islamaumaroc

كفاح الجريمة والانحراف في التشريع الإسلامي -2-

  دعوة الحق

221 العدد

فهل نظر الإسلام إلى الجريمة من هذه الزاوية، هذه النظرة التفصيلية؟ نعم، وما دام القرآن الكريم دستور الأمة الإسلامية وقانونها الأساسي، فإنك لا تجد فيه هذا التفصيل والتفريع، لكنك تجده مفرقا في الأحاديث الصحيحة والوقائع القضائية والأحكام والفتاوي كفتاوي قاضيخان مثلا. وما رمز إليه القرآن الكريم في موضوع التوبة، يشير إلى هذه الناحية بوضوح لا يقبل الشك. فقد تقبل التوبة ممن تراجع عن جريمته وهي في دور الإعداد: «إنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم» (الأنعام 54). «من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم، إنه بهم رؤوف رحيم» (التوبة 117). «ومن تاب وعمل صالحا» (الفرقان 70-71). «فإن لم تفعلوا وتاب عليكم» (المجادلة 12).
كما تقبل التوبة ممن تمت جريمته وكملت: «فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما، إن الله كان توابا رحيما» (النساء 16). «إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا» (آل عمران 81). وفي موضوع التوبة على جميع صفحات الجريمة 98 آية في القرآن الكريم.
ولابد هنا من الإشارة للتأكيد، إلى أن الله تعالى يعتبر الشرك والكفر أكبر الجرائم على الإطلاق، أما الجرائم الأخرى فهي دونها مرتبة، لأن الشرك يتعلق بحق الجماعة الإسلامية كلها، وبالتسلسل التاريخي للاتجاه الإسلامي الإنساني، بينما القتل يختص بفرد أو بفئة قليلة، وليس الكل كالجزء في الحسبان1. وفي ذلك توضيح لما يقوله فقهاء القانون، من أن الجريمة قد تقع على شخص بعينه أو على فئة من المجتمع. أما الجريمة التي تقع على الأمة كلها، فلم يتحدثوا عنها كما تحدث عنها القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا، وإن كانوا قد أشاروا نحوها بالقانون الدولي الخاص، وبالقانون الدولي العام في العصور المتأخرة. لكن هل بحثوا اعتداء الحكومة على شعبها بالقتل والنفي والتشريد في سبيل توطيد حكم حزبي معين؟ هل أشاروا إلى جلد الحاكم كرامة أمته وشرفها وتطويعها لتحمل مذلة حكم أجنبي هو عميل له؟ هل أشاروا إلى اعتداء أمة على أمة بقوة السلاح لاستعمارها واستنزاف خيراتها؟ هل أشاروا إلى ضغط الدول القوية على الدول الضعيفة بمختلف الوسائل السياسية والاقتصادية لتهديم اقتصادها وتوقيف تقدمها وجعلها تابعة لهم، وهو ما يسمونه في هذا العصر «الإمبريالية»، وإذا كانت الدول الاشتراكية تسمى الدول الرأسمالية بالإمبريالية والرجعية، فإن هذه ترد لها الصفعة مرتين حين تسميها بالإمبريالية المدمرة للأخلاق والشرف والعقائد السماوية واستغلال اقتصادها لمنفعتها الخاصة ونشر العقيدة الشيوعية فيها بالقوة والتآمر والانقلابات العسكرية وغسل الأدمغة ... أما نحن فنقول للفريقين معا: «ملة الكفر واحدة».
كل هذا أشار إليه كتاب الله منذ أربعة عشر قرنا وحرم الاعتداء على الفرد: «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا» (المائدة 23). والفساد في الأرض يكون بالاعتداء على الحرمات الفردية والجماعية من أرواح وأموال وأفكار. ولذلك أباح قتل الباغين والمفسدين: «ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها» (الأعراف 56-85). «هل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض» (محمد 22). «إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد» (غافر 26). «ولا تبغ الفساد في الأرض» (القصص 77). «فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي» (الحجرات 9). «إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض» (الشورى 42). وعدد الآيات التي تتحدث عن الفساد والمفسدين في القرآن الكريم 58 آية. والآيات التي تتحدث عن البغي 38 آية.
والعقوبة ارتكاس اجتماعي ضد الجريمة، فهي نوع من الثأر والانتقام الاجتماعي الممثل بصورة قانونية، ضد من هز أمن المجتمع وقلقل هدوءه وزعزع سكينته بجريمته، أو هي نوع من التأديب للمجرم كي لا يعاود الجريمة ويندم على ما فعل. كما أن فيها عبرة لمن تحدثه نفسه بإجرام مماثل.
