islamaumaroc

محمد بن عبد الباقي الزرقاني ومنهجه في شرح الموطأ

  دعوة الحق

222 العدد

لا عجب أن يعتبر الشهاب المرجاني محمد بن عبد الباقي الزرقاني من مجددي المائة الحادية عشر من المالكية فان ما تركه من آثار يشهد برسوخ قدمه و سعة علمه، فهو لئن كان من المتأخرين إلا أن آثاره تحشره مع العلماء الاعلام الذين خلد ذكرهم و انتشر بين الناس علمهم فاستفادوا منه و ارتكزوا عليه.
و انه لمفخرة الديار المصرية و مذهب السادة المالكية فان نهجه في البحث و سمته و سيرته وما خلفه من آثار يذكر بعلماء الخالدين الذين أقاموا القواعد و الأصول و محصوا الصحيح من السقيم اقتداء بإمامهم مالك بن انس رحمه الله الذي وطأ للناس موطأ هو أصح الكتب بعد كتاب الله، أتى فيه على أحكام الدين و أوامره ففصلها و بينها بهدي من سنة الرسول الأكرم عليه الصلاة و السلام و آثار أصحابه و تابعيهم رضي الله عنهم.

اسمه و نسبه:
هو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن احمد بن علوان الزرقاني المصري الأزهري المالكي أبو عبد الله و نسبته إلى زرقاء قرية من قرى مصر.

نشأته:
نشأ محمد بن عبد الباقي الزرقاني في جو علمي ابتداء من أسرته التي كانت أسرة علم، اشتهرت بذلك في الديار المصرية، عرفوا بالتأليف و التدريس و نشر أحكام الدين و أصوله، و هذه الأسرة ليست إلا واحد من عشرات أمثالها كانت تتنافس فيما بينها و تحرص على تربية أبنائها وتوجيههم وجهة علمية.
كان محمد بن عبد الباقي الزرقاني شغوفا بالعلم و العلماء منذ صغر سنه، توجه صوب كتاب الله فحفظه ثم سلك سبيل العلم المعروفة و المتبعة في زمانه و المتمثلة في تعلم مبادئ اللغة و العبادة ثم الانتقال إلى حلقات العلماء بالجامع الأزهر حيث المتون و الشروح و الأمهات في كل المجالات تدرس من طرف فطاحل العلماء في شكل حلقات لا ترتبط بشكليات روتينية، فلا حواجز بين المشايخ و طلابهم بل هي صلة دائمة تربط بينهم وحرص من الطرفين للنفع والانتفاع.

شيوخه:
تلقى محمد بن عبد الباقي الزرقاني عن والده الذي كان من علماء عصره البارزين.
و أخذ عن النور الشبرامسي و عن الشيخ محمد البابلي و عن الشيخ محمد بن خليل العجلوني الدمشقي و عن الشيخ عبد الله الشبراوي. كما أدرك الاجهوري و أخذ عنه. و كل هؤلاء من خيرة علماء زمانهم المشهود لهم بالإمامة و الرئاسة العلمية . لازمهم الزرقاني و استفاد منهم وأجازوه فخلفهم فكان خير خلف لأحسن سلف. ذكرت مجالسه و تأليفه و آثاره بالعلماء الأعلام و سرى على يديه في العلوم الدينية نفس جديد كانت في حاجة إليه.

تلاميذه :
و لما كانت هذه مكانته و تلك درجته فقد سعى إليه طلبة العلم من كل الأمصار و أصبحت دروسه ملتقى لكل الراغبين في الاستفادة و التحقيق العلمي الصحيح. و هكذا تخرج على يديه عدد كبير من العلماء الاعلام الذين تسلموا من بين يديه المشعل نذكر من هؤلاء الشيخ الشبراوي صاحب الثبت و الجوهري و السقاط و العشماوي و جميع هؤلاء من العلماء الذين اثروا بكتبهم وتأليفهم في مختلف مجالات العلم و فنونه المكتبة الاسلامية. و يرجع الفضل الى أستاذهم الذي علمهم و تخرجوا على يديه إلا وهو محمد بن عبد الباقي الزرقاني.

