islamaumaroc

سبتة في تاريخ المغرب القديم والحديث

  دعوة الحق

27 العدد

سبتة مدينة بشمال المغرب يسكنها ما يقارب ستين ألفا من الاسبانيين ويقيم بها وبالقطاع التابع لها ثلاثة عشر ألفا من المغاربة المسلمين. وهي تابعة لمدينة الجزيرة الخضراء في مجال القضاء وتوجد بها كنيسة يقوم عليها أحد الأساقفة. وتعتبر من مقاطعة قالص التي هي إحدى المقاطعات الاسبانية الخمسين. فما هي هذه المدينة ذات الأثر القوي الفعال في تاريخنا القديم والحديث وما هي مكانتها في ذلك ؟.
قال الحجاري في «المسهب»
«أول من سكن بر العدوة وبر الأندلس من ولد نوح بعد الطوفان سبت وأندلس ابنا يافت بن نوح. فنزل في آخر المعمور من بر العدوة وبنى له منزلا في موضع سبتة فدعيت باسمه». وقيل أنها سميت سبتة لانقطاعها في البحر لأن سبت النعل يعني قطعه. وقد قال ابن عذاري المراكشي في «كتاب البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» لدى الحديث عن فتح الناصر لدين الله الأموي مدينة سبتة «أنها توجد على بحر الزقاق من بر العدوة التي هي نظام باب المغربين ومفتاح باب المشرقين. وهي على ما قيل مجمع البحرين قاعدة البر والبحر واللؤلؤة الحالة من الدنيا بين السحر والنحر».
أما موقعها بالتدقيق فهو عند تقاطع خط العرض 35 درجة و53 دقيقة و3 ثوان المار شمال خط الاستواء مع خط الطول 7 درجات و33 دقيقة و20 ثانية غرب غرينوش. وهي واقعة ضمن قبيلة أنجرة كما يتبين ذلك في الخريطة المتضمنة للقبائل الواقعة بأقصى الشمال. وهي شديدة التأثر بالرياح التي تهب على البوغاز. أما العدل السنوي للحرارة فلا يتعدى 16 درجة مئوية وأربعة أخماس بينما المعدل السنوي للأمطار 591 لتر للمتر المربع الواحد وأربعة أخماس أيضا(1).
وإذا نحن انتقلنا من هذه النظرة الجغرافية إلى التاريخ وجدنا أن فتح سبتة كان على يد موسى بن نصير الذي اختلف في السنة التي ولي فيها افريقية والمغرب وإن كانت سنة 87 هجرية هو القول الراجح.    
فقد خرج موسى غازيا وتتبع البربر وقتل فيهم قتلا ذريعا ثم توغل في جهة المغرب حتى انتهى إلى السوس الأدنى على قول صاحب «الاستقصا». ثم تقدم إلى سبتة فصانعه صاحبها يوليان الغماري بالهدايا وأذعن للجزية وكان نصرانيا تابعا للملك «لذريق» فأقره عليها. وقد ولى طارق بن زياد الليثي على طنجة فلما استقرت له القواعد بالمغرب أمر طارق بغزو الأندلس فعبر البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء فلما استقرت له القواعد بالمغرب أمر طارق بغزو الأندلس فعبر البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء فصعد الجبل المنسوب إليه يوم الاثنين 5 رجب سنة 92 التي وافقت السنة الحادية عشرة من القرن الميلادي الثامن.   
وكان سكان سبتة إبان فتحها بربرا أو متبربرين نصارى فدخلوا في الدين ودخلت سبتة معهم في عصر الازدهار والرقي وأصبحت دار علم وأدب وحضارة واقترن وجودها بعصور العز في تاريخ الوطن. يقول الأديب أبو الحكم مالك بن المرحل في مطلع قصيدة مشهورة له.
ســـلام علـــى سبتـــة المغــرب
                              أخيــــة مكـــة أو يئــــرب
قـال لســان الديــن بــن  الخطيــب
                               حييـت يـا مختـط سبـت بـن نـوح
بكــل مــزن يغتـــدي أو يـــروح
                              بكـل مــزن يغتـــدي أو  يـروح
مغنـى أبـي أفضــل عيــاض الــذي
                              أضحــت بربــاه ريــاض تفـوح
وقد ولد القاضي عياض بمدينة سبتة في النصف من شعبان عام ستة وسبعين وأربعمائة.
