islamaumaroc

سيمفونية الربيع

  دعوة الحق

27 العدد

... وذات صباح من مقتبل الربيع انطلقت فراشة بيضاء الجناحين كالياسمين، في جيدها جوهرة، لها عينان خضروان ضياؤهما من قمر، وبخفين أزرقين، كتلكم الخفاف الحريرية، التي يرففن بها الراقصات في انسياب مجنح، تطير فيه الأقدام، أكثر مما تمس الأرض...
انطلقت كأطفال الملائكة، تنساب خلال الزهر، والمسارب المشجرة، ومتسلق النبت العميم، وكانت غشاوة من الأنداء المتبخرة تتماوج كالأطياف الحالمة، هناك اتخذت الفراشة سبيلها إلى النور، فيما وجدت من راحة الانتشار، بين تلك الخيوط المنتفضة من الشمس، وبين الظلال، وهناك تهاوت هكذا، كورقة ضائعة، من خريف، بما تساقط على جناحيها من الرذاذ ها هو فارسها الجميل، من مملكة الفراشات يخف لإسعافها، ويمدد قدميها للشمس، ليشع الدفء فيهما وهذه إحدى وصيفاته، وتدعى «زهرة القمر» تحضر قطرات الدفء، من عطر يدعى «عطر الصيف» أتت تحمله في زهرة الأجراس، وأفرغته حبات وضيئة، منهمرة على قدميها المتصلبتين، لأن هذا أول أيام الربيع، وستشقى الأميرة البيضاء إذا هي لم تشارك في سيمفونية الربيع، بالرقص على أطراف قدميها، فوق البحرية.
وكانت أنفاس الربيع تسري هائمة، لا تفتر عن الهبوب طرفة عين، فتشعر كل شيء بوجودها، حين استيقظت الفراشة، ودفء الحياة المتوردة يسري في قدميها، وقالت:
- «ألا ليت لي صدرا واسعا، إذن لطويته على كل نسمة تعبر هذا السهل، ولكن هذه الغشاوة ألا تزال منتشرة ؟ إنني بحاجة إلى الرقص، فالراقصة تشقى إذا هي كفت عن الرقص، كذلك الطيور الطليقة ينال منها الحزن، إن سجنت في الأقفاص، آه ! ثم انطلق صوتها يتعالى بالإنشاد: 
                                                                              في قلبي فرحة هائلة
                                                                              سأقولها للربيع
                                                                              لذا أتوق لرؤياه
مكان عرض سيمفونية الربيع :
الزمان الآن وقت الضحى، والإشعاع لا يزال فاترا موردا، روابي مخضرة، هنا وهناك، وزهور نضرة، غارقة في شعاع الشمس، فهناك القرنفل الأحمر، والأبيض، والنرجس، والسوسن، والأقحوان، والزنبق، والنسرين، وزهر اللؤلؤ، والفل، والورود الذهبية والبيضاء والحمراء، وزهور «الداليا» و«الجلاديولن» و«الأوركيديا» و«الأرذبون» ومن وراء ذلك تتعالى ذرى الجبال، المجللة بالغاب، وبكل روعة وجمال وفي أعماق الوادي تتلألأ أمواج البحرية، كلؤلؤة من الندى الأزرق، وقد استغرقت على وجهها زهور «اللينوفار» كأنها تفكر، أو تتمنى، ومن حين لآخر، يرتعش وريقها المشرع، كلما هزته أطواق متلاحقة من هادئ الأمواج..
كما تقوم في وسطها استراحة ذات أعمدة من المرمر الأبيض، تعلوها قبة بيضاء، تحوم وترفرف فوقها أسراب الطيور.
أما أفراد «الأوركسترا» من مختلف أجناس الطيور، فقد تجمعوا فوق أعالي الأغصان، هذه فرقة البلابل المصرية، ثم هم جميلون حقا في لباس التشريفات، قبعة عالية، وسوداء من الوبر، وسترة رمادية في ذيلها سواد، وهذه طيور الكنار في ريشها الأصفر المشبع بالبياض، وبصفاء تغريدها، أشبه بجموع صغار المنشدين في المعابد الدينية، لهم جميعا تغريد سماوي مصفى، له سيولة ممددة كأنغام الكمان، وهذا هو الأخ البوم في صمته الرهيب، المنبعث من عينيه الواسعتين، التي أدخل في روعنا أنهما نذير شؤم في الظلام.
وبين الحشائش الندية بجانب البحرية جثم الأخ الضفدع بردائه الأخضر القاتم، وبودجيه المنتفختين وقد وضع على عينيه البليدتين نظارة أميريكية، ليتمكن من متابعة قراءة «النوتة» قراءة صحيحة، حتى لا يحدث نشاز في تقسيم الأنغام في سيمفونية الربيع، لضعف ذاكرته، وللحشرجة التي كثيرا ما تأخذ بخناق صوته ولا يكون له قبل بتلافيها، إن توقيع الضفدع له وقع جميل ولهذا لا يجمل بنا أن نحط من قيمة صوته، ومشاركته ببوق النفخ في التقسيم العام، فلكل شيء جماله، ولو كان في عرفنا العقيم معدودا في جانب القبح.
لقد انجلت الآن غشاوة الضباب، فظهرت البحرية غارقة في شعاع بنفسجي، آتيا من فجوات الجبال، والظلال، وأخذ يتساقط على وردة جميلة حمراء، كان وريقها المطبق، ينفرج شيئا فشيئا، إلى أن ظهرت من خلاله الأميرة الفراشة البيضاء، في وضع يعبر عن «الحب الخاضع» خاشعة الرأس، في اتجاه ما انثنى من ركبتها اليمنى، ويديها مسبلتين على طرف قدمها، أما القدم اليسرى فمنثنية إلى الخلف، ها هي الآن أخذت تتمدد إلى أعلى، كأبخرة سحرية، تتلوى في ضوء القمر، ومن استمع إلى افتتاحية «توكانا» لـ «جوهان باخ» فإنه سيعلم أية أنغام كانت الأميرة البيضاء تساير إيقاعها، وانسابت -ومن ورائها أسراب الفراشات الملونة- إلى أن لامست بطرف قدميها وجه البحرية، وانطلقت فوقها، ما تكاد تلمس الماء «كأن في قدميها أجنحة، وفي ذراعيها أجنحة» وانطلق إليها أجمل الفرسان من الفراشات، رافعا شماله، ويمينه على قلبه، كما كان يفعل «كاروزو» مغني الأبرا، في أيام مجده الخالدة، وانطلق يغني:
في قلبي حب يدفعني إلى الغناء
                     لأن هذا هو الحب
لا يطيق الخفـــــــــــــــــــــاء

