islamaumaroc

فن الحياة

  دعوة الحق

27 العدد

لا يختلف اثنان في أن الحضارة الإنسانية ف يتقدم مستمر سواء ذلك في الميدان الفكري أو ا لخلاقي أو المادي فلو قارنا بين حياة أجدادنا وحياتنا نحن أبناء القرن العشرين لوجدنا أن الفرق مدهش يدعو إلى الاستغراب والتعجب. إن الموظف المتوسط الدخل في ظرفنا هذا يتمتع بعيش أرغد ورفاهية كبيرة توفرها له شتى المرافق الحيوية العصرية من راديو وتلفزيون ومغسلة كهربائية ومنازل ذات التدفئة المركزية شتاء والتكييف الهوائي صيفا أمر لم يكن موجودا في العصور الغابرة ولا عرفه الملوك والأمراء ولا حلم به إثراء العصور السالفة. هذه حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد وبرهان لو أمعنا الفكر امتيازات زمنه لا زال في شقاء وبؤس وضلال. فلو أحصينا الجرائم وقارنا بين حوادث الانتحار بالأمس لوجدنا الأرقام في صعود مذهل مفزع نكاد نستنتج من جراء ذلك أن الإنسانية في تقهقر وانحدار نحو الهاوية المحتومة، فعلماء النفس والاجتماع يعرفون هذه الحقيقة المؤلمة ومن الرأي الشائع عندهم أن تعقيد الحضارة يزيد في اضطراب الإنسان أو بعبارة أصح أن هنالك اختلالا في التوازن بين المدينة والحضارة أي بين متطلبات الشؤون والمصالح المادية وبين مقتضيات النفس والروح، ارتفاع الخط البياني في الأولى وصل إلى ما دون القمة بقليل والخط المقابل دون الوسط بكثير، إسراف هناك وتقتير هنا فهل من سبيل إلى استرجاع التوازن المنشود وهل من أمل في تحقيق السعادة للبشر تحقيقا عمليا أكيدا ؟ لا سبيل إلى استرجاع ما فات الإنسان من استقرار واطمئنان إلا بالسير حسب نظام معين مقنن. ومن الغريب حقا أن العقل البشري وضع القوانين والمبادئ الثابتة لكافة العلوم المادية ولم يتوصل بعد إلى نتائج جدية في العلوم الإنسانية؛ ربما كان السبب إن هذه معقدة متداخلة مائعة المضمون تختلف من فرد إلى فرد وطبيعة العلم الأساسية انه لا يقبل ما كان مشوشا مذبذبا ولا يضم في حضيرته إلا الواضح الشفاف العام الذي يشمل أكبر عدد ممكن من الحوادث والظواهر.
ولكن لنحذر الاسترسال في هذا المنطق ونستمر في التشاؤم إلى نهاية الطريق إلى اليأس من الإصلاح والوصول إلى حقائق لها بعض الاستقرار. لقد أصبح من المؤكد اليوم أن إدراك السعادة نفسها في متناول كل من له الرغبة الصادقة والمنتبه إلى أن السعادة هي في النمو الشامل لكافة الإمكانيات النفسية والجثمانية فمن يتعبد طول النهار ويهمل واجباته العائلية والاجتماعية لا يمكن أن يسعد في حياتهن ومن يمرن ويدرب عضلاته صباح مساء ويهمل تغذية عقله سيبقى إنسانا غير كامل فالنغمة الشجية تصح لحنا رائعا عندما يتكامل الوزن وتترابط أجزاؤه وهكذا نرى أن الحياة السعيدة مقدرة على النظرة الكلية الجامحة دون التفريط والإفراط، ثم السير في الطريق بوعي وتبصر، إن هذا الرأي الأخير هو خلاصة الفكرة الموجهة لكافة المذاهب التربوية الحديثة التي بات شغلها الشاغل الإعداد للحياة وليس لفرع منها دون الآخر، ويحق لنا أن نتساءل الآن بعد هذه الإنسانية المثلى، ما هو الدستور الحكيم بعد أن ادعى الدعوان أن الحياة فن وعلم وليست ارتجالا أعمى ؟ بل أصحيح أن منهاج السعادة منهاج مستقيم والحياة دائمة التطور والتغير تتميز بالتبدل في كل حين ؟ فما كان صالحا لي لا يعتبر كذلك بالنسبة لمن خالفت ظروفه بيئتي وتربيتي ؟ لنحذر مرة أخرى هذه الفلسفة السفسطائية فإذا كان الخلاف حول التفاصيل فإن المبادئ العامة خالدة خلودالحياة والروح وإلا من يخالف في أن مراعاة القواعد الصحية ضرورة من ضرورات الحياة وأن العلم نور يهدي السبيل وأن الأخلاق الفاضلة عنوان الأمة الناهضة حقا، هذه الركائز الأساسية في كل فرد جدير بالحياة هي التي أريد أن أشير إلى بعضها بعد أن كثر القول حولها وأصبحت تشكل فيما بينها علما وفنا مستقلين.
