islamaumaroc

الخبز

  دعوة الحق

27 العدد

«محمود البواب» رجل في الخامسة والأربعين من عمره كما حدثني منذ قريب، وهو يقضي يومه بباب العمارة يقلب بين يديه جريدة قديمة لم ترد أن تتغير، كما لم يتغير جلبابه الرمادي القصير، عرفته منذ سنتين، عندما دق على الباب ليقول :
- أنت الساكن الجديد ؟
- نعم
فابتسم قائلا : وهل أنت أعزب ؟
وأجبته في استياء : نعم
واتسعت ابتسامته، ثم رفع حاجبيه الغليظين وهو يقول : إنني بواب العمارة، وأرجو أن تعرف أن بجوارك عائلات كريمة لا تقبل بعض أعمال العزاب أمثالك، ثم إن صوت الراديو المنطلق من شقتك يزعجنا..
وتركني رافعا إلى رأسه في شكل تحية عسكرية، وعندما أطفأت جهاز الراديو في عنف، كنت مغتاظا من العمارة وسكانها وبوابها.
وانتهى أسبوع قبل أن أرى «عم محمود» من جديد، التقيت به هذه المرة بباب العمارة، ومررت به دون أن أحييه، ولكنه استوقفني قائلا :
- هناك رسالة في اسمك.
وأخرج رسالة من «قب» جلبابه، ناولني إياها وهو يقول : هل تعمل بالليل ؟
- نعم، وأنام بالنهار. قلتها في جفاف..
- هكذا تصورتك أول مرة رأيتك، أنك رجل يا أخي، ولا يضير الرجال نوع العمل وأوقاته.
واخرج من «القب» سيجارة أشعلها، ثم قال وهو محتفظ بعود الثقاب بين أصابعه :
- هل أقلقتك يوم طلبت منك مراعاة هدوء الجيران ؟
- لا، أبدا..
- هذا لا يهم، إنني بلغتك أمر السكان وكفى..
ورمى بعود الثقاب في قوة رفع يديه إلى رأسه في شكل تحية عسكرية مخبرا أن الحديث قد انتهى.
بعد ذلك وجدت رباطا من الصداقة يربطني «بعم محمود» البواب، وأصبحت أقضي معه بعض الوقت كل يوم في أحاديث لا تنتهي أبدا. 
وقد وجدته رجلا خبر  الحياة.. حياة الدروب المتسخة والأحياء المنسية في «قاع» المدينة، كما وجدته يحمل أفكارا أكبر منه، لعلها بعض الصدى الذي يصل الرجل الشعبي عادة من أحاديث الناس والإذاعات والصحف.
قال لي يوما : أنني اشتراكي شيوعي.
وابتسمت فعاد يقول : بوسعك أن تبتسم، ولكن.. يجب أن تثق أنني اشتراكي شيوعي مائة في المائة.
قلت : غنني لا أفهم الشيوعية الاشتراكية..
فمد يده إلى جيبي بلا كلفة، ثم أخرج منه علبة السجائر، وأخذ لنفسه بعضا منها، ثم ناولني الباقي قائلا:
- هذه هي حقيقة الاشتراكية الشيوعية، إنني لا أملك الآن سجائر، وأنت تملك كثيرا منها، فلنشترك أنا وأنت فيما تملك ولا أملك..
 وقهقهت هذه المرة لمفهوم الاشتراكية والشيوعية عند الرجل. وبعد أن أشعل سيجارة، عاد يقول :
- أترى إلى جلبابي، أنني مستعد لأن أجعله ملكا مشاعا بيننا إذا أردت، ولكنك لن تريد طبعا.. إن.. وسكت فجأة، فقد رأى صاحب العمارة الشيخ محمود، وهو قادم في خطاه المتزنة، وبيده «عكازه» الذي لا يفارقه أبدا. ومر بنا الشيخ دون تحية، «وعكازه» يضرب الأرض في نغمة واحدة متتالية، والتفت إلي «عم محمود» البواب ليقول :
- كم يكرهني
- لماذا ؟
أجاب وعلى شفتيه ابتسامة مزهوة :
- إنه يكرهني من أجل ابني رشيد وابنتي فاطمة، لقد حاول عدة مرات أن يصبح هو الآخر أبا بلا فائدة، ومرت زوجته كما مر هو بكل عيادات الأطباء، ودار لقمان على حالها.
- ألهذا يكرهك ؟
