلكهـا( 3)،  ومـن المعلوم أن  جواز ذلك بدون دلك، إنما هو مذهـب الشافعـي لا مذهب مالك.
ومن ذلك استحبابـه لذكر البسملة مع الفاتحـة في الفريضة وفي غيرهـا مع أن المشهور من مذهب الغمـام مالك كراهيـة قراءتها في الفريضـة نظرا لكونه لتم يعدهـا آية الفاتحـة كما عدهـا الشافعي الذي يقـول ببطلان الصلاة بدونها (4 ).
ولم يحـدد سيدي  محمد بن عبد الله صورة لذكـرها سرا أو جهرا كما فعل بعض الفقهاء من المذهب، فقـد ورد عن المازري وهو  من شيوخ المالكيـة أنه كان يقرؤهـا سرا، فلما استفسـر عن ذلك قال لأن أقرأهـا وارتكب مكروها على مذهب الإمـام مالك خير لي من أن أتركهـا وتكون صلاتي باطلة على  مذهب الشافعي رحمه الله.
ومن ذلك حديثـه عن الخروج من الصلاة بتسليمه واحـدة أو بتسليمتين اثنتين، فهو لم يكن مشددا في هـذا الأمر، فقـد نقل عم المدونـة أن التسليمة الواحـدة كافية دخل المصلي بتكبيرة واحـدة يخرج منها بتسليمة واحـدة وقال ( 5)... وإن سلم الفـذ عن يمينه خرج من صلاتـه وإن زاد تسلمية ثانيـة عن يساره فزيـادة خير قاله سنـد، وبهذا كان يأخـذ مالك في خاصة نفسه وقال بالتسليمة الثانيـة الإمـام أحمد بن حنبل رضي الله  عنه وهـو قدوة ويؤيـده ما أخرجه الإمـام الشافعي في مسنده عن عامـر بن سعد بن أبيه عن النبي صلى الله عليه  وسلم، «أنه كان يسلم في الصـلاة إذا فرغ منها عن يمينه وعن يساره حتـى يرى خداه».
ومن ذلك حديثـه عن سجـود السهو في الصـلاة فهو قد استحسن رأي حنيفـة الذي لا يفرق بين الزيـادة والنقصان فيجعل السجود كله بعديـا بخلاف ما عليه الحال عند الإمـام مالك الذي يجعل السجـود القبلي للنقص والسجود البعدي للزيـادة، وقـال في هذا الموضوع ( 6)...
ومن ذلك حديثـه عن التنقل يوم الجمعة، فقـد أشار إلى ما ورد من الأحاديث في جواز التنقل والإمـام يخطب كما أشار إلى ما يعارض هذه الأحاديث من أن قعود الإمـام على المنبر يقطع السبحـة وأن  كلامـه يقطع الكلام حسب  ما ورد في مسند الإمام الشافعي، وبذلك قال الإمام مالك رضي الله عنه( 7).
ولم ينكـر صحة ما ورد عن الرسـول مما يتفق مع الاتجاهين، إلا أنـه قال إذا تعارض حديثان صحيحان، فعليك بما جرى به العمـل في مذهبك لأن الأئمـة رضي الله عنهم كلهم على هـدى من ربهم، فهو لم يتعصب لرأي ولم يحرض على إبطال ما عنـد الآخرين بل تيسر سبيل الاتباع لكل المسلمين سحب ما هـو قريب لمذاهبهم حتى لا يثيروا فتنـة ولا يخلقوا عداوة.
إن خطـة المولى محمد هاتـه تشيع الاطمئنان في النفس وتزيل كثيرا من أسباب الحقد وتبعث على الطاعـة البريئـة وتمحو كثيرا من الحزازات وتجعل المسلم حريصـا على التوجه إلى الله من أي باب من أبوابـه دون أن يكون هناك تضييق على المفاهيـم الدينية، أو تشكيك فيمـا ورد عن رسول الله صلى اله عليه وسلم، مما صح عنـه سواء  كان يؤدي إلى هذا الحكم أو ذاك لأن الأمر حينئـذ يتعلق بمعرفة الناسخ من المنسوخ وبمعرفـة السابق من اللاحق.