فلو حاولنا أن نرسم مخطط الطريق لقلنا أن الحياة السعيدة هي التوفيق على الإجابة على أسئلة ثلاثة، من أين جئنا وإلى أين نذهب ؟ وكيف يجب أن نعيش ؟
أما عن بدأ الحياة فمشكلة فلسفية طالما تضاربت حولها النظريات : الإنسان الأول ألقى على نفسه هذا السؤال ولاشك أن الإنسان الأخير سيلقى على نفسه عين السؤال. ومن العلماء من يرى أنه لا داعي إلى البرهنة على قولنا، ولكن هل في إمكان العلم أن يحقق الإجابة على سؤال لا صلة له بالعلم ما دمنا لا نستطيع ويدفن إلى الأبد هذه الرغبة الدفينة فينا للوصول إلى حل لهذا السؤال الخالد ؟ إن حب اكتشاف المجهول لفطرة أصيلة في الإنسان سوف تبقى ما دام في الوجود. وخلاصة القول إن الذين حاولوا معرفة طريقة تكون الحياة طائفتان من العلماء : الماديون ورجال الأديان، أما العلماء الماديون فقد اشتهر منهم العالم الفرنسي لامارك وهو يرى : أن الخلية الأولى جاءتنا من الكواكب العليا في ظروف مبهمة لا نستطيع توضيحها اليوم، ويعتقد العالم الانجليزي دارون : أن الخلية الحية تكونت في أعماق البحار حيث توفرت لها شروط حرارية وكيماوية خاصة، وهذه الخلية توالدت وتكاثرت وخلقت سلسلة عديدة من الحيوانات البسيطة والمعقدة وكان آخرها الإنسان، فاصلنا إذا حيواني وليست لنا امتيازات مورفولوجية كبيرة عن الحيوانات الأخرى اللهم بعض الصفات العقلية وهي نتيجة تطور طويل للقرود وهي أقرب الحيوانات إلينا، هكذا يرى لامارك ودارون ولكن علماء آخرين يسألونهما من أين جاءت هذه المقدرة العقلية الخارقة عند الإنسان ولاسيما هذا الميل الأصيل للسعي نحو الكمال ونحن نعرف إن أذكى الحيوانات ليس لها شعور أو إحساس لا بالزمن ولا بالمكان ولا تدرك معنى النسبية وكان عقلها من طينة أخرى، إلا يدل هذا الفرق الواضح على أن العقل الإنساني فيه شرارة أو ومضة من قوة خارقة هي القوة الإلهية، حقا أن البون لهائل بين الإنسان وأذكى الحيوانات ولن توضح العلاقة التطورية إذا زعمنا القرود أقرب الجدود لبني الإنسان، وقد أصبح هذا الرأي هو المقبول عند كافة العلماء الطبيعيين اليوم على خلاف الرأي الشائع في القرن التاسع عشر. ومهما قيل فإن أصل الحياة سيبقى من تلك الأسئلة الفلسفية المعقدة والشيقة في نفس الوقت وإذا استقر الإنسان على حل من الحلول فإن التفكير في حياته الواقعية يكون كخطوة ثانية وهي الإجابة عن السؤال الخالد كيف يجب أن نعيش؟.
ليس من السهل الإحاطة بكافة النواحي الهامة في حياتنا القصير رغم عمقها وخطورتها ومن العبث أن نضع الدساتير المقننة لكل حركة نخطوها ولكن من الجائز أن نشير إلى بعض المبادئ العامة والتي قد تنير لنا السبيل إلى آخره، ولعل المبدأ الأول الذي يخطر على بالنا هو الذي يتعلق بصحتنا وسلامة أجسامنا فالذي يتألم من مرض عضال لا يستطيع أن يخدم نفسه بله مجتمعه، والأمراض الجسمية تؤثر على الشخصية وعلى السلوك ولها نتائج خطيرة قد تمتد إلى نهاية العمر مما يبعد أي أمل في تحقيق هذه السعادة المنشودة أننا