islamaumaroc

محمد المراكشي مؤسس مجلة الأنيس

  دعوة الحق

221 العدد

** للأستاذ الحاج أحمد معنينو صلات قوية برواد الصحافة بالمغرب. وفي هذا العدد يكتب لنا عن صحافي مغربي اختطفته يد المنون في عنفوان شبابه وقمة عطائه في العقد الرابع من هذا القرن. و(دعوة الحق) إذ تنشر هذا المقال، تسهم بذلك في  تسجيل مرحلة هامة من مراحل النهضة في المغرب من خلال تاريخ البدايات الأولى للصحافة الثقافية ببلادنا.

ولادته:
ولد محمد بتطوان عام 1344 هـ من أبوين محترمين، والده المعلم الشهير بتطوان عبد القادر المراكشي.
لم يكن والده قد رزق مولودا ولا مولودة قبله، ولما أنعم الله عليه بهذا الولد المبارك فرح كثيرا واعتنى بتربيته اعتناء كبيرا، ولم تكن حالته الصحية سالمة، بل كان فيه انحراف وضعف منذ الطفولة. وابتدأ تعليمه في «الكتاب القرآني» حسب الأعراف المغربية، وكان أبوه يتفقد أحواله، ويعتني به كثيرا، وبعد ختم كتاب الله .. قام والده باحتفال فخم بهذه المناسبة الشريفة، وتزود  بحفظ المتون، وشرع يتلقى مبادئ العربية والدين مدة ثلاث سنوات، ثم ظهر للوجود معهد مولاي المهدي بتطوان فانخرط في صفوف تلامذته وكان شابا نجيبا ومهيئا للمعرفة، داوم على الدراسة به بجد واجتهاد حتى حصل على الشهادة الابتدائية.
في هذه الأثناء تأسس المعهد الرسمي للدراسة الثانوية بتطوان، فكان المغفور له من أول المنخرطين الثانوية في سنته الأولى من الثانوي، تابع الدراسة حتى قطع المراحل الموجودة بهذه المؤسسة.
ولما تخرج منه تاقت نفسه إلى دراسة اللغة الإسبانية فتقدم من حينه للمدرسة الإسبانية «أكاديميا لاخنرال» بتطوان فعرض عليه الالتحاق بالمدرسة الثانوية بمدريد فالتحق أولا بالسنة الرابعة، وفي العام التالي بدأ يدرس مقرر السنتين الخامسة والسادسة معا، فكان يدخل للمدرسة على الساعة السابعة والنصف صباحا، ويخرج في السابعة والنصف مساء، وقد نفذ عزيمته رغم ما كان يشعر به من ضعف وانحراف في صحته، وتقدم للامتحان، ونجح في سنتين. فأعجب بذكائه النادر. وتفوقه جميع هيئات الامتحان التي تحضر خصيصا لذلك، من الجامعات الإسبانية على يد وزارة المعارف الاسبانية، والتحق بالسنة السابعة وهي الأخيرة. ولكن الإرشادات الطبية أشارت عليه أن ينقطع عن الدراسة لخطورة المرض. وانقطع فعلا تحت تأثير المرض الذي أصبح يشعر به. كان رحمه الله يستسهل كل صعب،  وكانت له عزيمة قوية، وهمة عالية. لذلك نجده في حياته الدراسية لا يكتفي بما يدرسه في الفصل. بل دائما يعمل جهده، ويتعرف على المعارف بشتى الوسائل، ويطالع بعض الكتب والمجلات ويتمرن على فهم سلوك الجرائد لأنه كان ذا اتجاه قوي لمهنة الصحافة فتتقوى معلوماته وتزدهر.
كما كان رحمه الله ذا مزايا إنسانية، مع أصدقائه وإخوانه فكان يعطف على الضعاف منهم، ويساعد الكثير منهم ماديا وأدبيا، ولا يبخل عليهم. كان يشتري لبعضهم لوازم المدرسة، وكل ما يلزم، وكان يرشد رفقاءه للصالح العام، والسلوك القويم، الذي كان من مميزاته. يقوم باكرا. ويقرأ الصحف ويزور أصدقاءه في بيوتهم ورغم بعد منزله بنحو ثلاث كيلومترات لم يسجل عليه تأخير في يوم ما. وبجده واجتهاده أصبح يحسن الكلام والكتابة والقراءة بعدة لغات العربية، الإسبانية، الفرنسية، الإنجليزية. وكان يستطيع أن يترجم من واحدة لأخرى بكل سهولة.

