islamaumaroc

المدخل إلى كتاب الحيوان للجاحظ -1-

  دعوة الحق

27 العدد

إن في التعارف بين الشعوب واقتباس كل من الآخر لنتائج غريبة وفوائد قيمة فإن لكل شعب خصائصه ومواهبه وتفكيره، وبالاتصال بين الشعوب وفتح الأجواء بينها يتسع أفق التفكير ويتشكل بأنواع من الكيف غريبة كما أن ابتعاد كل شعب عن الآخر وانكماشه في زاويته من رقعة الأرض مما يسبب ركود الأفكار وسئامة المعتاد، ووقوف تيار التجديد المنشط، وقد رأينا أثر الاتصال بين الشرق والغرب في عصرنا الحاضر وما أنتج من نوابغ وما هذب من أفكار وما ثقف من شباب وما أبرز من آراء انفتح بها أمامنا مجال واسع في المعرفة والإطلاع على أسرار الكون. ولقد فعل ناموس الامتزاج فعله في دولة العرب وفي عهد اتصالها بشعوب الأرض فاستمدوا من معارفهم وأفكارهم ما رتقت به حضارتهم إلى ذلك الامتزاج بعلمه الغزير وآرائه الموفورة نبصر فيها ما كان في ذلك العهد من معلومات وآراء ومواهب وإن من أقربها متناولا كتاب الحيوان فلذا كانت غايتي من هذه الكتابة الموجزة الكشف عما فيه من علوم كبرنامج لها أو كتوقيف على مواضعها لمن يحاول درسها دراسة واسعة والاستزادة منها والله الموفق سبحانه.