نجد اليوم الأطباء يقدمون لمرضاهم مختلف النصائح حسب شخصياتهم ومقدرتهم على استنباط الداء ومع ذلك نرى تفسيراتهم لهذه الأمراض تختلف من طبيب إلى آخر ثم هي لا تؤدي إلي النتيجة المطلوبة، ومعنى هذا أن الطب لا يستطيع كثيرا إذا نحن لم نساعده على القضاء على المرض المزمن، ويجب ألا يأخذنا الغرور وتدعي أن الطب حائرا أمامها كالسرطان والسكتة القلبية والجنون وأمراض الكبد ولعل دواءها الأول والمتناول للجميع هو البساطة في الأكل والعيش كان نكثر من تناول الأطعمة النباتية والخضر الغنية بالفيتامينات ثم تقوية الناحية النفسية فينا كإرادة الحياة وحب الخير والتفاؤل الدائم فإن هذه كثيرا ما تدفع عنا الأمراض السالفة وكثيرا ما يكون الحسد والحقد واليأس والحسرة عوامل أساسية في استبقاء الأمراض في أجسامنا لأن هذه سموم دفينة تجعل الدم يتبخر والغدد تضطرب والتغذية تختل.
فسلامة الجسم إذن خطوة هامة نحو النجاح والسعادة ولكن السعادة هي أولا وأخيرا أحسن تفكير وتدبر، وعلماء النفس يؤكدون هذه الحقيقة وهي أن حياة كل إنسان نتيجة تفكيره وان العقل هو الذي يحرنا وبوجهنا ويحفزنا نحو العمال الجليلة والحقيرة فالأفكار طاقات تسبب أعمالا، وإذا كانت لحيوانات تفكر نتيجة لشروط فيزيولوجية وكيماوية فإن الإنسان فقط هو الذي يستطيع أن يفكر بصفة حرة فيحلل أعماله ويكيف ذاته حسب الظروف والمناسبات. والتفكير الجيد تربية نفسية ذاتية وحياتنا انعكاس لحسن هذه التربية أو لسوئها، فحياتنا إذا مجموعة أفكار، ولكن هذه الأفكار هي ماذا ؟ من أي شيء تتألف ؟ وما مضمونها ومن أين أتتنا ؟.
إن أفكارنا بكل بساطة ذكريات ما فعلنا وخلاصة انطباعاتنا وأحاسيسنا الماضية ومختلف المؤثرات التي تلقيناها أو محصلة ما قرأناه في الكتب والمجلات أو سمعنا من زيد وعمرو. وأفكارنا هي بتعبير آخر ماضينا، ماضينا نحن وماضي أجدادنا وآبائنا إذ الوراثة لها دخل هام في تفكيرنا، وفن التفكير هو إلا نترك في عقولنا إلا ما نراه مجديا مفيدا جديرا بالاحتفاظ، لقد تعودنا اختبار الأطعمة والملابس وترانا نلح في تفضيل صنف على آخر فيا حبذا لو كان لنا هذا الحرص فيما يعود إلى الأفكار بأن نختار الكتب القيمة والأفلام المفيدة والأصدقاء الذين يقدمون لنا تجارب حية، ثم إن شحذ هذه الأفكار وتنظيمها واستغلال قوتها هو عمل صرف للتربية فإذا كانت التربية موفقة كانت الحياة غير عرجاء وإذا ساءت فاضطراب وحيرة وشقاء.
بقيت كلمة أخيرة وهي التي تتعلق بالأهداف والغايات وقد ذكرت في بداية الكلام أن الحلقة لن تكون تامة إلا إذا أدخلنا العنصر الأخير على الفكرتين الأوليتين : من أين جئنا وكيف نعيش وإلى أين نذهب فلن نكون سعداء حقا ما لم نهدف إلى مرمى محدود واضح، وستتصف حياتنا بالعشوائية والفوضى إذا عشنا ليومنا فقط ولم نحسب الغد والمستقبل وما لم نحيا في سبيل غاية كخدمة الوطن ونصرة الحق ونشر الفضيلة، أن قيمة الإنسان حسب مرماه في الحياة وشأنه شأن مبتغاه فإذا جعلنا الغايات نبيلة سامية كنا كذلك ومن ينظر إلى ما دون الأرض سف ونزل إلى درك من منزلته.
إن الحياة لفن رفيع وقد مضى العهد الذي كانت فيه حياة البشر تسير  دون تبصر ووعي والعالم العربي والإسلامي يتأهب لانطلاقة كبرى وسوف يسمعان صوتها بشرط أن تكون حياتها قائمة على أسس من العلم والعقل لا على الارتجال والجهل.
   

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here