ونحن نعلم أنه لا يمكن تصور جريمة إلا من مجرم معتد ظالم، وآخر مظلوم مجني عليه. ومعنى هذا: أنه لا يمكن تصور جريمة إلا ضمن مجتمع، والمعروف أن الناس بطبعها تنفر من المجتمع القلق المضطرب، فهي إما أن تسعى لتهدئته مما فيه من اضطراب، أو أن تهجره إلى مجتمع آخر تنعم فيه بالهدوء والسكينة. والجريمة، إذا حدثت في أي مجتمع، تثير فيه قلقا وتبعث اضطرابا، ويكثر تساؤل الناس عما فعل المجرم، وعن الأسباب التي دفعته إلى هذا الإجرام، وعما فعلت السلطات في مقابلة هذا الجرم... هل قبضت على المجرم؟ هل استطاع الفرار؟ وكيف قدر عليه؟ وإلى أين كان مفره؟ هل قدم إلى المحاكمة؟ هل حكم عليه بعقاب يناسب جرمه؟ ... الخ. وتبقى هذه التساؤلات ثائرة حائرة متلاحقة، غذاء للقلق الاجتماعي حتى صدور الحكم ضده. عند ذلك تعود الناس إلى سكينتها وتستقر.
فالجريمة – كما رأيت- تعكر صفو المجتمع، وتقلقل هدوءه، وتشيع فيه الاضطراب ولا يستقر ويسكن حتى يصدر الحكم بالتجريم والعقاب.
والعقوبة –كما لاحظت- نوع من الانتقام الاجتماعي، أو هي ثأر المجتمع من الجاني، سواء أكان فردا أو جماعة. وفي القرآن الكريم عدد عديد من الآيات التي تصور هذه الفكرة. منها: «ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله، وذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق» (البقرة 61). «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب» (البقرة 179). «واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل» (البقرة 191). «... والفتنة أكبر من القتل أو كانوا يعلمون» (البقرة 217). «وإن قاتلوكم فقاتلوهم، كذلك جزاء الكافرين» (البقرة 191). «السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا» (المائدة 28). «الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهم رأفة» (النور 2).
وقد تشتد العقوبة حتى تصبح استئصالية، يقتل فيها الجاني جزاء ما قتل: «وكتبنا عليهم أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص» (المائدة 45). «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا، أن يقتلوا أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، ذلك خزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم» (المائدة 22- 23). وسنعود إلى بحث هذه العقوبة، حينما نتحدث عن وجهة نظر الإسلام في حفظ النفس.
والعقوبات في الإسلام ترجع إلى خمسة أصول هي:
1- حفظ الدين.
2- حفظ النفس.
3- حفظ العقل.
4- حفظ النسل.
5- حفظ المال.
والملاحظ: أن الفقهاء الذين صنفوا هذا التصنيف متسلسلا بهذا النمط، كانوا على وعي كامل بما أراده الله تعالى، فلو تتبعنا آيات القرآن الكريم لوجدنا الكثرة الكاثرة منها تهتم بحفظ الذين ثم بحفظ النفس... وهكذا دواليك حتى النهاية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بايعوني ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببرهان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف»2 . ويقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويؤتوا الزكاة»3، فانظروا كيف اتفق الحديث الشريف والقرآن الكريم على البدء بحفظ الدين، ثم يمشي فتتلوه الأمور الأخرى تنازلا حتى تبلغ المال، وهو أدنى شيء في الاعتبار بعد الدين والنفس.
وفي العقاب –كما لاحظنا- صفتان هما:
أ‌- تأديب الجاني على ما اجترم كأنما يثار منه المجتمع.
ب‌-  جعل عقابه عبرة لسواه ممن تسول له نفسه اقتراف جرم مماثل. وقد تعرضت هاتان الصفتان لبعض النقد، فقالوا: يجب ألا يكون العقاب ثأرا وانتقاما. لأن الجاني واقع بين أمرين: إما أن يقترف الجرم بدافع شخصي، أو بدافع اجتماعي. وغالبا ما يكون الدافع الشخصي ناتجا عن اهتزاز أو اضطراب في نفسية الجاني. أي قد يكون واقعا تحت تأثيرا خلل في تركيبه النفساني، فكيف نثأر من إنسان هذه صفته؟
أما الدافع الاجتماعي فناتج عن خلل في تركيب المجتمع الذي يضمنه، فكيف تنتقم من شخص واقع تحت ضغط الدوامة؟ ليس المجرم إلا آلة أديرت فدارت. فهو إذن: أجدر بالرأفة منه بالعقاب!!
وهذا منظور عجيب!! أنهم يفترضون المجرم آلة صماء، وينسون أنه بشر ذو عقل يفكر ونفس تحس، فلو قبلنا افتراضهم لانتفت الفائدة من العقاب بتا. فالانتقام من المذنب تأديب له وعبرة لسواه. هذا ما قبلته جميع الشرائع منذ وجد الإنسان والجريمة، قالوا: كيف يؤدب مذنب سفاك حكم عليه بالموت، إن عقوبته استئصالية تختم وجوده في الحياة نهائيا. قلنا: قد يبتر الطبيب العضو المغنغر لانقاد سائر الجسم من سريان المرض إليه، وكما تدين تدان. ألم يحذف بجريمته إنسانا بريئا من الوجود؟!
قالوا: كيف نعاقب إنسانا ليعتبر به سواه ممن لم يرتكب إثما بعد؟ فبأي حق نرعبه؟ قلنا: العبرة حاصلة على أي حال، فهي موعظة تابعة للعقاب لا أصيلة فيه، والعاقل من اعتبر بسواه، ولولا العقاب، لتفشي الإجرام تفشيا شنيعا في المجتمعات، وجعله جحيما لا يطاق.