الوسط الذي نشأ فيه الجاحظ واستمد منه معارفه وتأثر به تفكيره: 
الجاحظ نشأ بالبصرة في العهد الذي بلغت فيه الحضارة العربية أوجها أو زخر فيه بحر العلم والحضارة بالعراق مهد الدولة العباسية بما انحدر إليه من روافد علوم الشعوب المختلفة وحضارتها المتنوعة في العهد الذي نقلت فيه إلى العرب علوم اليونان والفرس والهند وغيرهم من الشعوب التي دخلت تحت لوائهم ودانت بحكمهم، في العهد الذي امتزجت فيه شعوب الأرض المختلفة من عرب وفرس وسريان وغيرهم وتلاقحت معارفهم فأنتجت كل غريب واكتسى التفكير العربي حلة مزركشة تنطلق منها أشعة غريبة وزاد الجاحظ على ذلك بنشأته بالبصرة قبة الإسلام كما كان يسميها عمر ومحط رحال أهل الشرق والغرب من مجاهل الصين إلى مفاوز الصحراء الكبرى، بلدة جاشت بمختلف الآراء كما جمعت بين مختلف العناصر وانسجمت فيها الحضارة والبداوة وكما قال فيها الخليل بن أحمد :
زر وادي القصر نعم القصر والوادي                 في منزل حاضر إن شئت أو باد
تربه السفن والظلمات حاضرة                         والضب والنون والملاح والحادي
ولذلك نرى الجاحظ وقد اضطلع بمعارف واسعة واطلع على مذاهب متنوعة ودرس ذلك المجتمع الأفيح فئات منه بكل غريب وأفاده ذلك دهاء وحنكة في التفكير وبسطة في العلم والنظر الصحيح وشنف أسماعنا بأخبار العرب والعجم ومختلف المذاهب والنحل والذواق والعقليات فيقول مثلا عن الفرس أنهم أهل نفخ وتزيد وعصبية فيما يزيد في أقدار الأكاسرة وأنهم يحبون الأمن ويكرهون الورد لأن الورد لا يدوم والأمن يدوم، ويدرس دراسة عميقة ويحدثنا عن آراء أهل الهند فيه ويخبرنا عن ديانة الفرس وعن شيع المذاهب المختلفة.
وكتابه الحيوان وإن كان ألفه برسم الحيوان ووضع عليه عنوانه فهو في الحقيقة كتاب الحيوان وكتاب الأدب وكتاب اللغة وكتاب الشعر وكتاب أخبار العرب وبعبارة صادقة كتاب علوم شتى ودائرة معارف واسعة لعلوم العرب والعجم وفيه من علم الطبيعة والكيمياء(1) وعلم النفس وعلم الحياة(2) الشيء العجيب، وإن كان بالحيوان والأدب أمس وبدرس الحياة العربية أعلق، فإننا نراه يصور لنا حياة العرب في باديتهم تصويرا دقيقا ويصف حالتهم الاجتماعية وعقليتهم وأذواقهم من الكبير إلى الصغير ومن الجليل إلى الحقير من حروبهم إلى لعبهم من علومهم إلى مزاعمهم واعتقاداتهم وأوهامهم كزعمهم أن من علق عليه كعب أرنب لم تصبه عين وإن تعليق الحلي وخشخشة الخلاخل مما يفيق به السليم ويورد من أشعارهم الكثيرة الوافرة ما يسجل به تلك الأحوال والشؤون وتلك السجايا وتلك المزاعم، ومن الجدير بالالتفات أنك تجد كتابه هذا مادة قيمة لدرس الأمم في طور نشأتها وفجر تمدنها وبرزخ تطورها، وكما يجيد شرح حياة العرب وهم بين الشيح والقيصور يحدرون الإبل ويحترشون الضباب كذلك يحسن تصويرها بأسلوبه الرصين وإنشائه المتين وهم ملوك على الأسرة يتقلبون على طنافس الديباج ويتفيهقون بأراضي الخصب والرخاء، ويتمتعون بالفالوذج والجنيص، ويمعنون في نخوة الملك وبهائه، يذكر لنا أن جعفر بن سليمان أحضر على مادته بالبصرة يوم زاره الرشيد، ألبان الظباء وزبدها ولياها فاستطاب الرشيد جميع طعومها وسأل عن ذلك لما أخذته نشوة السرور فغمر جعفر بعض الغلمان فأطلق عن الظباء ومعها خشافانها حتى مرت تجاه عبن الرشيد ويحدثنا عن أمير المومنين المنصور أنه اجتمع لديه من الفيلة ما لم يجتمع لأحد من ملوك الإسلام ولاشك أن هذا مما قلدوا فيه ملوك العجم كان عند بعضهم ألف فيل تسجد لخروجه وكملك الصين الذي كتب لمعاوية وفي عنوانه من ملك الصين الذي على مربطه ألف فيل، كما نستفيد منه ما كان بين والمنافرة كاحتقار العرب للموالي وللفرس، والعجم للأنباط، يذكر لنا أن جران العود قرى ضيفه ضبابا فعيره ابن عم له يقول :  
وتطعم ضيفك الجوعان ضبا                  وتأكل دونه تمرا بزيد
وكان ابن عمه هذا يغمز في نسبه فهجاه جران بقوله :
فلــولا أن أصــــلك فارســــي                 لما عبت الضباب ومن قراها
 وهذه النبوة كانت في كثرة من العرب في العصر الأموي(3) وكان لها أثرها السيء وعاقبتها الوخيمة فبسببها كان خروج القراء مع ابن الأشعت(4) وبسببها نشأت الشعوبية وبسببها دكت أركان الدولة الموية وكان الحجاج ممن ينفذ هذه السياسة المبنة على الفرق العنصري المخالفة لروح الدين بعنف وقسوة(5)، وقد صدر مثل هذه الجفوة والنبوة من دولة الترك في جنب العرب(6) وكان لها أثرها السيء.
 النــاس كالنـاس والأيـام واحــدة              والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا

