islamaumaroc

بعض منجزات السلطان المولى محمد بن عبد الله.

  دعوة الحق

221 العدد

بويع السلطان سيدي محمد بن عبد الله قبل متم صفر 1171 هـ موافق 7 يوليوز 1757 م، وكان عمره حينئذ، ثمان وثلاثين سنة. وتميز عهده بمميزات سياسية وإصلاحية كثيرة، تستعرض هذه الدراسة ما يمس الجانب الوطني منها:

قضية الثغور المحتلة والمهددة:
قام السلطان سيدي محمد بن عبد الله بجولة لتفقد الثغور سنة 1173 هـ - 1759 م، فانطلق من مراكش إلى مكناس، ومنها إلى تطوان، حيث أشرف على بناء برج مارتيل؛ ومن ثم عرج على سبتة، ليتعرف على أحوالها عن كثب، ويقرر ما يمكن أن يتخذ من تدابير بشأنها؛ إلا أن مناعة تحصينها، وكونها في لسان بحري وليس لها من البر إلا منفذ واحد، جعل العاهل يستبعد إمكانية استردادها بالوسائل المتوفرة لدى الجيش المغربي، فاكتفى بأن أمر المدفعية بإطلاق دفعة بارود ليتعرف على رد الفعل من الإسبان، فرد هؤلاء بإطلاق المدافع «حتى تزلزلت الجبال»(2) ثم انتدب مجموعة من رماة أنجرة المقيمين حولها، لمراقبة حدودها وتحركات الإسبان بها، ويبدو أن الرغبة الشعبية كانت شديدة في أن يقوم المخزن بمحاولة فعالة لاسترداد سبتة، ولكن هذا المركز المغتصب كان يتوفر على حماية برية وبحرية قوية من الجانب الإسباني، وهو إلى ذلك على مرمى البصر من التراب الإسباني نفسه،  وهكذا ولى العاهل المغربي وجهته شطر البريجة أولا، ومليلية ثانيا. وفي جولته المذكورة، مر بضواحي طنجة لاستقبال وفودها وسلطاتها، وزار العراش التي كانت خالية من السكان تقريبا، مع حاجتها إلى حامية كافية، فقام بتزويدها بمائة من جيش مكناس، وعين عليها واليا، هو عبد السلام بن علي وعدي(3). ثم توجه نحو الرباط وسلا حيث أمر ببناء برج بكل منهما، وبإنشاء سفينة لكل منهما وضعتا تحت تصرف مجاهدي البحر الذين كانوا ينطلقون لاعتراض سفن الدول الأوروبية المعادية، وكانت العرائش وسلا من الثغور التي تعرضت غير ما مرة لانتقام هذه الدول.
وهكذا هوجمت سلا سنة 1178 هـ - 1764 م من قبل الأسطول الفرنسي، وقنبلت بشدة، وقامت المدفعية المغربية بالتصدي للهجوم، لكن الخسائر المادية لدى السكان كانت كبيرة.
وتابع الأسطول الفرنسي طريقه نحو العرائش في أوائل 1179 هـ - 1765 م، فقنبلها بشكل أشد، حتى خرب دورها ومساجدها، وأحرق سفينة بالميناء، كانت مما غنمه المجاهدون من السفن الفرنسية، كما حطم سفينة أخرى أيضا، ولكن السكان وأفراد الحامية تمكنوا في النهاية من تحطيم هجومهم والاستيلاء على إحدى عشرة قطعة من أسطولهم البالغ خمس عشرة قطعة،  وأسروا منهم نحو الخمسين تمت مفاداتهم فيما بعد(4)، وكان للقائد حبيب المالكي دور أساسي في سحق هجوم الأسطول المذكور.
وعلى إثر حادثة العرائش، قام العاهل بزيارة هذا الثغر، وأقام به شهرا يشرف على ترميمه وبناء أبراجه الدفاعية، ثم زوده في نفس السنة المذكورة بالمدافع والمهاريس التي تعاونت القبائل ورجال المدفعية على جرها من فاس الجديد ومكناس بقيادة الأمير اليزيد(5).
وبعد سنوات قليلة على هذه الأحداث، ثم فتح البريجة التي حملت فيما بعد اسم «الجديدة». وكانت البريجة قد خضعت للاحتلال البرتغالي منذ 907 هـ - 1502 م،  وذلك ضمن سلسلة احتلالات قاموا بها للثغور المغربية، ثم شرعوا في بناء المنشآت الأولى لمدينة الجديدة(6).