قالوا: ومع كل قساوة العقاب، ومع وجود الحكم بالموت والسجن المؤبد وبالأشغال الشاقة وبالنفي والتغريب وبحصادة الأموال ... الخ فإن الإجرام لم يختف في المجتمعات حتى الراقية منها، بل لعله تزايد تزايدا ملحوظا في جميع أنحاء العالم.
قلنا: هذا حق، ولكن له أسباب اقتصادية واجتماعية وأخلاقية وسياسية، علينا أن نتدارسها بعناية، ونحن لا نحاول استئصال الجريمة بالعقاب، فذاك مستحيل، ولكنا نحاول التخفيف من حدتها والإقلال من شرورها. ولهذا وجدت المنظمات التي تدافع ضد الجريمة، واتجهت اتجاها سليما لجعل السياسة الجنائية اجتماعية، بعد أن كانت صرف عقابية.
ولو تتبعنا آيات العقاب في القرآن الكريم لوجدناها تتجه نحو هدفين اثنين في آن واحد، الأول: عقابي تأديبي، والثاني: محاولة لاستئصال الجريمة من أصولها. والأحكام –كما نعلم- إما آمرة وإما ناهية. فعصيان الأمر جريمة، وفعل المنهي عنه جريمة كذلك. فالجريمة إذن، تقع في إحدى حالين، إما امتناع عن امتثال أمر، أو فعل ما هو منهي عنه، أي قد تكون سلبية أو إيجابية. وأول ما يجب التنبيه إليه؛ أن المذنب هو وحده المسؤول عن ذنب لا يجرم عنه أحد سواه. جاء هذا المبدأ في عدد كبير من آيات القرآن الكريم لعل أشهرها قوله تعالى: «ولا تزر وازرة وزر أخرى» (الأنعام 164- الإسراء 15- فاطر 18- الزمر 7- النجم 12). وقوله: «واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا» (البقرة 48- 122). «لنا أعمالنا ولكم أعمالكم» (البقرة 129). «فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون» (آل عمران 35-40-161). «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم» (المائدة 105- الأنعام 108). «كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» (الإسراء 13). «من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها» (الإسراء 15). ومثلها كثير جدا مما لا يكاد يحصى. وعلى هذا فإن الذنب والعقاب والعفو والتوبة ... كلها متعلقة بشخص الجاني وحده، ولا يجوز في الإسلام أن يعاقب أحد بذنب أحد آخر، ولو كان أقرب الناس إليه، وقد مر بنا أن الجريمة تمر بصفحات متعددة، بعضها تمهيدي وبعضها تنفيذي، فكيف يكافح الإسلام الجريمة خلال هذه الصفحات؟ أيقاومها قبل وقوعها؟ أم في أثناء مسيرتها نحو التنفيذ؟ أم بعد التنفيذ والتمام؟

1- حفظ الدين:
الإسلام يعتبر الشرك أكبر أنواع الإجرام، كما تقدم، فهو يحاول مكافحته ومنعه قبل وقوعه: بالتنبيه عليه والتخويف من عقباه. ويعرض صورا مما أصاب المشركين السابقين للاعتبار بهم: «وإلى ثمود أخاهم صالحا، قال يا قوم أعبدوا الله» (الأعراف 72). «فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود» (فصلت 12).
ويصور لهم عقبى الكفر: عذاب جهنم، تصويرا مخيفا مرعبا يخلع القلب: «فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار، يصب فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد، كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها، وذوقوا عذاب الحريق» (الحج 19-12). «انه من يات ربه مجرما، فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا» (طه 74). والآيات التي وصفت جهنم في القرآن هذا الوصف المخيف المرعب 77 آية.
وفتح لهم باب التوبة قبل الوقوع في جريمة الكفر: «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا» (التحريم 8). «غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب» (غافر 3).
وشجعهم على التوبة من الذنب بعد وقوعهم فيه: «فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح، فإن الله يتوب عليه» (المائدة 29).
سألني بعضهم فقال: لماذا جعل الله تعالى جريمة الكفر والشرك أكبر الذنوب؟! أليس القتل مثلا أكبر منه؟! قلت: إن الإسلام ينظر إلى التوحيد نظرة أصيلة، يوحد المؤمنين جميعا على صعيد واحد. فالقوم المتفقون على فكرة عقائدية واحدة، تقل فيهم الجرائم، عن القوم المتفرقين على آراء متعددة. والإسلام ذو هدف بعيد جدا، وغاية سحيقة لا حدود لها. ينظر إلى توحيد العالم كله حول فكرة واحدة، هي وحدانية الله تعالى، فإذا اتفقت عقيدتهم على ذلك قل فيهم الإجرام لشعور الفرد منهم بأن المجني عليه أخوه فيكف يده عنه. أما قتل النفس فأقل كثيرا من الكفر لأنه يفقد المجتمع فردا واحدا. وأما الكفر، فمن نتائجه تمزق المجتمع، وقتل النفوس، وتبديد القوى، وتشتيت النشاط العام، وإضعاف الإنتاج الاجتماعي. ألا ترى البدوي المسلم يقابل في البرية رجلا أعزل يحمل مالا وهما وحدهما في فلاة لا رقيب عليهما إلا الله، فلا يمسه بسوء. ولو أراد قتله وسلبه ماله لما شهد عليه أحد، ولنجا من عقاب الحكومة، إذ لا دليل عليه ولا شهيد .. فما الذي يمنعه من الاعتداء عليه؟ ليس هناك إلا إيمانه بالله وخوفه من عقاب الآخرة لا عقاب الدنيا. وطمعه فوق ذلك بالجنة!!
