islamaumaroc

أبو اسحاق التادلي الرباطي

  دعوة الحق

27 العدد

أبو إسحاق التادلي هذه الشخصية تعد في طليعة الشخصيات العالمية اجتهادا وإطلاعا –فهو العلم النادر، والآية الكبرى في المضمار الثقافي، والحقل العلمي –فبعدما تغذت أفكاره بالمبادئ الصحيحة وتقعد في أسسها الهامة– عن رجال مصره -رباط الفتح- عاصمة المملكة المغربية طمحت نفسه الوثابة لإشباع نهمه العلمي تحقيقا لقول الرسول الأكرم صلوات الله عليه : (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا) فشد الرحلة إلى عاصمة العلم فاس الفيحاء ولازم أساتذتها طوال خمس عشرة سنة درس فيها كل ما كان يروج في أبهاء جامعتها الخالدة من علوم في الأصول والفروع، والمنقول والمعقول، والرقائق والفنون، ثم منها إلى مكناس حيث أزال ما علا بعض مقروئه من غموض والتباس.
وهكذا يرى الرجل كلما تقدمت به المعرفة إلا وتجددت مطامحه، وتضاعفت لذاته، فخطأ خطوات نحو الشرق العربي في تكرار رغبة في إرواء غلته، وإنماء معارفه آخذا عن أفذاذه الذين كان العصر ضانا بخلق نظائرهم في غير بقاع الوحي والهداية التي كانت إرجاؤها تعج بعباقرة المعرفة على اختلاف أشكالها وأفانين ألوانها.
 فعقب ما حصل الفقه أصولا وفروعا، وغدا مصدرا هاما من مصادر المذهب –تشوفت علميته الحرة لدراسة فقه باقي المذاهب غير قانع بمعرفة مذهبه المالكي الذي كان يعد الاقتصار عليه قصورا من رجال الثقافة- لهذه الظاهرة الغالية لم يقف جهوده الجبارة راضيا بمدارك مذهبه، واختلاف دراسيه رأيا ومذهبا بل حلق في أجواء باقي اختصاصات المذاهب إشرافا على الغابة التي يصبو إليها الأئمة في فهم نصوص الكتاب والسنة وتطبيقها على ما جد من حوادث وطرأ من نوازل، وهدف كل في وجهته التي أفرغ وسعه فيها رغبة في تحصيل علم أو ظن أثناء بحوثه.
ونجده في حال أخرى يدرس التفسير على أخصائيين من رجال الشرق تطلعا منه إلى الطريقة التي يسلكها المفسرون وفي تناول الآية الكريمة، وتحليل مفرداتها، ومعرفة ما تحمله فقراتها من معان قصد التوصل إلى إدراك المدلول الكلي للفاصلة القرآنية وما يجلب للبيان والإيضاح من نفس الكتاب أو السنة، ثم ما ينتج عن ذلك من استنباط واستفادة يلهمهما فقهاء النفس وأحرار التفكير الذين يستخدمون العلم مطبقين كلياته الأساسية لاستكمال لذة المعرفة، صادقين عن ترك القضايا جامدة خمة في الأذهان.
فأي قيمة يا ترى لقواعد العلوم يصرف الطالب في أخذها حقبا ليست بالقصيرة يضعها في زاوية الإهمال قانعا بمعرفتها معرفة سطحية غير عاملة.
فالمترجم التادلي في مراحل حياته العلمية يعد في الرعيل السابق لميدان الكفاح الثقافي الصحيح فلا تلفيه إلا واثبا وثبات نادرة لا يلوي فيها على غير الدراسة –من المغرب إلى الشرق ثم منه إلى أوربا يبحث علومها- ولغاتها فهو إذ حل باسبانيا طفق لوقته يشتغل بأخذ اللغات الأجنبية من فرنسية وانجليزية وتركية وفارسية وبربرية كاتبا حولها شارحا ما تحتويه تراكيبها من علم وفن وجمال، وليس في استطاعة أي مثقف أن يخرق هذا