تأليفه و آثاره:
- كتاب: شرح موطأ الإمام مالك بن انس رحمه الله وهو الذي به اشتهر و عرف وهو مطبوع أثنى عليه كل من اطلع عليه و لمس ما فيه من علم و تحقيق و منهج سليم و سيتجلى لنا ذلك عند ما نعرض لنموذج منه و شرح لحديثه.
- شرح المواهب اللدنية وهو مطبوع.
- شرح البيقونية.
- أصول الأماني.
- و مختصر المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة للسخاوي وهو مختصر صغير.
و هذه العناوين المختلفة و بصفة خاصة شرح الموطأ و شرح المواهب اللدنية تبين سعة علم الزرقاني و منهجه في التحقيق و سعة أفقه و تشهد بإمامته و رئاسته العلمية.

شهادات العلماء فيه:
اعتبره الشبراوي بخاتمة الحفاظ.
و يرى الجبرتي في عجائب الآثار انه خاتمة المحدثين.
و عده الشهاب المرجاني في وفيات الأسلاف من مجددي المائة الحادية عشر من المالكية.
أما عبد الحي الكتاني فانه يرى إن آثاره الباقية تقف شاهدا على تجديده و تبحره.
و شرح الموطأ الذي بين أيدينا هو أهم ما كتب الزرقاني.
و سنترك المجال للزرقاني يبين لنا منهجه في الشرح:
(أما بعد، فان العاجز الضعيف الفاني محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني لما من الله عليه بقراءة الموطأ بالساحات الأزهرية، و كان الابتداء في عاشر جمادى الأولى سنة تسع بعد مائة وألف من الهجرة النبوية، بعد ما هجر بمصر المحمية، حتى كاد لا يعرف ما هو. كتبت عليه ما أتاحه لي ذو المنة و الفضل ، و إن لم أكن لذلك و لا لأقل منه ، لان شروحه و ان كثرت عزت بحيث لا يوجد منها في بلادنا إلا ما قل، و جعلته وسطا لا بالقصير و لا بالطويل، و أتيت في ضبطه بما يشفي للقواصر مثلي الغليل، غير مبال بتكراره كبعض التراجم لما علم من غالب حالنا من النسيان . ثم إني لا أبيعه بالبراءة من العيوب، بل هي كثيرة، لاسيما لأهل هذا الزمان، لكني أعوذ بالله من حاسد يدفع بالصدر، فهذا لله لا لزيد و لا لعمرو و الله أسأل من فضله العظيم متوسلا إليه بحبيبه الكريم أن يجعله خالصا لوجهه و يسهل بالتمام و ان يجعله وصلة إلى خير الأنام و أن يأخذ بيدي في الدنيا و يوم القيام و يمتعني برؤيته و رؤية حبيبه في دار السلام.
و حيث أطلقت لفظ الحافظ فمرادي ختام الحفاظ ابن حجر العسقلاني و الله حسبي و عليه توكلت ما شاء الله و لا قوة إلا بالله و كل أمري له أسلمت و فوضت) (1).
هكذا إذن يرسم الزرقاني منهجه فهو وسط لا تطويل فيه يمل و لا إيجاز فيه يخل.