حياته العلمية:
في دراسته الابتدائية بمعهد مولاي المهدي ظهرت عبقريته ونجابته فعين أولا في عضوية الهيأة الاجتماعية. وانتمى لجمعية الأناشيد والتمثيل، وأصبح يحاول الاتصال بالخارج بواسطة المراسلات  والاعتناء بالطوابع البريدية حتى تكونت عنده مجموعة وافرة منها وأصبح يتبادل الطوابع البريدية مع شتى جهات العالم شرقية وغربية إلى أن عينته جمعية طوابع البريد بمدريد عضوا فيها، وحاول أن يكتب بالجرائد الإسبانية في موضوع الطوابع البريدية، وقد هيأ عدة مجموعات مختارة في دفتر خاص يقدمها هدية إلى الأصدقاء. وفي معهد مولاي المهدي أيضا شرع يشتغل بورقة يسجل فيها الأحداث والمختارات ويوزعها. كجريدة مدرسية.
وقد بلغ عدد المتعارف معهم بالشرق والغرب وأمريكا نحو 300 شخص وجمعية ثم أصدر جريدة خطية نصف شهرية بالمعهد يوزعها بكل ضبط، وكأنها جريدة قائمة الذات.
ولما انتقل للمعهد الرسمي سعى مع الإدارة في إصدار جريدة مدرسية تطبع بالمطابع كبقية الصحف، تعتني بشؤون الدراسة غير أنه كان ذا عقل ثابت يرشده إلى أشياء وكأنه يسرع بالأعمال المجدية لقصر عمره.
وعقب  تفرغه من الدراسة أنشأ مجلة «الأنيس».
كان رحمه الله صحافيا بالفطرة، ولما عزم على إصدار هذه المجلة اتخذها تجربة لحيوية الطلبة والشباب ينشرون أفكارهم وعصارة إنتاجهم، واختار اسم «الأنيس» وقدم طلبا للدوائر المسؤولة، وأصبحت تصدر شهريا، وقد سهر على نموها وازدهارها وتقدمها وانتشارها، ولمدة ثلاث سنوات متتابعة عكف على إصدارها في أوقات محددة، واكتسب كتابا ومراسلين من جهات عديدة.
لم يكن لهذه المجلة إعانة حكومية، بل يصرف عليها من مال والده الذي كان طوع إرادته في كل ما يريد، والحقيقة أن هذا الشاب كان عصاميا وعبقريا موهوبا نبوغا حادا كما كان ذا شعور بالمهمات وأداء للواجبات، وخلق جميع، وكرم وعفة. كان يهيئ نفسه لأن يصبح رجلا دبلوماسيا وسياسيا عظيما لم يكن يبالي بالصعاب، بل كان يقول: «لا صعب يقف في طريق العاملين المخلصين».
ومن أمانته إنشاؤه لصحيفة مدرسية مصورة للأطفال كما سعى في تأسيس مكتبة عربية وكان يؤمل أن يصدر مجلة عربية إسبانية غير أن أمله لم يتحقق حيث جاءه النذير.
أصيب في المدة الأخيرة بمرض صعب يتقوى به مرضه الأول الذي يصحبه منذ الصبا، وطرأ عليه فجأة فكان سبب موته، بعدما قام بجولة عامة لأطراف المغرب، وتعرف بكل جهة زارها بشباب وشيوخ وتعرف على مفكرين وشعراء وسياسيين وربط الصلات مع الجميع  لولا الموت الذي لم يمهله بل أخذه في عنفوان شبابه وطموحه بحيث اقتصر في المدة الأخيرة من مرضه على قراءة الصحف والاعتكاف على  تلاوة القرآن وختمت أنفاسه العطرة في يوم الأحد 5 شعبان الأبرك 1367 هـ موافق 13 يونيه 1948 م.
وقد رثاه الكثيرون من الأصدقاء الأوفياء وخصص عدد خاص من مجلة الأنيس الغراء لتأبينه بكلمات وقصائد. رحمه الله وأثابه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here