وتعرض لسان الدين بن الخطيب لسبتة في «مقامة وصف البلدان» فقال :
«قلت فمدينة سبتة ؟. قال تلك عروس المجلى وثنية الصباح الأجلى. تبرجت تبرج العقلية ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقلية واختص ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة... وهي خزانة كتب العلوم والآثار المنبئة عن أصالة الحلوم. إلا أنها فاغرة الأفواه الجنوب للغيث المصبوب عرضة للرياح ذات الهبوب عديمة الحرث فقيرة من الحبوب. ثغر تنبو فيه المضاجع بالجنوب. وناهيك بحسنة تعد من الذنوب. فأحوال أهلها رقيقة وتكلفهم ظاهر مهما ظهرت وليمة أو عقيقة. واقتصادهم لا تلتبس منه طريقة. وأنساب نفقاتهم في تقدير الرزاق عريقة ولا يفضلون على مدينتهم مدينة. الشك عندي في مكة والمدينة».
وقد ظلت سبتة على هذا الحال إلى أن أخذها البرتغاليون سنة تسع عشرة وثمانمائة. فقد نزلوا بها واستولوا عليها خدعة سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف عندما كان أبو سعيد بن أحمد المريني سلطانا على المغرب. وقد امتد حكم المرينيين من سنة تسع وستين ومائتين وألف إلى السنة الخمسين من القرن السادس عشر.
وقد قال شهاب الدين احمد بن محمد المقري التلمساني صاحب «أزهار الرياض في أخبار عياض» في استيلاء البرتغاليين على سبتة.
«وبعد أن بلغت سبتة ما ذكرناه من أحوالها وبقيت مدة آمنة من شرور الدنيا وأهوالها وأطلعت في سمائها نجوما كانت علومها للمردة رجوما كعياض المؤلف فيه هذا الكتاب وهؤلاء الشرفاء الذين لا يمتري ف يفضلهم ولا يرتاب. وبني العزفي المشاهير الذين برزوا في ميدان السبق على الخاصة والجماهير وحازوا رياسة الدين والدنيا وفازوا بالمكانة السامية والمرتبة العليا وغيرهم ممن لا يحصى كثره ممن كان لهم تقديم وأثره عدا عليها الدهر بعدوانه وسقط شرفا من إيوانه واستولى عليها العدو الكافر في قضية يطول شرحها وعظم على أهل الإيمان فرحها وأعضل أطباء الملوك إلى الآن جرحها ولم يزل بنفوس المؤمنين شجوها وبرحها».
وقد نجح البرتغاليون في صد الهجمات التي قام بها سلطان المغرب بمساعدة ملك غرناطة سنة 1418 لاسترجاعها. وظلت في حكم البرتغال إلى حدوث وقعة وادي المخازن يوم 4 أغسطس سنة 1578 التي صرع فيها الملك «دون سيباستيان» «فأصبحت البلاد البرتغالية من غير ملك وارث فورثها «فيليبي الثاني» ملك اسبانيا ودخلت سبتة بحكم ذلك الإرث في قبضة الدولة الاسبانية سنة ثمانين وخمسمائة ألف. وعند ما استرجع البرتغال استقلاله عام 1640 ظلت سبتة في ملك اسبانيا بمقتضى المادة الثانية من معاهدة الصلح المبرمة في لشبونة يوم 13 فبراير 1668.
ونحن في غنى عن القول بان البرتغاليين لم يكادوا يسيطرون على سبتة حتى طردوا جميع سكانها المسلمين وشرعوا في بناء الحصون من حولها وأحاطوا تلك الحصون والسوار بخنادق يجري فيها الماء فكان لها الأثر القوي والدور الفعال في صد حملات الاسترجاع وإحباطها. وقد برز الأسطول في إسناد الدفاع وضمان التموين خلال سنوات الحصار العديدة المتجددة. ونحن إذا نظرنا في التاريخ الاسباني وجدنا أن معاهدة الصلح المبرمة بلشبونة لم تنص على بقاء سبتة في قبضة اسبانيا بعد استقلال البرتغال إلا بعد إجراء استفتاء بين سكانها وإن معظمهم آثر الانتساب إلى اسبانيا فكانت تلك المشورة أول استفتاء جرى في تاريخ العالم كله.