وكان من ذكاء السلطان محمد بن عبد الله، أن عمل جديا على تحرير البريجة، لأنها بعيدة نسبيا عن مراكز الإمدادات البرتغالية، كما أن البرتغال كانت تجتاز ظروفا صعبة في ظل حكم يوسف الأول(7) الذي كان قليل الاهتمام بشؤون الدولة، حتى أنه ترك إدارة شؤون البلاد لوزيره المركيز دي بومبال (باء أولى مثلثة) الذي اشتغل قبل كل شيء بالقضايا الداخلية.
وقبل أن يقوم العاهل المغربي بالتهيؤ لحصار البريجة، وجه إلى حاكمها خطابا شديد اللهجة يدعوه إلى أداء الجزية أو تحمل عواقب الحرب(8)، وكان جواب الحاكم هو الصمود للحرب، وعندئذ استشار السلطان مجلسه الحربي بشأن المجابهة، فاتفقوا على ضرورة حصار البريجة برا وبحرا. واستنفر المتطوعون من مراكش والحوز والسوس ومختلف الجهات، بما فيهم خمسمائة من متطوعي الصحراء الغربية وشنقيط، وكانوا كما قال الضعيف(9) يلبسون الجلد ويركبون الإبل، وشعورهم مسللة(10)، ثم حشد الجيش النظامي والمتطوعة بقرب الجديدة في أوائل رمضان(11) 1182 هـ - 1769 م، ولم يلتحق السلطان بالحشود إلا في منتصف الشهر، بعد أن زار ضريح أبي العباس السبتي تبركا، وحول البريجة (أومازيغان، كما سماها البرتغال، وهو اسم وطني قديم ذكره البكري في القرن 5 هـ - 11 م) حفر خندق، ونصبت 35 مدفعا، واستعمل الجيش القنابل التي دخل في تركيبها سبعة معادن ووزن كل قنبلة أكثر من قنطار، وكان برفقة الملك وزراؤه والأمراء، وقد لبس الجنود دروعهم، ودقت الطبول لتحميس المحاربين، ونصبت المدافع من جهة البحر أيضا، وكان يتولى قيادة المدفعية الضابط التركي الحاج سليمان الذي قام بجهد رائع في ضبط عمليات المدفعية، يساعده رماة وطنيون لا يقلون عنه مهارة، وحاول البرتغال الرد على المدفعية بطلقات مدافعهم التي كانت لا تصل إلى المغاربة، ثم بدأ القتل في السكان والهدم في المباني يهدد بفناء البلد، ولم يجد شيئا استجداء السكان سلطات بلادهم، فقد وردت التعليمات بإخلاء المدينة وانتقال السكان في وحدات النقل التي بعثت بها الحكومة البرتغالية، وقال صاحب «الحلل البهيجة» أنها كانت إحدى عشرة سفينة جاءت لنصرة الكفار، وليس الأمر كذلك، وبعد أخذ ورد، أعطيت مهلة للسكان لا تتجاوز ثلاثة أيام للجلاء، وعندئذ عمد البرتغال إلى تحطيم المباني والأجهزة الدفاعية بالقنابل، وزرعوا المتفجرات في مختلف جهاتها، وأتلفوا كل ما عجزوا عن نقله إلى بلادهم، ثم انتهى الجلاء، في ثاني ذي القعدة 1182، وهو يوافق 28 فبراير 1769 حسب مصدر نقل عنه الناصري(12)، وتولى متطوع برتغالي إبقاء المتفجرات بمجرد دخول المغاربة الذين تسرعوا في اقتحامها رغم تحذيرات العاهل، فقتلت منهم عدة مئات، وفي بعض التقديرات خمسة آلاف(13) ثم أسكن العاهل بالمدينة المحررة أسرا من دكالة، وقد أطلق على المدينة منذ ذلك الوقت اسم المهدومة، إلى حوالي منتصف القرن 13 هـ - 19 م (أوائل حكم مولاي عبد الرحمن)، فرممت أسوارها ومنشآتها، وأطلق عليها اسم الجديدة.