وكان المؤلف في كتابه يحرص أحيانـا على تعليل بعض الأحكام وإبداء عللهـا وأسبابهـا لتكون منسجمة مـع العقل والنقل معـا،  ومن ذلك ممثلا حديثـه عن زكـاة الفواكه، فقد ذكـر أن الإمـام مالكا يرى أن السنة لا اختلاف فيهـا عنده أنه ليس في شيء من الفواكـه كلها صدقـة الرمان والفرسك  والتيـن والمراد بالفرسك الخوخ والأشهـر عند أهل المغرب أن لا زكـاة في التين وذهب جماعـة من البغداديين كالقاضـي إسماعيل والابهري وغيرهما إلى أنه فيه الزكـاة وهو مكيـل يراعي فيه خمسة أوسق(8 ).
واقتصـر في طبق الأرطـاب على ما ذكـر في حين أنه ذكر في الفتح الرباني إثـر الحديث عن هـذه الجزئيـة تعليلا لابن عبد البر يبين فيـه أن الإمـام مالكا لم يكن يأمـر بالزكـاة في التين لأنه لم يكن يعلم أنه ييبس ويدخـر ويقتات كالتمر والزبيب(9 )، بحيث ستنتـج من هـذا القول أن الفاكهـة إذا كانت تبيس كالبرقـوق مثلا ويمكن  الاحتفاظ بها  تدخـل في صنف المزكيـات  وبناء على هـذا التوجيه يمكننا أن نقيـس ما يمكن الاحتفاظ به بواسطـة الآلات القادرة على حـفظ الفواكـه من التعفن، وبذلك كان يقـول بعض المتورعيـن من المسلمين الذيـن كانوا يعتبرون هـذه القدرة على الاختزان بواسطـة الآلـة كأنها مبرر شرعـي لوجوب الزكـاة.
إن هؤلاء يأخـذون تعليل ابن عبد البر منطلقا للحكم على أساس أن الزكـاة مرتبطـة بالقدرة على الاحتفاظ أمـا الذيـن لم يوجبوهـا، فهم يرون أن الالتزام بقول الرسـول يدخل في باب الواجب من غير البحث عن علة للحكم غير منصوص عليها.        
ومن الغريب أن المؤلف في بعض الأحيان لا يذكـر الأقوال المتعارضـة، وإنمـا يقتصر على  حكم واحد على  خلاف عادتـه المتبعـة ،  ومن ذلك حديثه عن صوم ستة أيام من شـوال، فقد وردت بعض الأحاديث القائلـة بفضل صومها مثل ما ورد عن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنـه قال من صـام رمضان ثم أتبعه سنة  من شـوال كان كصيام الدهر( 10)، وهـو حديث صحيح طالمـا سمعناه من وعاظنـا وخطبائنـا، إلا أن الإمـام ملاك يرى أن هـذا الحديث لم يبق به عمـل ، ولذلك يعتبر صيـام هذه الأيام الستة ضربا من مخالفة السنة المعمول بها ويعدهـا من قبيل المكروه، وعلى هـذا القول الأخير اقتصر المؤلف في كتابه فقال:(11 ) «ويكـره صوم ستة أيام بعـد الفطـر من رمضان ثم أردف ذلك بقولـه: « قال الإمـام مالك ولم أر أحدا من أهـل العلم والفقه يصومها ولم يبلغنـي ذلك عن أحـد من السلف وكره أهـل العلم صومها وخافـوا بدعتـه وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالـة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصـة عند أهـل العلم ورأوهـم يعملون ذلك ونقله ابن شاس» .
ولم يفصـل المؤلف الحديث عن هاته الأيام الستة، فهـو قد ذكر الكراهـة دون أن يبين هل هي مقصورة على فورية صومهـا بعـد الفطـر أو هي عامة سواء وقع الاتصال أو وقـع الانفصال، في حين نرى في بعض كتب المالكيـة أن الكراهـة مرتبطـة بالاتصال أمـا إذا أصبحت مفرقـة ، فإن ذلك يعد من المندوب المرغب فيه ( 12) وحينئذ لا يكـون خـلاف بين لفظ الحديث وبين العمـل على هذا الشكل المرغوب فيه.
