islamaumaroc

كيف نحمي الثقافة العربية؟ -1-

  دعوة الحق

221 العدد

الخيار الصعب:
* خلال ثلاثة أيام متعاقبة: 10و 11و 12 نوفمبر 1981، التقى ما يقرب من مائة مفكر ومثقف عربي في تونس لدراسة وبحث وتبادل الرأي في وضع خطة ترمي إلى إقرار إستراتيجية موحدة للثقافة العربية خارج الوطن العربي.
ويمكن أن نعتبر هذا الحدث أول لقاء فكري واسع يجمع بعض فئات المثقفين والمفكرين العرب، ويخرج عن العمل الرسمي الذي ينتمي –بوجه أو بآخر- إلى الحكومات والأنظمة العربية، والذي يأتي في معظم الأحيان وفي أغلب الحالات، معطلا للقدرات الثقافية العربية على  النظر في واقعها ومشكلاتها وقضاياها وهمومها، بنزاهة وموضوعية وتجرد عن الأهواء والأغراض والمصالح السياسية المختلفة التي إن كانت تسيء إلى شيء في حياة العرب وحياة ثقافتهم، فهي هذه العلاقة البغيضة المستحكمة بين العرب وثقافتهم، ولعلها أكبر وأشنع أساءه تلحق العرب كما تلحق ثقافتهم حاضرا ومستقبلا.
ولعلنا نستبشر خيرا ونتوسم فضلا من هذا اللقاء الذي اجتمع فيه صفوة من المثقفين والمفكرين العرب، خصوصا وأن موضوع ذلك اللقاء ليس من المواضيع الطارئة، وليس من المواضيع السهلة الهينة، بل إنه لقاء عقد وهيئ لبحث أسس وقواعد خطة شاملة متكاملة، هدفها إقرار عمل ثقافي موحد على المستوى الدولي.
ولا جدال في أن تلك الصفوة من قادة الفكر والثقافة والرأي في الوطن العربي، قد حضرت الملتقى بشيء أهم من مجرد الحضور، ألا وهو التصورات والأفكار الدقيقة والعميقة حول تلك الخطة، وبرمجتها في جدول زمني واقعي ومنطقي، يقبل التنفيذ والتطبيق، ويحتوي على حد أدنى من التفاهم والتآلف والتعاون المشترك بين المثقفين والمفكرين، كي تتحقق الغاية من المؤتمر، فترتفع الثقافة العربية –بشقيها القديم والحديث، إذا جاز لنا أن نقسم هذه الثقافة إلى شقين، أحدهما قديم وثانيهما حديث- إلى مستوى الحضور المشرق والمؤثر في المجتمع الدولي الواسع الفسيح الأرجاء، حيث تضطرب الثقافات والأفكار الإنسانية دون عازل يحجب بينهما وبين أذهان الناس، ودون فارق يحول بين هؤلاء جميعا وبين تلقي وتذوق وتفهم وتمثل ثقافة الإنسان في كل زمان ومكان.
وليست هناك قضية –في رأيي- تستوجب تفاهم و تآخي وتعاون العرب أجمعين، مثل قضية الثقافة العربية التي تتعرض اليوم –كما تعرضت بالأمس- إلى مظاهر التحريف والتزييف، فأصاب العرب، خصوصا وأن موضوع اللقاء ليس من العربية في ديارها وربوعها، وضرر خارجي أصابها خارج مواطنها. فمن أجل ذلك، وجب بحث كيفية حماية هذه الثقافة داخليا وخارجيا، ووجبت دراسة الوسائل والأدوات التي ينبغي استخدامها وتوظيفها لكفالة تلك الحماية على أوسع نطاق وأرحب مجال.
ولا أريد هنا أن أطرق التوصيات والملتمسات والقرارات التي أعدتها لجنة الصياغة في هذا المؤتمر، لسبب لا أشك في أن القارئ سيقاسمني ويشاطرني الاعتقاد والإيمان به، وهو أننا في حياتنا الثقافية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية العربية، كثيرا جدا ما نصطدم بقائمة طويلة وعريضة من التوصيات والقرارات والملتمسات التي تقرها هذه اللجنة أو تلك من اللجان المتفرعة عن أشغال وأعمال مؤتمراتنا وملتقياتنا على مستوى الوطن العربي كله، دون أن نجد –من بعد- أي صدى عملي وتطبيقي لتلك التوصيات والقرارات في واقعنا العربي كله.