على أن المقاومة المحلية للاحتلال البرتغالي ألحقت به أضرارا بشرية واقتصادية في عدة فترات قبل التحرير النهائي، وذلك حسب التقارير البرتغالية نفسها(14).
وشجع تحرير الجديدة، العاهل المغربي على القيام بمحاولة لتحرير مليلية، بعد الجهود المتوالية التي بذلها المغاربة حكومة وشعبا منذ استيلاء الإسبان عليها سنة 903 هـ / 1497 م وعلى الأخص في عهد مولاي إسماعيل وعلى فترات من حكمه خلال خمسين سنة حتى 1734 – 1721 م، وهكذا ففي أواخر 1184 هـ - 1770 م بدأت محاولة استرجاعها في عهد سيدي محمد بن عبد الله، فنصبت المدافع حولها، وبدأ إطلاقها في أول السنة الهجرية 1185، ثم قام العاهل سنة 1188 هـ - 1774 م بقيادة جيش عسكر بقرب الناظور، وأطلقت المدافع التي حطمت قنابلها عدة منشآت. ويظهر أن مليلية كانت مهددة فعلا بالسقوط. ولذلك بادر العاهل الإسباني شارل الثالث (1759 – 1788) بتذكير نظيره المغربي بشروط عقد صلح تم بين الطرفين على يد وفد تولى قيادته الكاتب الغزال سنة 1179 هـ - 1765 م، وكان ضمن بنوده أن المهادنة تنعقد بينهما بحرا لا برا، لكن الإسبان كشطوا (لا) وعوضوها بواو، وقدمت الوثيقة إلى العاهل المغربي مزورة، وكان ذلك سبب إبعاد الغزال عن الوظيف المخزني نظرا لعدم احتياطه في تحرير المعاهدة، ثم انسحب الجيش المغربي، وتولى الأسطول الإسباني نقل المعدات الحربية المغربية إلى تطوان والصويرة، كما اشترط ذلك السلطان، ويعزو الضعيف فشل المغرب في تحرير مليلية سنة 1188 هـ - 1774 م إلى عامل قلعية الذي بدت خيانته في هذه العملية، فاستحق حكم الإعدام الذي نفذ فيه، ثم عقدت معاهدة صلح جديدة في 30 مايو 1780 م، وقد كان لها وقع سلبي لدى سكان المنطقة(15).

الإصلاحات والسياسة الداخلية:
إن استقرار الوضع  الداخلي في هذه الحقبة بوجه عام واكبته تطورات وإصلاحات أو تغييرات تتفاوت أهمية، سواء على صعيد السياسة الداخلية، أو بالنسبة للعلاقات الخارجية:
1- في  الميدان العسكري:
إن الطموحات التي كانت تذكي مولاي إسماعيل لضم المغرب الأوسط، وإقصاء الأتراك عنه بسبب الرغبة التي كانت لدى القبائل الجزائرية بهذا الشأن، اقتضت إنشاء جيش كبير ساهم أيضا في بسط نفوذ المغرب على أجزاء نائية فيما وراء ترابه الحالي، وهذه الطموحات العسكرية خمدت بعده لفترة طويلة، ومن أجل ذلك، وبالنظر لحركات التمرد التي ظهرت غير ما مرة في صفوف جيش البخاري، وما نشأ عن ذلك من توزيع بقاياه عدة مرات، على جهات متفرقة من المملكة، قد أضعف هذا العنصر الإفريقي الأصل، إلى حد كبير.
وانضم إلى الجيش النظامي مجموعات من حراطين الصحراء بالرتب وتافيلالت سنة 1173 هـ - 1759 م ونقلوا إلى معسكرات مكناس وفاس(16). وفي 1179 هـ - 1765 م أنشئ فريق جديد من الليكشارية جمعوا من حوز مراكش وعددهم 4500، وكان اختيارهم من بين المرشحين العزاب، على يد القائد عبد النبي المنبهي. وقد تم تسريحهم فيما بعد(17)، وذلك على إثر تجاوزاتهم في المناطق التي كانوا يحلون بها، حيث كانوا يكلفون السكان ما لا يطيقون من تموين، كما نسبت إليهم اعتداءات على الأموال والأعراض(18) وكانوا يؤلفون على الخصوص فرق المشاة، ولم يتجاوز الجيش النظامي خمسة عشر ألفا في مجموعه، ومع ذلك فقد خضع للنقل والتبادل الداخلي عدة مرات، وصرف جيش البخاري أحيانا عن الجندية(19).