ولقد كان المؤلف في بعض الأحيان ينتقي من الحقائـق العلمية ما يدل على دقـة اختياره وسعة معرفته وحسن اهتدائـه لوسائل التلقين خصوصا في بعض الأركان الواجبـة التي يحتـاج المسلم فيها إلى معرفة دقائقهـا وأشكالها لمناسك الحج وما يتصل بها.
ومن أجمـل ما نقل في ذلك فائـدة تتصل بأعمـال الحج وترتبط به نقلها عن الخطـاب فقال:(13 )
فائدة : قال الخطاب مثلثـات الحج أوجـه الإحرام الثلاثـة الإفراد والقرآن والتمتع،  والاغتيال ثلاثـة لإحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفـة والركوع ثلاثة للإحـرام، ولطواف الوداع ولطواف الإفاضـة،  ومن يجمـع بين الحل والحزم ثلاثـة الحاج والمعتمر والهدي، والخبب، ثلاثـة  في الطواف وفي السعي وفي بطـن محسر، وخطب الحج ثلاث.  والجمـار ثلاث، وأيام التشريق ثلاثـة وأيـام النحر ثلاثة ومتعدى الميقات ثلاثـة مريـد النسك ومريد مكة لغير النسك، وغير مريد لمكـة والمحرمون بالنسبة إلى الحلـق والتقصير ثلاثة، قسم يتعين عليهم الحلق وهم الملبدون مـن كان شعره قصيرا ومن لم يكـن برأسه شعر وقسم يتعيـن عليهم التقصير، وذلك في حـق المرأة وقسم يجـوز في حقهم الأمران والحلق أفضـل وهم  من عـدا ذلك، والهدي ثلاثـة إبل وبقر وغنـمن وكـل أفعال الحج يطلب فيهـا المشي إلا الوقوف بعرفـة والوقوف بالمشعر ورمي جمـرة العقبة انتهى.  
إن  كتاب طبق الأرطـاب رغم مرور السنين ما زال كتبا صالحـا لتعليم أركان الدين ولتقريب قواعـد الفقه ولتيسير سبل  السعـادة، فهو بعيد عن التضييقات بفتح  مجـال الطاعة ويحبب الناس في العقيدة مكن غير أن يسلـك مسالك المناطقـة أو تتشعب به طرق البحث والتعليل وهو كتـاب يسير وفق خطـة المولى محمد بن عبد الله في إصلاح طريقـة التعليم ومساهمة عملية منه لإبداء المنهاج الـذي يدعـو إليه، وبذلك كانت أعمـاله الفكرية والتربويـة في مستوى أعمـاله السياسية والدوليـة رحمه الله ، وأعاننا على إحياء ذكـراه بالعمل على نشر بعض كتبـه وعلى التعريف بها، تلك الكـب التي كان لا يطمئـن إلى ما في محتوياتها إلا إذا صادق عليهـا رجال العلم وأرباب المعرفـة والتي كـأن يستفسر عن مضامينهـا علماء المغرب والمشرق، ولقـد  اشتهرت كتبه في الآفاق ونسخت في مختلف البلدان، ويكفينـا دليلا على ذلك أن هـذه النسخة التي نتحدث عنهـا قد كتبت بخط مشرقي جميل وأنهـا مصدرة لتقرظين لعالمين من علمـاء مصر همـا محمد بن عبد المعطي الأزهري الحريري الحنفـي ومحمد بن محمد الأمير المالكي الأزهري، ولقـد رأيت إتمامـا للفائدة أن أنقـل  بعض الفقرات من هذين التقريظين المقيدين.
فمن التقريظ الأول قوله بعد البسلمة ... أمـا بعد فلما سرحت طرفي في رياض كتاب طبق الأرطاب وشرحت صدري بأنوار بره المشرقة الرفيعـة الجناب ألفيته طبــا شافيا من أسقام الجهالات ودليلا مرشـدا يهتدي بـه إلى تصحيح العبادات يروق ناظر اللبيب الماهـر الفاضل وشرح صدر الأديب البالغ الكامل محتويا على عقائـد الإيمان المنجيـة من الخلود في النيران منطويـا على أركان الإسلام التي صح بها الحديث عن سيـد ولد عدنان مع ما اشتمل عليه من حسـن الترتيب على الأسلوب الغريب وجـودة التركيب البديع العجيب إلخ.