العمل في صلاة الجماعة
حدثني يحيى بن مالك عن أبي الزناد عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فان فيهم الضعيف و السقيم و الكبير، و إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء (2) (العمل في صلاة الجماعة) (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي و خفة النون: عبد الله بن  ذكوان (عن الاعرج) عبد الرحمان بن هرمز عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إذا صلى أحدكم بالناس إماما (فليخفف) بالتمام.
قال بن دقيق العيد: التطويل و التخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا إلى عادة قوم آخرين، قال. و قول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع و السجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عنه صلى الله عليه و سلم انه كان يزيد على ذلك لان رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا.
قال الحافظ : و أولى ما اخذ به حد التخفيف حديث أبي داود و النسائي عن عثمان بن أبي العاصي "أن النبي صلى الله عليه و سلم  قال له أنت إمام قومك و اقدر القوم بأضعفهم" إسناده حسن و أصله في مسلم (فان فيهم الضعيف) خلقه (و السقيم) من مرض (و الكبير) سنا. قال ابن عبد البر: أكثر رواة الموطأ لا يقولون الكبير، و قاله جماعة منهم يحيى و قتيبة.
و في مسلم من وجهة آخر عن أبي الزناد "و الصغير و الكبير". وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاصي "و الحامل و المرضع" و له من حديث عدي بن حاتم "و العابر السبيل". و في البخاري و مسلم عن أبي مسعود "أن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فان فيهم الضعيف و الكبير و ذا الحاجة " وهي أشمل الأوصاف المذكورات، ثم الجميع به تعليل للأمر بالتخفيف، و مقتضاه انه متى لم يكن فيهم متصفا بصفة من المذكورات لم يضر التطويل لكن قال بن عبد البر : ينبغي لكل إمام أن يخفف جهده لأمره صلى الله عليه و سلم بالتخفيف و أن علم الإمام قوة من خلفه فانه لا يدري ما يحدث عليهم من حادث و شغل و عارض حاجة و حدث بول و غيره.
قال اليعمري: الإحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة فينبغي للائمة التخفيف مطلقا. قال: وهذا كما شرع القصر في السفر و علل بالمشقة وهي مع ذلك تشرع ولو لم يشق عملا بالغالب لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، و هنا كذلك (و إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) و لمسلم "فليصل كيف شاء" أي مخففا أو مطولا. و استدل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت. و صححه بعض الشافعية و فيه نظر، لأنه يعارضه عموم حديث أبي قتادة في مسلم "و إنما التفريط بان يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" و إذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل و مفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة تلك المفسدة أولى.
و هذا حديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، و أبو داود عن القعنبي كليهما عن مالك به.
و مما نلاحظه اعتناء الزرقاني بشرح و تفسير ألفاظ الحديث و تبيين غريبه و ذلك بالاعتماد على كتب اللغة.
كما يذكر الأحكام المستنبطة على مختلف المذاهب الفقهية و يرد على معارضي المالكية، كما انه يورد من الأخذ عن الشراح السابقين و خصوصا ابن حجر و قد أشار إلى ذلك  في مقدمته ونظرا الى ان الشرح أراده الزرقاني وسطا غير مطول فانه أعرض فيه عن الحديث عن الأسانيد و الرجال جرحا و تعديلا كما لم يشرح تراجم الموطأ التي لا يمكن ان تخلو من علم مفيد و اشارة سديدة.
و خلاصة القول فان شرح الزرقاني من الشروح القيمة التي خدمت الموطأ و قربته من القارئ فافادته إفادة جمة و هذا ما جعل الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي يقول:
قدمت شرحا متقنا مختصرا
                   جل المقاصد به محررا
وجدت ما شرحه الزرقاني
                    به و كان من أولى الإتقان
لكنه لم يشرح التراجما
                   و في الرجال ليس يشفي العالما(3)
و إذا كان لا يشفي العالم فان غير العالم يجد فيه المفيد السديد.
كانت وفاته رحمه الله سنة 1122 هـ ، أما ميلاده فقد كان بالقاهرة سنة 1055 هـ رحمه الله وجازاه عما قدمه خير الجزاء.

1) شرح موطأ مالك لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني ج 1 ص 3.
2) شرح موطأ مالك لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني ج 1 ص 409.
3) دليل السالك لمحمد حبيب الله الشنقيطي ص 61.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here