كذلك اعتمد المخزن على بعض القبائل التي كانت تستخدم على الخصوص في حملات التأديب ضد قبائل أخرى. وقد يحدث أن تعاد الكرة بشكل معاكس عن طريق عملية اللف(20). ومن هذه القبائل آيت أدراسن وجروان وآيت يمور وغيرها. وأخيرا، فإن الجيش يعزز بالمتطوعة المجاهدين الذين ساهموا في مقاومة الاحتلال الأجنبي للثغور.
واختصت مدينة الصويرة بحامية فرنسية من 250 جندي استقدمهم سيدي محمد بن عبد الله سنة 1784، وكان الإشراف عليهم يعود مباشرة إلى العاهل الذي تأثر بلاطه بعد بيعته ملكا، بالتقاليد الفرنسية(21).
وعززت حاميات الثغور بالأبراج والصقائل والمدفعية، كما هو الشأن في تطوان والعرائش وسلا والرباط وآنفا، واستقدم إلى المغرب عدد من الخبراء الأتراك لصهر المدافع وتدريب رماة المدفعية.
وواصل المغاربة كإخوانهم في سائر الشمال الإفريقي عمليات الجهاد البحري، بالاستيلاء في عرض البحر على سفن أوروبية من جنسيات مختلفة(22). ففي 1172 هـ - 1758 م غنم السلاويان محمد عواد مانطو ومحمد عواد قنديل، والرباطي العربي المستاري سفينة سويدية، فأنعم عليهم السلطان بمكافآت ثمينة، كما كافأ النوتية، ثم غنم المستاري سفينتين برتغالية وسويديـــة(23). وأمر السلطان ببناء سفينة جهادية للرايس العربي حكم من الرباط(24). كما أمر ببناء مجموعة من السفن في تطوان التي أصبحت ذات أهمية كبيرة في تزويد البلاد بالأسلحة، وكان ذلك سنة 1173 هـ - 1759م. وتم استيراد الأجهزة التقنية عن طريق التجار الأوربيين بآسفي(25). كذلك أنشئت سفينة جهادية بسلا من طابقين سنة 1174 هـ، وأسندت قيادتها للرايس سالم(26)، وكانت تركيا وانجلترا والسويد مزودين رئيسيين للمغرب، بالتجهيزات التقنية للأسطول، وقد ترمم السفن المغربية خارج المغرب كما هو الشأن في سفينة المستاري التي رممت بانجلترا وجهزت بالمدافع في عين المكان(27).
وقامت سلا والرباط بجهد كبير في عمليات بناء السفن وترميمها، كما  كادتا تستأثران في هذه الحقبة بعمليات الجهاد البحري، حتى أن العاهل الذي كان يفكر في مصادرة الأراضي التي يستغلها أهل الرباط، على أنها ملك للدولة، تراجع عن ذلك، لأنه لم يكن له أن يستغني عن أهل الرباط لخبرتهم البحرية والحربية، بالرغم من أن الجيش خرب جنائنهم، لما كان لهم من موقف عدائي سابق ضد أخيه مولاي أحمد(28).
ومن البديهي أن الاستيلاء على السفن الأجنبية وأسر بحارتها وضباطها كان يثير أحيانا ردود فعل قوية، كما هو الشأن في ضرب الأسطول الفرنسي للعرائش وسلا. وفي الغالب كانت المفاوضات خير وسيلة للوصول إلى حل مرض للأطراف المعنية. وكان من الصدف أن إحدى السفن الأمريكية قم تم الاستيلاء عليها بعد سنوات قليلة من اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة الذي أعلن في رابع يوليوز 1776 م. وهكذا وقعت السفينة في قبضة المغاربة سنة 1784م، واحتاج الأمريكيون إلى تدخل إسبانيا وفرنسا لدى المغرب لتسوية المشكل، وحرر الأسرى، واسترجع الأمريكيون  السفينة، ثم عين أول قنصل عام للولايات المتحدة بالمغرب، وعقدت معاهدة أولى للصلح في 16 يوليوز 1786 م ( 1199 هـ ). وقد رفض الأمريكيون أداء الجزية، كما كان يرفضها الإنجليز والفرنسيون(29).