وكما جعل الله تعالى الترهيب وسيلة لكف المجرم عن الأذية، جعل مقابله الترغيب بالجنة، ووصفها وصفا رائعا جميلا محببا مرغبا: «جنات عدن تجري من تحتها الأنهار» (البقرة 25- آل عمران 15- 126- 195- 198- النساء 12- 57- 122 ... الخ). «إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا» (النبأ 32). «يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير» (الحج 27- فاطر 33). «في جنات النعيم على سرر متقابلين» (الصافات 44). «متكئين على سرر مصفوفة، وزوجناهم بحور عين» (الطور 20).
إن فكرة الوحدانية إيمان بالغيب، ولذلك جعل الله ثوابها وعقابها غيبا مثلها: جعل ثواب المؤمنين الجنة وعقاب الكافرين النار: «الذين يؤمنون بالغيب» (البقرة 2-3). «جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب» (مريم 61). «الذين يخشون ربهم بالغيب» (فاطر 18). «إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب» (يس 11). «إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير» (الملك 12) ... الخ. وفتح بعد ذلك باب التوبة على مصراعيه، تشجيعا للتائبين، واستكثارا لعدد المؤمنين الموحدين، وتقليلا لعدد المشركين وتخفيفا لجريمة الشرك والكفر، وما يتبعها من أنواع الإجرام كالقتل والسرقة وقول الزور والفحش والربا 4 ... الخ.

2- حفظ النفس:
شدد الله تعالى كثيرا على جريمة إزهاق الروح: «من قتل نفسا بغير حق أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا» (المائدة 32). وجعل جزاء القتل عقابين في آن واحد: أحدهما أخروي غيبي: «ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، فبشرهم بعذاب أليم» (آل عمران 21). والآٍخر دنيوي: «فمن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل» (الإسراء 33). وولي الدم هنا ليس القريب عصبة أو رحما على إطلاقه، بل السلطان الذي بيده الحكم، شريك رئيسي في هذه الولاية. وهو الذي يقوم مقام أقرباء المجني عليه بتطبيق حد الله على الجاني، ويبقى للأقرباء حق طلب التخفيف أو التشديد أو العفو.
قد يسقط الأقرباء حقهم في دم القتيل، لكن يبقى للسلطان حق الله فيه، وهو حق المجتمع الذي فقده إلى الأبد. وإلا، أي لو ترك أمر تطبيق العقوبة وتنفيذها بالأقرباء، لا نتقل الحكم من مركز المجتمع إلى حاشيته. وأصبح المجتمع فوضويا بدويا كل واحد فيه يدعي الحق فيقتل بحجة الثأر!! والإسلام يرفض مجتمعا هذه صورته، ويريده مجتمعا حضريا متقدما. جاء في الحديث الشريف: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، ومعنى هذا الحديث أن المجتمع المسلم بقضه وقضيضه مسؤول عن المنكرات، ويتقاسم المسؤولية فيه فئات: فالذي عليه أن يدفع المنكر بيده، هو السلطان، لأنه الوحيد القادر على ذلك بما يملك من قوة الشرطة والدرك والجند والتنظيم السياسي والاجتماعي من وزارات وإدارات ... الخ. والذي عليه أن يدفع المنكر بلسانه، هم العلماء وأصحاب الفكر والكتاب والساسة والمجالس النيابية والبلدية والنقابات والصحفيون والأساتيذ ... ينبهون السلطة إلى المنكر، ويشيرون عليها بطريقة كفاحه، وعلى السلطان أن يأخذ آراءهم بعين الاعتبار فيدرسها ويتقبل منها المصيب الممكن، ويسعى إلى تطبيقه خدمة لصالح المجتمع. فإذا استبد السلطان بالحكم وأصبح ديكتاتورا ظالما يسوس الناس بالقوة والقهر والعنف، أخرس الألسنة الناطقة باسم الشعب وأغلق الصحف وسد أبواب المنابر ... فعلى أفراد الشعب المؤمنين أن يمتنعوا هم أنفسهم عن المنكرات بقلوبهم، لأنهم لا يستطيعون غير ذلك، ريثما يقيض الله لهم مخلصا من محنتهم، وذلك أضعف الإيمان حقا، أما صاحب الإيمان القوي فيثور ولو قتل في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يتدبر الأمر بحكمة وتعقل. وفي قصة داود والملكين نموذج ممتاز لردع الحاكم الطاغي ورده إلى الصراط المستقيم: «هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب؟ إذ دخلوا على داود  ففزع منهم، قالوا: لا تخف.
خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط، واهدنا إلى سواء الصراط، إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، فقال: اكفلنيها وعزني في الخطاب، قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم!! وظن داود أنا فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك» (ص 21-25 ).