المسلك الوعر ويسلك مناهجه الشائكة دون أن يتوفر على مبادئ اللغة ويحذق مراميها تركيبا وذوقا ولو في إلمام قريب بمد لولات الألفاظ العلمية والاصطلاحية، في هذا الظرف الحاسم يرمي به ولوعه الخاص وقد ساعدته مذاهبه الخاصة إلى خوض غمار اللسان الغريب مستعذبا مشاق البحث الثقيلة في سبيل الوصول إلى غريب العلوم والفنون بواسطة اللغة، وليس هذا ببدع فإن الجهود الصادقة لا تكذب –فكم حصل المترجم في بحوثه من فنون- في الرياضة والجغرافية، وعلوم البحر والملاحة وحساب عروضه وأطواله وتقدير عقده، ومعرفة رياحه -غير واقف عند حد فهم ذلك وإدراك أسراره بل توفق في نفس الحال لتسجيل منتوجاته والتحرير حولها ابتغاء الشيوع وعموم النفع- طابع خالد عرف به التادلي منذ ما يقرب من سبعين سنة، ومما يزيد المستطلع على حياته تقدير شخصيته النادرة تلك الظاهرة الفنية التي جددها علماء الاستشراق أو تواطأ المترجم في معالمها مع بعض خبرائهم في الشرق والغرب الذين كانوا يتجردون للبحث ولو في التافه في نظر القاصر فهم كلما آدتهم خاتمة المطاف لحلول قطر من القطار إلا وخالطوا أبناءه عادة ولغة محللين كل ما يبدو غريبا عن مألوفهم بعيدا عن متناولهم، مقارنين ماله صلة بمتعارفهم ومحيط بيئاتهم فلا تمضي على الباحث أيام وأيام حتى بطلع على أمته بمجلد حافل بالمشاهدات والملاحظات يدهش لها المواطن الغافل مغرقا في الغرابة في حياء أمام إنتاج الأجنبي في ترابه ناعيا على نفسه جهلها بخيرات بلاده ومكنوناتها الغالية.
فعلى هذه الطريقة كانت بحوث أبي إسحاق واتجاهاته في رحلاته وتنقلاته يسجل في مذكراته ما يلفت نظره ويهز لوعته نحو الفن وجماله.
فهو شيخ الرباط والمجدد للقرن لا يبرح التوفيق حليفه في الكتب والتحرير خصوصا في جد العلوم ومفيد العموم –فنجده يكتب على (مزهر السيوطي) في علوم اللغة وفقهها، وهو ما هو اعتصاء وقوة فيحل مغلقاته، ويحلل مشكلاته بقلم سلس وتعبير سهل ما شئت في التذييل من أمثال وشواهد للبيان والإكمال يفتحان في وجه القارئ مغلق كل عويص يعترضه في تلقي اللسان العربي الذي كان خريج الثقافة يعجز عن حل ما اكتنز في مسالك فصوله، واختبأ بين أبوابه وسطوره مضيفا إلى ذلك عنايته الخاصة بمعجم الفيومي ومصباحه المنير موضحا ما أشكل، مستدركا ما فات واغفل –بحواشي قيمة ليتها حفظت وإلى جيلنا المتعطش قدمت.
ثم ليس الغريب مجرد الكتب على هذه المصنفات بل الغريب المدهش الإقدام على الخوض في ذلك وهو لا يتصور إلا من قدير عركته المعرفة وعركها وتجاذبا الأردن، وتراكضا الأفراس في الميدان –مظاهر غريبة امتاز المترجم بها عن معاصريه في العلوم والفنون والكتب عليها بما يزيح الستار عن مدفون فلزها المكنون ليصور لنا في ذات الوقت شخصية السيوطي ثاني مرة متقمصة في شخصه العالم فإذا كان السيوطي دائرة معارف القرن العاشر فشيخ الرباط التادلي معلمة هذا القرن ومجدده- بل آيته الكبرى في عصر النهضة الحسنية فقد بلغت تآليفه ما ينيف على المائة وعشرين تأليفا ضاع جلها ضحية الإهمال إلا