وذكر الناصري أن السفن المغربية في هذا العهد بلغت خمسين، منها عشرون باخرة كبيرة. كما بلغ عدد ربابنة السفن ستين، وجيش البحرية ألفا من المشارقة (خصوصا الأتراك)، وثلاثة آلاف مغربي، بالإضافة إلى ألفين من رماة المدفعية(30).
ويرى طيراس أن المخزن قد تمكن برغم هذه الوسائل المحدودة، وبقيادة سيدي محمد بن عبد الله، من إقرار الأمن والنظام في البلاد التي اتجهت نحو العمل وحتى الثراء(31).
2- في الميدان الاقتصادي والمالي:
كان من الإجراءات الأولى التي اتخذت مباشرة بعد بيعة السلطان محمد بن عبد الله، توظيف المكس على الأبواب والسلع والمنتجات الفلاحية؛ واستصدر السلطان لذلك فتوى من فقهاء فاس وغيرهم(32)، كذلك اعتمد على فتوى هؤلاء الفقهاء في تبادل المنتجات الزراعية الفائضة عن الاستهلاك المحلي، بالأسلحة والمواد الحربية، وهكذا أصبح القمح تارة يتبادل بهذه المواد، وطورا يباع نقدا للخارج، حتى أن الفلاحين بفضل هذا التبادل تمكنوا من أداء ضرائبهم(33) وتكاثرت المراكز التجارية بأكادير والصويرة وآسفي والرباط والعرائش.
وبرهن المخزن عن فعالية نادرة في سنة المجاعة التي امتدت فيما بيـــــــــــن 1190-1197 هـ (1776-1782 م) و اضطر السكان إلى أن يأكلوا في بعض الجهات، الميتة والدم ولحم الخنزير، وهلك عدد كبير من السكان، وظل الجيش يتقاضى رواتبه بكيفية عادية، ورتب الخبز في مختلف المدن يفرق على المحتاجين في كل حي، وتقاضى سكان البوادي سلفات طائلة من الدولة، ولم يطالبوا بردها بعد أن أخصبوا ورغبوا في ردها، بل أسقطت عنهم حتى الضرائب والمغارم عن السنين المذكورة.
وكان التجار أيضا، يتقاضون سلفات لجلب المواد الغذائية من أوروبا، على أن يبيعوها بثمن التكلفة(34). واستقرت الأحوال بعد ذلك، وعاد المغرب إلى تصدير القمح، حتى لقد سجل سنة 1202 هـ - 1789 م تزايد ملحوظ في السفن التي تشحن القمح إلى إسبانيا من مدينة الدار البيضاء(35).
ولأول مرة في ظل الحكم العلوي يرتبط المغرب بمعاهدات مع دول كثيرة في آن واحد؛ وقد تناول أكثرها العلاقات التجارية والاقتصادية بالإضافة إلى الشؤون الدبلوماسية وقضايا الأسرى. وكانت انجلترا والدنمارك والسويد ضمن هذه الدول. وعلى سبيل المثال فقد عقدت معاهدة مع الدنمارك سنة 1751 م في عهد مولاي عبد الله، سمح بموجبها للدنمارك بإنشاء شركة تجارية أصبح لها حق احتكار التجار في مراكز الساحل الأطلسي للمغرب عن مدة أربعين سنة. وتأكدت المعاهدة بضمانات جديدة سنة 1753 م ثم سنة 1757 م(36). وهكذا انهالت على المغرب بضائع تستوردها الشركة كالشاي والسكر والأسلحة بأثمان مربحة، في الوقت الذي تصدر من المغرب الصوف والزيت والشمع والجلد واللوز وسائر المنتجات الوطنية التي كانت تعرضها الشركة في الخارج، بأرباح قد تصل إلى 70  في المائة. واستمرت الشركة في توسيع نشاطها لهذا العهد، فكانت تعقد صفقات تجارية بتطوان وطنجة ومراكز الشمال. وكان الملك فريديريك الدنماركي يملك أكثر أسهم هذه الشركة. وبالنظر لنشوب الحرب بين إنجلترا وفرنسا، ولانعدام النزاهة لدى بعض أمناء المراسي، فقد قلت موارد الجمرك الوطني من هذه الشركة التي دعيت إلى تقديم مبلغ سنوي مقرر لبيت المال، عوض وساطة الأمناء. وكان مقر الشركة ب آسفي؛ إلا أن إنشاء الصويرة كميناء جديد ومدينة مستحدثة، مع إلزام قناصل الدول بالتجمع فيها، وتركيز الحركة التجارية عبر البحر بها، أضعف من أهمية مراكز أخرى، كأكادير وآسفي وسلا، وهكذا قررت الشركة تصفية أعمالها بأمر من دولتها سنة 1767 م.