عود إلى الحديث عن الجاحظ:
إن تدقيق الجاحظ في النظر وتطويفه في الآفاق أكسبه التفاتا إلى الشؤون خاصة في الحياة وإلى أحوال اجتماعية دقيقة وإلى نفسيات غريبة ككون الإنسان إذا أزعج الفرار فر من شق الشمال وإذا قطعت يده لم يجد العدو، وكان ذلك من توهم السقوط وعدم وجود ما يتقي به، في أمور كثيرة تذكي شعورنا وتحركنا إلى الانتباه إلى شؤون علم النفس والاجتماع البشري يقول إن الفارسي إذا تطرف تساكت والنبطي إذا تطرف أكثر الكلام والرجل إذا ضرب بحضرة الأكفاء والأصدقاء والأعداء صبر بخلاف ما إذا ضرب في خلوة وإن الجبن يرى الجبان أن عدوه على رجليه أنجى من الركوب وليس في الأرض إنسان إلا هو يطرب من صوت نفسه ويعتريه الغلط في شعره وف يولده وترى في كتابه الشيء الكثير من سيكولوجية الحيوان ولا سيما في مباحث الديك والكلب والحمام، كل ذلك نستفيده من غضون العالم بعضه ببعض وإن تمام الحكمة في اجتماعه وأفاض القول في ذلك الجزء الأول في الرد على من عاب المفاضلة بين الديك والكلب ومن كلماته الذهبية به قوله : (فلا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل(7) وللأمور حكمان حكم ظاهر للحواس وحكم باطن للعقل والعقل هو الحجة) كما نرى منه عمقا في التفكير ودقة وفي النظر ولاشك أن ذلك نتيجة ما درسه من الفلسفة وما أرض فكره عليه من علوم عصره العقلية ولاسيما ما تلقاه عن أستاذنا أبي إسحاق النظام الذي هو عمدته في علم الكلام وقد قال (لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم ولولا مكان المعتزلة، لهلكت العوام من جميع النحل فإن لم أقل ولولا أصحبا ابراهيم وابراهيم لهلكت العوام من المعتزلة فإني أقول أنه قد نهج لهم سبلا وفته لهم أمورا واختص لهم أبوابا ظهرت  فيها المنفعة وشملتهم بها النعمة زيادة على ثقافته الفارسية التي حذقها من كتب ابن المقفع وغيره زيادة على مخالطته لكثير من الطوائف واتصاله بجميع الطبقات ودراسة أحوالهم ومعايشتهم دراسة الخبير النافذ البصيرة، كما يدربنا على تمحيص الأخبار وحكها على محك النقد ويقرر لنا أن التقريب غير الموجب ومن ثم قال ابن العميد : (إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا) فنراه يمحص الأخبار تمحيصا ويعرضها على محك العقل المألوف وكثيرا ما يورد الخبر الذي يعتقده مورد الشك والتبري من تبعته ومن غريب زهوة انه كثيرا ما يورد كلام صاحب الحيوان أو صاحب المنطق وهو أرسطو الحكيم اليوناني الشهير ويمزج نقده بشيء من التنديد والاستعباد وأرسطو هو أكبر وإن تفكيره أعمق ولما حكى كلامه في الخلق المركب المتلاقح بين نوعين قال : (وما يليق بمثله أن يخلد على نفسه في الكتب شهادات لا يحققها الامتحان ولا يعرف صدقها أشباهه من العلماء) وربما اعتذر عنه بغلط الناقل. ولا نستغرب هذه الظاهرة في دولة العرب التي كان تطورها فوق نواميس الكون فإن أمة نضج فيها مثل الجاحظ تفكيرا وتصنيفا ونقدا العلوم ونشأة التصنيف إلا زمن يسير مما يقضي بالدهشة ويحمل مثل الجاحظ على أن يندد بأعظم حكماء اليونان، وإني أرى أن الجاحظ أول من كتب في نقد الأخبار وتمحيصها في دولة العرب ثم جاء بعده بعصور الداهية ابن خلدون الذي وفي هذا الموضوع حقه من الدراسة في مقدمته التي لم يؤلف في دولة الإسلام مثلها.

(1) السيكولوجيا.
(2) من عجيب ما فيه من علم الحياة قوله ج 5 (الإنسان يحيى ويعيش حيث تحيا النار وتعيش) وقد حاول علماء الحياة (البيولوجيا) تقريب الحياة بالنار وتشبيهها بها واختلج بأفكار احتمال أن تكون معناها وكلامهم في ذلك معلوم..
(3) من المشهورين بها عقيل بن غفلة الجهني وكان جافيا ومن أخبار جفائه ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 1 ص 440 نقلا عن ابن قتيبة قال: خطب هشام بن اسماعيل المخزومي والي المدينة خال الخليفة هشام بن عبد الملك الذي قال فيه الفرزدق بيته المشهور :
ومـــا مثلـــه فـــي النـــاس إلا مملكـــا              أبـــو أمـــه حـــي أبـــوه يقاربـــه
خطب إلى عقيل بن غفلة ابنته فرده وقال :
رددت صـحفيـــة القــرشـــــي لـمــــا               أبـــت أعــراقــــه إلا  احمـــــرارا
يريد أن فيه شبها للعجم وعرقا منهم فلم يزوجه لذلك وكان هشام أبيض أشقر فهو مظنة أن يكون أعجمي الأصل والعرب تسمي العجمي أحمر انظر كتاب الكامل للمبرد.
(4) انظر الكامل لابن الأثير.
(5) انظر الكامل للمبرد وحال المنقوشين.
(6) الكلام فيها شهير ومن أفيده ما عند الزياني المؤرخ المغربي في الروضة السليمانية.
(7) في هذا الكلام التفات إلى الخلاف المعروف بين الفلاسفة في قضية المعرفة هل أساسها العقل والحواس ؟.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here