ذلك هو معنى الحديث الشريف، أنه تضامن اجتماعي تعاوني ضد الجريمة، والمنكر بنفسه جريمة. قال تعالى: «كانوا لا يتناهون عن منكر» (المائدة 39). «ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون» (البقرة 42). «ذروا ظاهر الإثم وباطنه» (الأنعام 120- الأعراف 33). «كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين» (البقرة 60).
هكذا اتخذ الإسلام موقفا مناضلا ضد الجريمة قبل وقوعها: «ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة، كأنه ولي حميم» (فصلت 24). كافحها أثناء وقوعها أو بعد تمامها بالاستغفار وبالتوبة وبالعفو. قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ... فمن عفي له شيء من أخيه فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة» (الشورى 40). «وأن تعفوا وتصفحوا وتغفروا، فإن الله غفور رحيم» (التغابن 14).
وكأني ألمح في هذه الآية الأخيرة وما ماثلها من التفريق بين العفو والغفران، ما يشبه العفو الخاص والعفو العام. فالعفو يمسح العقاب وتبقى الجريمة ماثلة. أما الغفران فيمسح الجريمة والعقاب معا، ولا يبقى لهما من أثر. وهذا التفريق له أهميته في تصنيف الجرائم والعقاب. نشير إليه إشارة عابرة في هذا البحث، ونعود إليه –إن شاء الله- في فرصة أخرى.
ولئن قال تعالى: «ومن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» (البقرة 194)، واستخدم كلمة «فاعتدوا» ولم يستخدم تعبير «رد الاعتداء بالمثل» لسبب بلاغي لا يخفي: وللتفريق بين موقف الدفاع الضعيف وموقف استرداد الحق بالقوة، فقد نظر إلى النفس الإنسانية في حالتها الطبيعية الشائعة بين البشر. ثم ارتفع بهم في سلم الخلق والنبالة درجات في العفو والصفح والإحسان فقال: «والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين» (آل عمران 134). ففي الدرجة الأولى يرد الاعتداء بمثله. ويرتفع إلى الدرجة الثالثة فيصفي قلبه من الضغينة ويعفو عن الجاني ويتناسى إساءته، ويسمو في الدرجة الرابعة إلى الذروة من الخلق الكريم فلا يكتفي بالعفو عنه، بل يغفر له ذنبه ويمد إليه يد الإحسان ويساعده على نسيان ذنبه والعودة به إلى حياة طيبة جديرة بالاحترام.
هكذا يدافع الإسلام ضد الجريمة ويصلح المجرم ويسمو بأخلاق المجتمع ويربيه تربية تعاونية متقابلة ويذكره دائما بقول الله تعالى: «ادفع بالتي هي أحسن» (المؤمنون 96- فصلت 34). ولقد ورد في القرآن الكريم من مادة العفو ومشتقاتها 35 آية، ومن مادة الغفران 241 آية.

3- حفظ العقل:
اهتم القرآن الكريم بالعقل والفكر اهتماما عظيما جدا، ودعا إلى التعقل والتفكير وحسن التدبير في 68 آية، منها قوله تعالى: «اتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون» (البقرة 14). «كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون» (البقرة 242). «كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون» (يونس 24). «إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» (الزمر 42 – الجاثية 12).
واهتمام القرآن الكريم بذلك، مبني على مبدأ المسؤولية، فلم يحملها إلا  الحر العاقل المفكر. ولذلك عد الاعتداء على الحريات الفردية والجماعية العامة جرما كبيرا. من ذلك قوله: «واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا، ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة وهم لا ينصرون» (البقرة 122). «فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون» (آل عمران 32- 40- 111).
فالعقل نعمة كبرى من أنعم الإله على عباده. قال: «ألم نجعل له عينين؟ ولسانا وشفتين؟ وهديناه النجدين؟» (البلد 8- 9- 10) ولذلك عد كل تلاعب بعقول الناس أو عبث بأفكارهم جريمة، كالكذب والبهتان والدعايات المغرضة وغسل الأدمغة وكتمان الحقائق... وما شاكلها. وقد كافح هذه الجريمة بالإيمان والصدق والإسلام الصحيح والتوبة والاستغفار.
ونستطيع أن نقيس عليها ما نراه في عالمنا المعاصر من حكام مستبدين يوحون إلى شعوبهم بأنهم في أنعم نعيم، وهم في الحقيقة في جحيم مقيم. والساسة الدجالين والصحفيين المرتشين وشركات الأنباء المنحازة، كما نقيس عليها سارقي الأفكار من مؤلفات أصحابها الأصليين وادعائها لأنفسهم ... وكثيرا من أمثال هذه الجرائم الفكرية والاقتصادية والعقائدية ...

4- حفظ النسل:
يبدو أن الغريزة الجنسية من أقوى الغرائز في الإنسان، أو هي أقواها على الإطلاق كما يدعي فوريد Freud 5 يستديم بها البشر جنسهم ونوعهم. ولقد كانت الجريمة الأولى في حياة البشرية جريمة جنسية حين عرف آدم امرأته حواء جنسيا وكانت محرمة عليه: «وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه» (البقرة 35- 36). «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما» (طه 115). «فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليها من ورق الجنة» (طه 121). وكانت الجريمة الثانية جنسية كذلك، إذ قتل قابيل أخاه هابيل من أجل امرأة. وما زالت المرأة حتى اليوم سببا في كثير من الجرائم، كما قال نابليون: «فتش عن المرأة».