ثم عقدت معاهدة جديدة مع الدنمارك في 28 يوليوز من نفس السنة (28 صفر 1181) وتنص على تزويد المغرب بالمدافع والخشب والأشرعة والحبال سنويا،  مع تحديد مقادير هذه المواد التي كانت تدفع كجزية سنوية، على أن يسمح للتجار الدنماركيين بمزاولة نشاطهم التجاري بصفة حرة. ومعلوم أن عدة دول أوروبية أخرى كانت تدفع الجزية للمغرب، لنفس الغرض، حتى سنة 1845 م(37)، على أن بعض الدول حصلت على ترخيص بفتح قنصلياتها خارج آسفي، كما هو الشأن في فرنسا التي استقر قنصلها شينيي بسلا(38)، ومع ذلك لم تكن العلاقات التجارية مع فرنسا في المستوى الملائم. وكان توقيع هذه المعاهدة في 28 مايو 1767م.
وإذا كانت الشركة الدنماركية قد خضعت لتحديد مقدم لالتزامها الجبائية، فإن نظام بيع المكس على صعيد التجارة الداخلية قد عمل به المخزن في نفس الفترة، وهو نظام عرف من عهد طويل في أنظمة شعوب البحر المتوسط، وتنقصه الضمانات على أموال الملزمين بالضرائب. وهكذا فقد ابتاع الصغار مكوس فاس باثني عشر ألف مثقال(39)، وكان المكس المرتب معمولا به خاصة لدى الدولة العثمانية، ولذلك كان الجور واستغلال السلطة رديفه في كثير من الحالات.
3- السياسة الدينية:
ارتبط النشاط الديني في هذه الحقبة كلها ارتباطا متينا بالسياسة التي نهجها السلطان محمد بن عبد الله. فهو من جهة، معجب بالحضارة الغربية، ويتعامل معها في زواياها الاقتصادية والعسكرية والعمرانية، ومن جهة أخرى يكره التقليد في التشريع، والارتباط المبالغ فيه بفروع المذهب المالكي، وإذا كان لم يعمل على وضع مدونة تحدد فيها التشريعات فقد عمل بالمقابل على تدوين مجموعات من الأحاديث النبوية، وقام هو نفسه بعمل شخصي في هذا المجال، وظهرت على يده حركة حديثة واسعة النطاق لم يعرف نظيرها في ماضي المغرب الإسلامي إلا في العهد الموحدي.
وحيث أن التعليم عملية تندرج في المفاهيم الدينية الإسلامية بنصيب كبير، فقد حظي باهتمام الدولة والأمة، وعرف انتعاشا حقيقيا، لكن من غير أن تكون هناك حركة تطوير لبرامج التعليم في اتجاه العلوم الحديثية وطرق التدريس وأماكنه، كما أن الفكر الاجتماعي ظل مرتبطا بالتقاليد التي كان الكثير منها ضارا بالمجتمع نفسه.
حقا، لقد كانت سياسة المخزن جدية في تشييد المساجد والمدارس والكتاتيب وتوزيع الكتب على الخزائن والعناية عموما بكل ما يحبده الدين أو يحض عليه، وهذه أمور لا يمكن إلا أن تنال رضي الشعب المتمسك في غالبيته العظمى بتعاليم الدين، والذي ليس غريبا على كل حال عن التقدم التقني والعلمي والخبرات الحديثة التي يلمسها في أعمال المهندسين الأجانب ومنجزات الخبراء الغربيين أسرى وغيرهم، ومصنوعات الغرب فيما يهم الحياة اليومية والعسكرية وتقنياته الإدارية في التعامل وتأسيس الشركات وغير ذلك. لكن المجتمع كان في جل الأحوال، في موقف المتفرج على معرض لم ينجز هو فيه شيئا، وليس له إلا الفرجة أو الاستهلاك.