 وقام المولى اسماعيل سنة 1693 بمحاصرة سبتة في ثلاثين ألفا من رجاله فضيق عليها الخناق دون أن ينال منها شيئا. وعندما قامت حرب الاستخلاف باسبانيا سنة 1701 عاد المولى اسماعيل إلى تجيد المحاولة فلم يكتب لها النجاح أيضا رغم استمرار الحصارة سبعة وعشرين عاما. كما لم تنجح المحاولات التي قام بها السلطان مولاي عبد الله سنة 1732 والمولى يزيد سنة 1790.
وعقدت بمدينة مراكش يوم 28 ماي 1767 معاهدة الصلح والتجارة بين المغرب واسبانيا. وإذا كان السلطان مولاي محمد بن عبد الله قد امتنع في هذه المعاهدة عن توسيع قطاعي سبتة ومليلية فقد اعترف بمقتضى المادة التاسعة عشرة بوجودهما وضمان كيانها.
وعلى إثر فشل المحاولة الأخيرة وقعت بمكناس معاهدة يوم فاتح مارس 1799 ثم أخرى بمدينة العرائش في اليوم السادس من نفس الشهر لسنة خمس وأربعين وثمانمائة وألف. وقد أقر المغرب في هاتين المعاهدتين الحدود السابقة لسبتة طبق المادة الخامسة عشرة من المعاهدة الأولى والمادة الأولى من المعاهدة الثانية.
وأخذت اسبانيا بعد أن نجحت في صد حملات الاسترجاع المتتالية وحمل المغرب على الاعتراف بوجود سبتة ومليلية في قبضتها والتزامه بضمان كيانهما تحرص على توسيع القطاع التابع لهما بدعوى تيسير الدفاع عنهما.وقد اتجهت السياسة الاسبانية نحو تحقيق هذه الغاية فادت إلى الحرب التي قامت منذ مائة عام والتي كان انهزام المغرب فيها سببا في قبوله لشروط مهينة منها توسيع قطاع سبتة في معاهدة الصلح المبرمة بتطوان.
كان العرف الجاري آنذاك يقضي باقتصار الاسبانيين على إقامة مراكز الحراسة في أكواخ خشبية. غير أنهم عدلوا عنه وبنوا بينا من حجر وحديد وجعلوا عليه شارة الدولة الاسبانية التي هي تاج يعلوه طيب. وغضب سكان الحدود من قبيلة أنجرة لذلك العمل فأقدموا على تدمير البيت وتلويث الشارة. وقد اشتطت الحكومة الاسبانية في الاحتجاج وطلب الاقتصاص من المسؤولين فقدمت طلبا بتنفيذ الإعدام في اثني عشر شخصا من رجال القبيلة على مرأى ومسمع من باقي سكانها وعلى مقربة من حدود سبتة حتى يكفوا في المستقبل عن مناوشة حاميتها. وكان من المنتظر أن لا تقبل الحكومة المغربية هذا الوعيد فادت هذه الاستثارة المدبرة على قيام الحرب التي عرفت بحرب السنين نسبة إلى نهايتها في هذا العام من القرن المنصرم.
تحرك الجيش الاسباني من سبتة وقوامه عشرون ألف رجل منظمين مدربين ولهم السلاح الحديث الوفير وجعل يسير محاديا الشاطئ مستعينا بحماية الأسطول البري له فتوجه نحو الفنيدق ثم إلى نجر أسمير. وقد سلك هذا الجيش طريقة الزحف بينما انتهج سكان القبائل المجاورة طريقة الكر والفر. وقد قال ابن خلدون «أن طريقة الزحف أوثق» عندما تكلم عن قتال سكان المغرب من عرب وبربر. وكان هذا الجيش بقيادة اللواء «أودونيل» واللواء «بريم» وظل تحت أمرهما منذ خروجه من سبتة إلى أن تم احتلال تطوان وإبرام معاهدة الصلح بها. وكان الجيش الاسباني يتابع زحفه على الخسائر الفادحة التي كان يصاب بها من طرف الجيش المغربي الذي كان بقيادة المولى العباس شقيقي السلطان، ولم يكن يتابع الزحف إلا بعد تحصين الأراضي المحتلة والعمل على استمالة أهاليها. وعزز زحفه بإنزال فصائل من البحر بشاطئ مرتيل فاحتل برجه ودار الجمرك به. وقد استقر عدة أيام بمدشر «القلالين» يضمد به جراحه ويركز صفوفه قبل الانقضاض على تطوان. ولما تحقق بعض المقاتلين من ظهور الإسبان عليهم انقلبوا على أعقابهم فدخلوا المدينة وعاثوا فسادا فيها بالسلب والتهب كما فعل بعض البدو من سكان احوازها فكان الاقتتال فيما بينهم مقدمة لدخول الجيش الاسباني وللشروط المرهقة التي فرضها على المغرب مقابل انسحابه. وقد كان في طليعة هذه الشروط أداء تعويضات تبلغ قيمتها عشرين مليون ريال وتوسيع قطاع سبتة وتخويل اسبانيا قطعة أرض على البحر المحيط لإقامة مركز للصيد بها.