فهذه الغريزة القوية العنيفة، لم يتركها الله تعالى هملا تعبث بالناس وعلاقاتهم كما تشاء. بل نظمها في قيود، وسلك بها سبلا واضحة، لو احترمها البشر لتخلصوا من كثير من جرائمها. قيدها الله تعالى مبدئيا بقيدين اثنين هما: التشجيع على الزواج الشرعي، وتحريم الزنا تحريما شديدا، بقصد صيانة النسل وانتماء الأبناء إلى آبائهم الحقيقيين لا المزعومين، فبحصانة الذكر والأنثى بالزواج، تخف جرائم الجنس في المجتمعات إلى أدنى الدرجات. وجعل جزاء الزاني المحصن الرجم: لأن لديه ما يطفئ به وقد غريزته، فلماذا يتعدى على عرض غيره؟ أما الزاني غير المحصن، فقد عاقبه بالجلد واستبقاه حيا وفتح له باب التوبة وسمح له بالزواج والإحصان من بعد عقابه وتربيته.
لقد وقف الإسلام من موضوع العلاقة الجنسية موقفا صريحا واضحا جدا. نظمها تنظيما دقيقا بالزواج قبل أن يقع المرء في جريمة الزنى. وسمح بتعدد الزوجات لأسباب اجتماعية، لكي لا تبقى امرأة من غير رجل يحرسها ويحميها ويصون عرضها بالإحصان: فقد ثبت بنتيجة الإحصاء أن النساء في مختلف أنواع المجتمعات أكثر عددا من الرجال. وتلك طريقة مثلى في منع المخادنة والحفاظ على الشرف، فإذا زلت بالزاني قدمه، وارتكب الجريمة الشنعاء فله عقابان: دنيوي وأخروي معا.
رأينا كثيرا من الملوك والسلاطين والأمراء ممن جمعوا عددا من النساء في قصورهم، بعضهن زوجات، وبعضهن الآخر من السراري والجواري. قيل كان للمعتصم منهن مئات وللمتوكل آلاف ..!! ومهما كان في هذا العدد من مبالغة، فإن الباقي كثير على أي حال. بل كان لبعض الأنبياء عدد ضخم كذلك، فالنبي داود كان له تسع وتسعون امرأة، وحاول  الاعتداء على أحد رعاياه وضم زوجته إلى سراريه ليتم العدد  بها مائة. لولا أن أنقده الله من الوقوع في الجريمة بواسطة الملكين المستخفيين بصفة خصمين. ذكر القرآن الكريم ذلك في سورة (ص) اعتبارا من آية (21).
ولما كانت آثار الزنى عظيمة جدا في الشرف وفي حفظ  النسب قال تعالى: «ولا تقربوا الزنى، إنه كان فاحشة وساء سبيلا» (الإسراء 32)، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يبايع النساء على شروط جمع فيها الزنى إلى السرقة والشرك والقتل وافتراء الزور والبهتان. ولزها جميعا في فرن واحد قال: «يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه ...» (الممتحنة 12). فانظر كيف قدم الزنى على القتل لأهميته?? وأوجب لإثباته أربعة شهود بينما ترك لجميع العلاقات الاجتماعية شاهدين وحسب: «فاستشهدوا عليهن أربعة منكم» (النساء 15).
لقد سهل الإسلام الزواج فأمر بالتبكير به، وشجع على معقولية المهور وخفضها، وفتح باب الطلاق عند انعدام الوفاق، وحدده باللجوء إلى التحكيم أولا: «وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إذ يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما» (النساء 35)، وجعله على درجتين، ونسقه رجعيا وبائنا.
وحدد الإيلاء بأربعة أشهر أطوله، على أمل التوبة والرجوع إلى الصلح، وأمر المرأة أن تعتد لثلاثة قروء استبراءا لرحمها وحفظا لحق الوالد في أبوة المولود، وللولد في البنوة. ونهى عن إمساك المطلقة وعضلها (أي منعها عن الزواج) حذرا من وقوعها في جريمة الزنى: «وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن» (البقرة 232). «ولا تمسكوهن ضررا لتعتدوا» (البقرة 231). ولو طبق المسلمون أوامر الإسلام بحق وانتهوا عن نواهيه، في العلاقات الجنسية، لخفت جريمة الزنى حتما. وكانت تلك الطريقة خير ما يلجأ إليه في كفاحها وتلطيف شرتها والتخفيف من حدتها.

5- حفظ المال:
قال تعالى: «المال والبنون زينة الحياة الدنيا» (الكهف 46). وقال: «زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الدنيا والله عنده حسن المآب» (آل عمران 14) على أن الله تعالى، وإن قال: إن المال زينة الحياة الدنيا، فإنه لم يمنعه عن عباده ولم يحرم عليهم جمعه والسعي إلى كسبه بالطريق الحلال، وسمح لهم أن يتمتعوا به كما يشتهون ضمن حدود معقولة: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟!» (الأعراف 32) لكنه قيد هذه المتعة المستحبة بقيود واضحة لعل أهمها ما يلي:
‌أ- التمتع بالمال حق لكن من غير إسراف ولا بخل: «ولا  تجعل يديك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا» (الإسراء 29). «ولا تسرفوا» (الأنعام 131- الأعراف31- الإسراء 26-27-29).