وأمـا التقريظ الثاني فيقول في كتابه:
بسم الله الرحمن الرحيم ،
أمـا عبد فقد قرأت جميع هـذا المختصر الجامـع ، فإذا نور الشريعـة من مبانيه ساطـع جمع مشهور الفقه ومأثور السنن في أوضـح بيان وألطف سنن  قـرب غرر المسائل لسائليهـا وتحرى الصواب في غرر الأقوال لقائليهـا فجزى الله مؤلفـه عن الـذي صنع خيرا  ومنـع به وعنه ضررا وضيرا، وحفظه للمسلمين وشيد به أركان الدين آمين والحمد لله رب العالمين.
ومن خـلال هذين التقريظين الدقيقيـن الهادفين إلى تحديد موضوع الكتـاب وغلى الطريقة المثلى في تأليفه يتبين لنا أن المولى محمد بن عبد الله بذل مجهـودا موفق، وأنه كان حريصا على تتبع مصادر الأحكام الشرعية من القرآن والسنة وأنه نقل أقوال مشاهير الفقهاء وأشار إليها سواء أكانت متصلة بغيره من غير أن يظهر تعصبا أو أن يرفض تأِويلا اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بمصالح العباد بعضهم مع بعض فإنه لا يقبل التخير ولا يستسلم للتأويل خشية من الظلم أو التعدي أو البهتان.
وإني رأيت بعد هذا العريف بمضمون كتاب طبق الأرطاب أن أتعرض بصفة موجزة إلى وصف إلى وصف هذه النسخة الخطية التي تتحدث عنها فهي مكتوبة بخط مشرقي لم يضع ناسخا زمن النسخ مقاسها (21×31) وأما مسطرتها فأربعة عشر سطرا تجليدا جميلا ومنقوشة بماء وفي مطلعها ملون جذاب كتبت عناوينها بالمداد الأحمر وقد غفل الناسخ كتابة عنوان فصل من الفصول وترك بياضا وهو الفصل المعنون بفرائض الصلاة (14 ) وقد أصيبت بعض أوراقها بتآكـل ناتج عن الأرضة كما أصابت الرطوبة بعض صفحاتها.
أما الخط فواضح جميل إلا أن الناسخ قد يخطئ أحيانا في رسم الكلمات خطأ لا يخفى على القارئ النبيه وإن المقابلة بين هذه النسخة وبين كتاب الفتح الربـاني المطبوع قد تساعد على تصحيح الكتابين معا خصوصا لمن سيتولى طبع هذا الكتاب طبعا محققا وما أحوجنا إلى من يقوم بذلك فليس هذا الكتاب من الكتب التي تنقضي فوائدها بانقضاء زمان تأليفها بل هو من الكتب رائع يجمع بين صحة الجانب الموضوعي وجمال التعبير عنه ولقد وجدت نفسي مرتاحا إلى الحديث عنه في مناسبة عيد العرش السعيد إشعارا لهذه الدولة العلوية من مزايا ولما لها من فضل في نشر العلم وتشجيع أهله.
 
  (1) الصفحة الثانية من المخطوط حسب الترقيم الداخلي الموضوع بلم الرصاص.
  (2) صفحة 41.
  (3) صفحة 55 من نفس الكتاب
  (4) نفس الصفحة.
  (5) نفس الكتاب، ص 113.
  (6) نفس الكتاب، ص 123.
  (7) نفس الكتاب، ص 147.
  (8) نفس الكتاب، ص 181.
  (9) الفتح الرباني، ص 49.
  (10)رواه مسلم وقد روي موقوفا ، أنظر كتاب المحرر في الحديث في بيان الأحكام الشرعية للحافظ أبي عبد الله محمد الـقدسي، طبعة المكتبة التجارية ، مصر ، ص 113.
 (11) طبق الارطاب ص 216.
 (12) نسب الأزهار اليمنيـة على الأنوار السنية للقلماءي ، مطبعة السعادة بمصـر، ص 75.
  (13) طبق الأرطـاب ص 246.
  (14) نفس الكتاب صفحة 101 وقد اهتدينا إلى العنوان المحذوف من كتاب الفتح الرباني صفحة 28,

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here