فقد نص الشرط الثاني من معاهدة الصلح المبرمة في تطوان يوم رابع شوال 1276 الموافق ليوم 26 ابريل 1860 على :
«إن أرض سبتة المذكورة والمحدودة في الشرط الثالث يعطيها سلطن مراكش لسلطانه لكون الصلح دائما وأبدا وتثبت الصحبة بين الدولتين ويصفى الغبار بينهما».
أما الشرط الثالث فينص كما هو في أصل المعاهدة على :
«إن سلطان مراكش يعطي لسلطانة إصبانيا الأرض المذكورة وتكون تحت حكمها وتحت سلطانتها من البحر الذي يبدأ قريبا من الرأس من جهة الشرقي من المرسى الأولى التي تسمى بالعربية خندق رحمة من ساحل البحر الذي هو شرش سبتة من الواد الذي يتم هناك ويطلع على جنب الشرقي من البلاد حتى رأس الجبل المسمى بالإصبنيول الرنكاط وبالعربية جماع جامع برياش ومن ثم كيمشي على ذلك الطريق حتى تميل وتتفاصل على محاج من الحجار ومن ذلك العنق كيربط إلى جنب الجبل الذي يميل من جبل العنابت بالعربي والإصبنيول من جبال بليونيس. وفي ذلك العلوم هو الجبل الذي يذكر بالإصبنيول أزبل صكوند (ايسابيل الثانية) وبالعربية برج جامع برياش والبرج الثاني بالإصبنيول فرنسيكو ذي اسيس وبالعربية برج سيدي ابراهيم والثالث بالإصبنيول برج بنير بالعربية برج كدية ظهار الزنايدية والخامس بالإصبنيول برنسبي الفونسو وبالعربية برج واد أربات وكتتبع ذلك الواد حتى يخرج في البحر من جهة اللباش من مدينة سبتة وكتعمل هذه المواضع كنصف دائرة التي تمت في مرسى برنسي ألفونسو بالإصبنيول وبالعربية مرسة أريات الذي هو في ساحل البحر من جهة اللباش من مدينة سبتة. وهذه الراضي التي تبقى تحت حكمة سلطانة إصبانيا. أن الأرض التي تبقى بين حدود الجانبين هي من طرف الواد حتى رؤوس الجبال التي هي مقابلة من جانب البحر إلى الجنب الآخر من البحر ليس هي لمراكش ولا لإصبانيا مثل ما هو مذكور في عقد حدود سبتة».
 هذه هي مكانة سبتة المبرزة في جغرافية المغرب وتاريخه في القديم والحديث. وإذا كنا قد رغبنا في انتهاز هذه المناسبة التاريخية لنسوق الحديث عنها وكانت هناك اعتبارات هامة ف يصلبه فقد أردنا الاقتصار على ما سبق من المعلومات حتى لا نخرج به عن الصبغة التاريخية والعلمية التي اخترناها له وأفرغناه في قالبها.

(1) بحث «الحرارة والمطار بالإقليم الشمالي» نشرته مجلة «الأنوار» للكاتب ف يعددها العاشر الصادر في شهر فبراير 1949 مصحوبا بلوحة بيانية تتضمن السنويين لمختلف محطات الأرصاد بالشمال فجاءت النتائج المحصلة منسجمة ومكملة للخريطة المناخية التي وضعها مسيو «جورج رو» رئيس مصلحة الطبيعيات والمناخ التابعة للمعهد بالرباط سنة 1943 لما كان يعرف آنذاك بالمنطقة السلطانية وتم بذلك العمل توحيد المغرب من الناحية المناخية على الأقل في ذلك الوقت.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here