‌ب- عدم المباهاة بهذه النعمة والغرور بها، حذرا من إثارة الحسد والحقد في نفوس الفقراء: «ولا تمش في الأرض مرحا» (الإسراء 37- لقمان 18).
‌ج- حل المتاجر وتحريم السحت والتشديد على منع الربا: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما الذي يتخبطه الشيطان من المس، وأحل الله البيع وحرم الربا» (البقرة 275). «يمحق الله الربا ويربي الصدقات» (البقرة 371).
‌د- التشجيع على الصدقة والزكاة ومشاركة الفقير بالعطف عليه: «وفي أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم» (الذاريات  (6)- المعارج 35). ولا تكاد تجد الأمر بالصلاة إلا مقرونا بالزكاة6. فالصلاة، وهي شكر الله تعالى على نعمائه. لا تتم إلا بالزكاة معها. فشكر الله تعالى باللسان  وحده، لا يكفي، بل لابد من عمل يؤدى معها، وهذا العمل هو دفع المال للفقراء ومساعدتهم على العيش الكريم، وحفظ المجتمع من رذيلتي الحسد والسرقة، والتقريب ما بين طبقات الشعب: «كي لا يكون (المال) دولة بين الأغنياء منكم» (الحشر 7).
إن أولى آيات القرآن الكريم مفتتحة بالحض على المشاركة الاجتماعية بالمال. قال تعالى: «الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون» (البقرة 2-3). حدد الله فيها صفات المؤمن فكانت أولاها الإيمان بالغيب، وثانيها الصلاة، وهي عماد الدين شكرا على أنعم المولى الكريم، وثالثها الإنفاق مما رزقهم الله. ومعنى هذا: أن الدين الإسلامي دين اجتماعي واضح، ربط الإنسان بخالقه من جهة، وبمجتمعه من جهة أخرى في آن واحد، للتعادل والتعاضد والتكاثف. ولقد ثبت أن أكثر السرقات تعود إلى سبب رئيسي أصيل، هو الحاجة والجوع. فلو عطف الغني على الفقير بماله، لانتفت السرقات أو قلت. وهذا نمط اجتماعي ممتاز للدفاع عن المجتمع ضد جرائم السرقات العادية والسرقات الموصوفة وما قد يتبعها من هدر أموال وإزهاق أرواح. «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله نبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون» (التوبة 34- 35).
نعم، لقد دار الزمن وتطورت المجتمعات من شكل مجتمع يدوي إلى زراعي إلى صناعي، وتطورت الصناعة نفسها كذلك من ورشات صغيرة إلى معامل ضخمة ومصانع عظيمة تضم عشرات الآلاف من العمال، وأصبحت الصدقات والزكوات وحدها عاجزة عن ترميم ما خلفه التطور الحضاري المعاصر من خراب في النفوس والعقول، ومن تمزق العلاقات الاجتماعية القديمة وتزعزع القيم، ونجوم علاقات اجتماعية جديدة، يتسارع فيها البنيان والهدم مع تسارع وسائل انتقال الأشخاص في أنحاء المعمورة حتى أصبحوا يسبقون سرعة الصوت، وتسارع انتقال الأفكار عبر الصحف والمجلات والكتب والنشرات والمذياع والتلفاز، حتى لم يبق في العالم فكر مفحص ولا عقيدة مخفية ... كل ذلك زاد المجتمعات سرعة في التقلب والاضطراب والتقلقل، وزاد معه الإجرام حدة وتنوعا واتساعا، مما حدا المفكرين والساسة والمصلحين إلى التعمق في دراستها، ووضع الحلول لإعادة الأمور إلى هدوئها وسكينتها .. فرأى بعضهم الحل في سيادة الاشتراكية، ورأى بعضهم الحل في الشيوعية، ورأى آخرون الحل في تأميم الصناعات الكبرى والتجارة الخارجية والمصارف. ورأى سواهم الحل في ترك رأس المال يجاهد وحده ويعمل بجدية ضمن تنافس مشروع. وانقسم العالم بسبب ذلك إلى فريقين: يميني ويساري. كلاهما يقوم على أسس مادية لا علاقة للروح ولا للأخلاق بها مطلقا. ولم يتنبه منهم أحد –مع الأسف- إلى أن هناك حلا آخر غير هذين الاتجاهين المتناقضين المتناحرين، لم يتنبهوا إلى الحل الوسط بينهما وهو الإسلام. فيه وحده تعود الحياة إلى سكينتها وتقل حوادث الإجرام إلى أقل حد ممكن. فهل أعد المسلمون أنفسهم للقيام بهذا الدور، دور العلم والأخلاق؟!