ومع ذلك كله، فهناك خطوة كبيرة لصالح الانفتاح على الغرب لم يشهدها المغرب منذ وفاة رجل الدولة الكبير أحمد المنصور الذهبي، وهذا الانفتاح الذي يعتبر السلطان محمد بن عبد الله، مخططه وصانعه بالنسبة للعصر العلوي، يساير الأخرى، والتي اختطها من زمن بعيد رسول الإسلام نفسه صلى الله عليه وسلم؛ ثم بلغت أوجها على النطاق العالمي في القرن الرابع هـ - العاشر م.
وهكذا تأثر القضاء أيضا بالروح التنظيمية التي شملت نشاط المخزن في هذه الحقبة بوجه عام، والتفت المخزن إلى الفئات الضعيفة والفقيرة، وإلى المرأة التي تعيش في رهبة من زوجها القاسي، واليتيم الذي يتوزع حقوقه الوصي وحماته من السلطة والقضاء، وبوجه عام، كل أولئك الذين يعيشون في دهاليز الظلم والحرمان، ولا يحميهم نصير في ظل القهر والبطش، فصدرت نصوص تشريعية في شكل ظهائر متتابعة تحدد التزامات السلطات القضائية والتنفيذية ومسطرة الحكم في مجموعة من المعاملات الأساسية(40). وجل هذه الظهائر تقر بوجود الظلم وبعضها ينذر القضاة بالعزل والمتابعة.
على أن السلطة المركزية لم تكن تتهاود مع جبابرة الولاة، كما هو الشأن في نكبة فنيش عامل سلا، لانعدام مرونته ولياقته، وإغلاقه أبواب سلا في وجه العاهل، وكنكبة القائد الحبيب المالكي الذي بدا مناضلا كبيرا، ثم تحول إلى الانحراف الاجتماعي والديني، فقد كان قصره يضم 18 امرأة من غير صداق، وكان يتصرف في «دوار» ليس فيه إلا النساء ولا يدخله إلا هو، وبعد اعتقاله أضرب عن الطعام حتى هلك(41).
وإذا كان المحدثون والفقهاء قد نالوا مقام الشرف، وحظوا بامتيازات سياسية ومادية بحسب تقربهم من السلطة، فإن طبقة الصوفية التي اعتادت في جلها أن تنعزل عن دواليب الدولة ومسيريها قد تقلصت هيمنتها بشكل ملموس عما كانت عليه. ذلك أن بعض الزوايا التي حاولت أن تجعل من حرمها مأوى للاجئين الذين تتعقبهم الدولة لسبب أو لآخر، قد كانت موضع ريبة المخزن، حتى أن السلطان قرر في مروره من الرباط إلى مراكش عن طريق تادلا سنة 1199 هـ - 1784 م أن يهدم زاوية أبي الجعد التي كان على رأسها الشيخ محمد العربي بن المعطي الشرقاوي، ونقل هذا المرابط إلى مراكش مع أسرته، ثم أعيد إلى أبي الجعد في عهد مولاي هشام، وأخذت عليه تجاوزات بعد ذلك، فنقل إلى فاس، ثم ارجع  إلى أبي الجعد من جديد، وإذا كانت الزاوية تحظى باقبال جموع السكان فإن المثقفين بعد هذا العهد تفاوتت آراؤهم بشأنها، بين عاطف كأكنسوس والناصري، ومنتقد كالزياني(42).
وكادت الزاوية الناصرية أن تلقى مصيرا مشابها سنة 1203 هـ - 1788 م، لكن مجرى الأحداث حال دون ذلك، وكانت الزوايا الكبرى تتمتع في الغالب بإعفاءات ضرائبية مع توفرها على مستغلات وأوقاف وموارد ذات أهمية من الزكوات. وإذا أضيف إلى ذلك إعفاء الإشراف الذين اندس بينهم العديد من الأدعياء من الضرائب أيضا، ثم ما كان للزوايا من ضغط سياسي يضايق سلطة الولاة والمخزن ويضر في كثير من الحالات بالوحدة السياسية للبلاد، أمكننا أن نفهم موقف السلطان محمد بن عبد الله تجاه عدد قليل من الزوايا.