والمهم في مؤتمر تونس، أننا لمسنا –عبر العروض والتدخلات والكلمات التي ألقيت فيه ونشرتها الصحف والمجلات- صدق النوايا، وحسن الإرادات، وإخلاص القلوب والعقول، وصفاء الأذهان والأفكار، من أجل إنجاز هدف رفيع عظيم، تسعى له أمتنا العربية منذ سنوات طوال، وتعمل له من خلال الأجهزة والأقسام والمصالح عملا متفرقا شتيتا، لا تربط بينه وحدة الكلمة ووحدة الهدف، وإنما هي أعمال وجهود متنافرة متناقضة موزعة، كل حكومة من حكومات العرب تسعى بما يكفي من الضجيج والدعاية والإعلان الصاخب إلى إبراز الجانب الذي يوافقها ويلائم بينها وبين مصالحها، وتكون النتيجة الحتمية لذلك أن تقصر هذه الحكومة أو تلك وهذا البلد أو ذاك في السعي والعمل والجهد، أو توفق بعض التوفيق حين يتوافر لها نصيب من الإمكانيات والوسائل، وحين تتاح لها بعض الظروف والمناسبات إتاحة كاملة، والأدهى من ذلك التقصير ومن بعض ذلك التوفيق، أن أقطارنا العربية حين تتعاقب وتتوالى عليها الحكومات حسب ما تقتضيه إرادة ورغبة الحكام والقادة، تتغير معها بين عشية وضحاها، السياسات والبرامج والمناهج الثقافية كما تتغير أحوال الطقس.
وهذه المسلمة التي باتت قاعدة قلما نجد لها استثناء في أي بلد عربي كان، هي مؤشر قوي وعميق الدلالة على أن معنى الثقافة في حياة المواطن العربي، لا توليه السياسات والأنظمة العربية المتباينة مدلوله الحق، أو لنقل بعبارة أوضح وأجلى، أن هذه السياسات والأنظمة تقوم بتأويل معنى الثقافة وتفصيله على الطريقة التي تخدم مصالحها وأغراضها، وعلى النمط الذي يتمشى ويتفق مع أهدافها ومقاصدها الظرفية العاجلة.
وفي هذه الأوضاع المزرية التي تعيشها الثقافة العربية، وعلى ضوء هذه الاستخدامات الجوفاء والمفرغة من معنى الثقافة ومفهومها، فإن العمل الثقافي يصبح بحكم ضوابطه وقواعده البيروقراطية الخاضعة للجهاز الرسمي، مجرد ممارسة تهميشية عقيمة للثقافة والتفكير، ومجرد واجهة إعلامية ودعائية، يتم عبرهما تمرير وتفويت الآراء والأفكار والاختيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية المستوردة في معظم الأحيان من خارج الواقع العربي كله، ككيان له هويته الخاصة.
ولئن كان مؤتمر تونس الذي استقطب خيرة المثقفين والمفكرين العرب الذين لا أحسبهم إلا وهم يعيشون حقا محنة ومأساة الثقافة العربية، منطلقا للمراجعة وإعادة النظر وإعمال الفكر بجدية ومسؤولية وأمانة، فإنه يشكل أيضا –وهذا هو المهم- نقطة البدء في صياغة الآمال والأماني الثقافية التي ينبغي أن ينبني عليها كل تخطيط استراتيجي بعيد المدى من أجل وضع الثقافة العربية، برصيدها وحجمها ونوعية ومستواها، في سياقها الخاص وفي الطريق الصحيح القويم الذي يتلاءم مع العصر، ومع ما يضطرب ويصطرع فيه من مذاهب وتيارات واتجاهات ثقافية، تؤثر فينا بقدر ما ينبغي أن نؤثر فيها.
ذلكم في رأيي، هو الخيار الصعب الذي فطن وتنبه إليه أصحاب الدعوة إلى هذا الملتقى الثقافي، الهام في موضوعه وشكله على حد سواء. وذلك لأن الجرأة على اختيار الطريق السليم والسوي، تعادل في نظري الضمانة الوثيقة والأكيدة لنجاح أية خطوة عملية ومنطقية ومدروسة لإنجاز إحدى المهام الجسيمة التي تتطلب ممن يتحملون مسؤولياتها وأعباءها، شجاعة في الرأي هي أول ما ينبغي أن يسير عليها الخبير والحصيف.
ولابد من هذه الجرأة أن تصحح المسار، لأن مسؤولية الثقافة في حياتنا، وفهم دورها ووظيفتها في  هذه المرحلة التي تمر بها أمتنا، هي أكبر من أن تعالج فقط على مستوى الرسميات وقرارات الخبراء واختصاصيي الحكومات والسلطات، فمسؤولية الثقافة هي مسؤولية المثقفين قبل كل شيء.