خلاصة:
ولنخلص البحث تمهيدا لختامه ولملمة لأطرافه المسهبة ووضعه في إطاره:
وجدت الجريمة مع الإنسان وليس إلى حذفها من سبيل، لكن يمكن معالجتها ومكافحتها وتخفيفها إلى أقل حد ممكن إذا أتبعنا الأسلوب الإسلامي في بناء المجتمع وتنسيقه.
نحن المسلمون نؤمن بأن الله واحد أحد لا شريك له وأنه أوحى بالقرآن الكريم إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليرشد الأمة إلى الصراط المستقيم، فالقرآن هو المصدر الرئيسي للتشريع ولاستخراج الأحكام بالطرق المعروفة لدى الفقهاء والأصوليين من علماء الإسلام. يليه الحديث الشريف، غير أن الأمة الإسلامية انقسمت إلى عدة أقسام وافترقت إلى عدد من الفرق أهمها فريقان هما: السنة والشيعة. فما قبلته السنة من أحاديث رفضته الشيعة، وعلى هذا فقد كان اتكاؤنا عليه نادرا، إلا ما اتفق عليه الفريقان معا وانطبق على ظاهر القرآن من غير تأويل. يلي ذلك الإجماع وقد اختلف في حجيته اختلافا كبيرا حتى لقد رفضه الإمام أحمد وأنكر وجوده كما أنكر كثير ممن هم من طبقته، ولهذا السبب لم نلجأ إليه في بحثنا هذا. ويأتي بعده القياس وما يتفرع عنه كالمصالح المرسلة والاستحسان ... وهو باب حسن جيد، لكن لا يمكن فتحه على مصراعيه، ولابد من الحذر خوف الوقوع في فوضى.
ووقفنا على القرآن الكريم وحده، ووجدنا فيه الكفاية الكافية لبحثنا واستشهدنا بعدد عديد من الآيات في كل باب منه.
ولما كانت الجريمة والعقاب أهم ما في هذا البحث، فقد نظرنا إليها نظر الباحثين من السلف الصالح بالعقل والحكمة والحذر، وحصرنا العقاب في خمسة أصول هي: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال. وبحثنا كل موضوع منها على حدة وبرهنا على أن الإسلام يعتبر الشرك والكفر رأس الجرائم لما ينتج عنه من خلافات وخصومات وقتال، ولأنه يمزق التسلسل التاريخي لرسالات الأنبياء بالإسلام. وأن التوحيد وسيلة مهمة جدا لجمع الأمة على فكرة واحدة تخف فيها الخصومات، وتكافح الجريمة بحسن الإيمان ونبل الأخلاق، وبالتعاون المتبادل بين جميع طبقات المجتمع بالمال والمجهود والعمل. ورأينا أن فكرة الثواب والعقاب متداخلة مع المبدأ الأخلاقي والدين كله أخلاق. فإذا حسنت الأخلاق خفت حدة الجرائم وهبطت شرتها إلى أدنى حد. والعقوبات في الإسلام على نوعين دنيوية وأخروية، تقوم السلطة الحاكمة بتنفيذ الدنيوية منها وتكل الأخروية إلى الله.
يصف القرآن المؤمنين فيقول: «تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفا وطمعا» (السجدة 16). فالعقاب بإيلامه رادع ضد ارتكاب الجريمة ومهذب للأخلاق. وتنفيذه في الدنيا على يد السلطان هو المؤيد له Sanction ماديا. والوعيد بالعذاب الأخروي هو المؤيد له في الدار الآخرة. والخلق وحده هو المستند لكليهما في أي حال. وصف الله تعالى نبيه الكريم، بأنه على خلق عظيم «وإنك لعلى خلق عظيم» (القلم 4)، ولم يصفه بأنه قوي شديد عنيف. فالخلق الحسن وحده هو المانع من ارتكاب الجرائم، لا العقاب ولا العتاب ولا السجن ولا العذاب.

(1) - ينظر القرآن إلى التسلسل التاريخي للإسلام فيعتبر خطه متماديا مستقيما منذ أن أرسل الله أنبياءه لهداية البشر حتى آخر العنقود النبيل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما» (آل عمران 67). «ملة إبراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل» (الحج 78). ولذلك يعد الشرك تمزيقا لهذا الخط وتقطيعا لهذا التسلسل التاريخي، فبمقدار الجرم العظيم يكون العقاب الشديد: «إن الشرك لظلم عظيم»، (لقمان 13 ).
(2) - فتح الباري جزء 1 ص 64.
(3) - فتح الباري جزء 1 ص 64.
(*) - رأيت هذا في المملكة العربية السعودية وفي المملكة المغربية وفي ليبيا زمن حكم الملك إدريس.
ورأيت ضده على خط مستقيم في البلاد الوثنية أمثال: كينيا وأوغنده وتنزانيا وروديسيا.
(4) – في القرآن الكريم 515 آية تتحدث عن الكفر بجميع مشتقات المادة، و168 آية تتحدث عن الشرك
(5) – انظر الأحلام لفرويد les rèves  الباب الأول. وخمس محاضرات في التحليل النفسي له أيضا  La  Cinq leçons sur psychanalyse ترجمة الدكتور ممدوح حقي.
(6) – مجموع آيات الزكاة في القرآن 32 آية، منها 25 آية قرنت فيها الصلاة بالزكاة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here