لقد كان سيدي محمد بن عبد الله موجهاه سياسيا قديرا، بقدر ما كان ذا شخصية قوية في الميدان الديني. وفي الجانبين، السياسي والديني فرض شخصيته بكفاءة قلما توفر عليها نظراؤه المعاصرون في العالم الإسلامي.
                                                    
(1)- صفحات من كتاب «المغرب عبر  التاريخ» (العصر العلوي قبل الحماية)، لصاحب هذه الدراسة، وهو يقترب من نهاية تحريره.
(2) - ناصري، استقصا 8-11.
(3) - ن. م. ص. 12، الضعيف، تاريخ الدولة السعيدة (م. خزانة عامة- الرباط) ص 171.
(4) - أكنسوس، الجيش العرمرم، طبع حجري، فاس، ص 145، ناصري، استقصا 8، 21.
(5) - جيش، ص 145-146، استقصا، 8، 26، زياني، بستان، ص 104، ضعيف، ص 171، السليماني، اللسان المعرب، ص 78-79.
(6) - حركات، المغرب عبر التاريخ، 2، 199.
(7) - توفي سنة 1777 م.
(8) - المراكشي محمد بن أبي القاسم، الحلل البهيجة، م.خ. ع. الرباط، و. 30.
(9) - ضعيف، م. س. ص 172.
(10) -  ن. م. وص.
(11) - استقصا، 8، 36.
(12) - استقصا، 8، 37،  وحسب Hoefer, Empire du Maroc, p. 368، كان الفتح في مارس من نفس السنة، وهو يتفق تقريبا مع المصدر الذي نقل عنه الناصري.
(13) - المراكشي، الحلل البهيجة، 9. 14 أكنسوس، جيش، ص 149، المشرفي، الحلل البهية، م. خ. ع. الرباط، ص 162، الاستقصا، 8، 37، السليماني، اللسان المعرب، ص 79.
(14) - Robert Ricard, la place de Mazagan au début du 17 siècle, pp. 66, 67,75
(15) - الضعيف، ص 170، أكنسوس، ص 150، ناصري، استقصا، 8، 24 و 40.
    Hoefer po. Cit. p. 369 Ouaraichi (étude dactylographiée sur Malilia) p. 9
(16) - استقصا، 8، 12. Terrasse, Histoire du Maroc, 2, 293
(17) - استقصا، ن. ج. وص . أكنسوس، جيش، ص 147.
(18) - أكنسوس، ص 152، ناصري، استقصا، 8، 44.
(19) - يراجع الضعيف، ص 183-185. زياني، بستان، ص 112-114. أكنسوس، ص 147 و 152- 155 و 172. وبشأن الأودايا: زياني، بستان، ص 100-101. أكنسوس، ص 139. استقصا، 8، 13. Hoefer, po. Cit. p. 369
(20) - Terrasse op. cit.
(21) - Hoefer, op. cit. pp. : 369-370.
(22) - يراجع: D. Herbelot, Histoire des Etats Barbaresques, Paris, 1757,
                      Jacques Caillé, Hespéris, 1960, Ramon Lourido, Hespéris 1969, Rabat.
(23) - الضعيف، م. س. ص 164.
(24) - انظر أسماء عدد من ضباط البحرية: م. س. ص 168.
(25) - جيش، ص 138-139.
(26) - الضعيف، ص 168.
(27) - جيش، ص 144.
(28) - الضعيف، ص 176-177.
(29) - Caillé, la petite histoire du Maroc, 2, 118
(30) - استقصا، 8، 7.
(31) - استقصا، 8، 70.
(32) - Terrasse, Op. cit. p. 294
(33) - استقصا، 8، 7.
(34) - الزياني بستان، ص 114.
(35) - الضعيف، تاريخ الدولة السعيدة، ص 213.
(36) - De Castries, le Danemark, in : Hespéris, fas. 4-1926 ; pp. 327-349
Terrasse, Histoire, 2, 297. Hoefer, Op. Cit. p. 289
(37) - مصادر سابقة.
(38) - Pierre De Cenival, in Hespéris, fas 1 – 1928, pp. 23-35
(39) -  جيش، ص 141.
(40) - عباس المراكشي، أعلام، 6، 120-128 (المطبعة الملكية – الرباط).
(41) - الضعيف، ص 171-172. استقصا، 8، 29-30.
(42) - اكنسوس، جيش، ص 171. ناصري، استقصا، 8، 59.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here