- وهناك شيء آخر، هو هذا الاسم المشترك بيننا، فهو لم يقبل قط أن أكون أنا «محمود» وهو «محمود» مع أنني مجرد بواب للعمارة التي يمتلكها، لذلك لا تراه يناديني إلا باسم البواب.
وأطفأ سيجارته في عصبية لم يكن هناك داع لها، ثم قال :
- أتعرف لماذا سميت ابني «رشيد» ؟
قلت : لماذا ؟
وعادت ابتسامة الزهو على شفتيه، ثم انطلق يشرح لي : أنا اشتراكي شيوعي كما قلت لك، ولا أرى أي معنى لأن تبقى الأسماء بالميز، اسم رشيد للسادة أصحاب العمارات والأملاك، والبواب مثلي لا يخرج عن الأسماء القديمة البالية، لقد كنت في هذا أول بواب خرج على القاعدة !
عرفته منذ سنتين، وكان يلبس نفس الجلباب الرمادي الذي أتاني به منذ أيام، بينما لم تتغير الجريدة الكالحة في يديه.
منذ أيام وجدته ينتظرني، وقد بدت علائم الاهتمام على وجهه، وعندما مددت يدي لتحيته، وجدته يقبض عليها في شدة، ثم قال :
- جئتك في أمر ذي بال
قلت : خيرا عن شاء الله.
قال : -كل الخير- إنما..
وأرخى يده في حركة استسلام، وبعد أن أخرج لسانه ليبلل شفتيه، وجدته يقول :
- لقد جاءني الشيخ محمود صاحب العمارة ؟
- لماذا ؟
- أراد مني أن أترك له ابنتي «فاطمة» ليتبناها إنني لا أستطيع ذلك.. فاطمة، الصغيرة التي لا تتجاوز السابعة من عمرها، لكم أحببتها..
- ولماذا لا تستطيع ؟
- ومن يستطيع أن يتخلى عن ابنته ؟
قلت ألست شيوعيا اشتراكيا ؟ أنسيت السجائر المقتسمة.. وحكاية الجلباب.
قال : ولكن الشيوعية لا تدخل في الأبناء أيضا، تكون الشيوعية في السجائر، في الأشياء التي لا علاقة لها بالروح، بالعاطفة، أما الأبناء، إنني لم أقرأ في «الجريدة» شيئا من هذا.
قلت ضاحكا : ولم لا تخرج عن القاعدة، وتكون أول بواب يفعلها، ويعمم الشيوعية حتى يدخل فيها الأبناء، أنك تملك رشيد وفاطمة، وهو لا يملك منهما شيئا.
ونظر إلي في عتاب حزين : ثم قال :
- جئت أطلب عونك، فإذا بك تعين الشيخ.. هل تريد أن أترك له فاطمة ليتبناها كما قال، ولتكون خادمة كما لم يقل ؟
وأجبته : إنني لا أقصد ذلك مطلقا، كل ما في الأمر انك أخبرتني عن شيوعيتك الاشتراكية مائة في المائة، وأريد أن توافق أعمالك مبادئك في كل شيء.. لأن..
وقاطعني صائحا : «الله يلعن الاشتراكية والشيوعية» أنا لست شيوعيا، أن عم محمود البواب.. أب فاطمة ورشيد، هل فهمت.. ؟
كانت أول مرة يصيح فيها منذ عرفته.. ثم ذهب.
وفوجئت به يختفي من باب العمارة أكثر من أسبوع، ثم يعود إليه ذات يوم، وعندما حييته، كان مكتئبا، ولم تكن الجيدة بين يديه.
قلت له : كيف الحال يا «عم محمود» ؟
- كما ترى ؟
- والأبناء ؟
- رشيد بخير، أما فاطمة، فإني لم أرها منذ يومين!
- هل... ؟
- نعم تركتها للشيخ، ليتبناها، لينتقم من شخصي الذي يحمل اسمه ف يجسمها الصغير..
- أترى.. إنه المبدأ الذي ينتصر ؟ إنك الآن شيوعي.. و..
قاطعني قائلا : ليست الاشتراكية يا ابني، إنها لقمة الخبز، لقد طردني الشيخ محمود عندما رفضت، وظللت أسبوعا أبحث عن عمل دون فائدة وأخيرا اضطررت لأن اترك فاطمة، أنها ليست المبادئ.. غنها لقمة الخبز.
وأحنى رأسه في انتكاس وهو يغمغم :
إنها لقمة الخبز.. لقمة الخبز!..

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here