بقية نثرت هنا وهناك –تلوح إلى بعضها : حواشي على المكودي غير مخرجة، وحواشي على تصريح الأزهري غير مخرجة وشرح على التسهيل والكافية لابن مالك وشرح على فريدة السيوطي لم يتم ورسالة في علم الاشتقاق وشرحها لم يكمل، وحواشي على المحلى، وأخرى على البيضاوي، وحاشية على الخرشي، وحواشي على المذاهب، وحواشي على الجلالين وأخرى على رسالة ابن أبي زيد، وحواشي على ملتقى الأبحر في فقه الحنفية، وحواشي على نظم الزبير لابن وسلان في فقه الشافعية، وشرح الكرة في علم التوقيت، وشرح الإسطرلاب، ورسالة في استخراج المواقيت- بحساب الجيب، وحاشية عن ابن الشاطر في علم التعديل، ورسالة في علم البحر (زينة النحر في علوم البحر) ورسالة في الموسيقى (أغاني السقا في علم الموسيقى) أسفرت عما كان عليه التادلي في دراسة الفن للفن لا سيما مارق منه كالموسيقى التي كان المجموع يزدريها ومتعاطيها معا جهلا بمضامين جمالها وما تنطوي عليه في عالم  الرقة وتليين الشعور بل وشفاء الأدواء والأسقام بما جدده العلم الحديث اليوم وأصبحنا نرى له المعاهد والمدارس مفتوحة ف يوجه عشاقه حتى كان ما حبس عليه من طرف إسلامنا للطب النفساني والعلاج العقلي لم يكن في يوم من الأيام تجري نغماته وألحانه في قاعات المارستانات بفاس وغيره.
وكان شيخه في الموسيقى هو الأستاذ حدو بن جلون الفاسي كما صرح به في ترجمة نفسه بقلمه، ولا أطيل بسرد باقي التحريرات والمصنفات، وقد أدرك رحمه الله سر الأساليب وأعاجيبها في التقريب على الإفهام والذهان فكان كلما وضع مؤلفا إلا وجعل منه ثلاث طبقات –ابتدائية، ووسطا، وعالية- شاعرا بتفاوت القارئ واختلاف مستواه حسبما يجري في بنود المناهج الحديثة اليوم محللا كل غموض تحتويه عبارات الأقدمين من رجال التصنيف، نعم إن هذا الاتساع في العلم وتلك القوة في التحرير والتأليف التي توفر عليها الشيخ التادلي لم أر له فيها نظيرا غير أبي زيد الفاسي صاحب الأقنوم، والسلاسة في علوم السياسة وهكذا، على أن مترجمنا قد امتاز باختصاصات ألحقنه بأكبر رجال الاستشراق كما ألمعنا له آنفا.
وقد أبهر علماء الشرق في دروسه وإملاءاته وقوة عارضته كما أشار لذلك الشيخ رشيد رضا في كتابه (إخاء أربعين سنة) ذاكرا أن شيخ الديار المصرية محمد عبده حضر بعض دروسه بالشام فكان من المعجبين به بيد أنه لاحظ كون الشيخ التادلي أفرغ تلك القوة في أبحاث لسانية قد لا يكون لها غناء في المجموع.
وتعرض لذكر جماعة من تلاميذه في مقدمتهم أبو حامد البطاوري في فهرسته، والشيخ الصوفي فتح الله بن بوبكر بناني في طبقاته، وأديب الرباط أبو العباس جسوس في كناشته، والشريف محمد بن الحسني في بعض تقاييده، والأستاذ الرياضي محمد المهدي متجينوش في بعض مؤلفاته، وكان له ف ي سلوكه مبدأ خاص ينطوي على مناقب شريفة، ومبادئ قويمة دعامتها الإيمان الصحيح، وطريقها الصراحة في الحق لا يحابي أحدا، ولا تأخذه في الله لومة لائم يصدع بالحق ولو على نفسه.

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here