فتجيبه الأميرة :
هذه لحظة لنا فيها رغبة واحدة
                     هذا الربيع لنا فيه أمل واحد
أن نتحابا بلا افتراق
فيجاوبها فارسها الأمير:
فلك بابتهاج صوت من قلبي
                     فيه حرارة الشوق والدموع
وفي سبيل الإشادة بجمالك
                     أترنم بصوتي 
لأن هذا الحب
                     لا يطيق الخفاء

صوت الأميرة:
فكن يا حبيبي موضع حبي
                     ولا تفقدني أمل قلبي
هذا قلبي مريض
                     ويشفيه فريدا من حبك
فبربك اذكر موعدي
                     فهو فرحة قلبي
وضم رأسك لصدري
                     ودعني أشعر بقربك مني
وليكن بعد ما يكون
                     ما دمت بالقرب مني
ويمينك تعانقني

ومرة أخرى ترتفع أصوات الجمع العظيم «بسيمفونية الربيع»:
هذا وادينا أخضر اللون
                     مغيما بالزهور !
والسرو المنشور من سفح لواد
                     لن يروعك فيه عش مهجور
رب ؟ نضر مرابعه بالندى
                     واكس بالخضرة، ما يجرد الشتا
يا إلاه النور، والجمال.
                     غدا السحاب موردا في المغيب 
وارتفع الناي فانطلق القطيع
                     فلنطر يا رفاق للعش الدفيء
 ولنسبل بلا حذر جفونا
                     أعلى فأعلى إلى القمة
إلى عرش الشجر المنضور
                     فقد هامت أهوال الغيم مثقلة بالظلام
وثوى الزورق المكدود مطوي الشراع
                     فلنطر يا رفاق للعش الدفيء
ولنسبل بلا حذر جفونا
                     وحينما ينير الفجر المروج
حينما تهدأ الأصداء، ولا تموج
                     سنرشف رحيقا من زهر مطلول
لنرسل الغناء بنفس يسيل
                     فرحا بالضياء، فرحا بالربيع
ومرة أخرى تنطلق الأميرة البيضاء، فتلثم وجوه الزهر، وتشم رائحتها وترف هنا، وهناك، تريد أن ترى كل شيء، وتمتلك كل شيء، لأن عمر الفراشة قصير، كحياة الزهرة هذه اللحظة قد تكون نهاية بدايتها، فالطيور الشرسة تترصد لتنقض عليها، والأشقياء من صغار الأطفال كذلك يفعلون، وهكذا استنفدت الفراشة البيضاء ما في أعماقها من أشواق وسرور إلى أن ظهر موكب الشمس، في تلك العربة الذهبية، وهي مشرفة نحو منحدر المغيب، نحو تلك الزرقة المتصلة، بين البحر والسماء، وكانت البجع السوداء، والبيضاء، تنساب فوق وجه البحرية، كسفن شراعية رومانية، مبيضة القلاع، وكان المغيب متوهجا بحمرة مذهبة، كما لو كان هناك حريق هائل يندلع في غاب مشجرة، وكانت السحب الملونة تتجمع في المغيب، آتية من الشرق، تسري في سكون كمراكب شراعية تمخر العباب، وكوديان عميقة الأغوار، وشواطئ متعرجة، ينكسر الزبد المشرق على صخورها وكقطعان من الغنم، منفوشة الفراء....
وشيئا فشيئا تجمعت الظلمة، وسكن كل شيء.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here