القرار الثقافي والقرار السياسي:
ان الواقع العربي الذي نجتازه في هذه الحقبة التاريخية والحضارية الحاسمة، محكوم بمعطيات وقرارات عديدة، كثيرة التشعب والتعقيد، إلى درجة أن مسؤولية الخطأ والصواب في تجربة الواقع العربي، ليست محصورة في جهة واحدة منها، ولكنها تتوزع على شتى الجوانب والزوايا والأركان، بعضها يتصدره الأفراد وبعضها الآخر تتصدره الجماعات، وكلاهما قوة من قوى التغيير والتطوير في مجتمعاتنا العربية، تتمثل في الجماعات الضاغطة، والمؤسسات والهياكل الاقتصادية والاجتماعية، وعلاقات الأسرة، وأنماط الحكم والقيادة، وأشكال الرؤية إلى القضايا والمعضلات العامة، إضافة إلى رواسب وتقاليد موروثة لا تزال لها في حياتنا جدة ونضارة وشباب، وإلى اتجاهات وخيارات حديثة لها نصيبها من تلك الجدة والنضارة، ومع ذل كفلا تخطئ العين الفاحصة حين تنظر إلى باطنها، ما يكتنفها من تهور وتسرع، هما سمة الجديد الشاب الذي يريد أن يفك عنه قيود الماضي وينفض عنه ثياب القديم، فتخونه الرأفة والإشفاق والأناة.
إن طبيعة القرارات الحاسمة التي تريد أن تغير من خريطة الحاضر ومواقعه المختلفة المتباينة، متشابكة ومعقدة، غير أن استجلاء واستيضاح قسماتها وملامحها ليست دائما مستعصية على النظر الدقيق الحصيف.
وعلى سبيل المثال، فإن القرار السياسي ليس منفصلا، لا في أسبابه ونتائجه ومقدماته وأهدافه، عن القرار الاقتصادي، فكلاهما يكمل الآخر ويدفع له بحجة من الحجج التي تعوز هذا أو ذاك. ويمكن القول أيضا أن القرار الثقافي لا ينفصل –كلا وجزءا- عن مجمل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية. وهذا الترابط والامتزاج بين القرارات المختلفة المستويات والأهداف، يؤكدان لنا حقيقة بسيطة ولكنها دقيقة، وهي أن العمل الوطني أو القومي تحكمه وتقوده عوامل كثيرة، بحيث يمتزج الاقتصاد والسياسة والثقافة والتنمية بمفهومها الشامل في قرار واحد، يستعصي تجزيئه وفكه بأي وجه من الوجوه وبأي شكل من الأشكال.
وإذا تأملنا واقعنا العربي من كل جوانبه وأبعاده، وفي نشاطه وكسله، وحياته وجموده، فإننا نتلمس فيه حقيقة تشبه المحنة إن لم أقل تشبه المأساة والكارثة. ذلك لأن القرار الثقافي يكاد يكون النبرة الوحيدة في أصواتنا العالية وضجيجنا الصاخب بالشعارات والكلمات الجوفاء والنظريات الجاهزة. أي أن قرارنا الثقافي، على خطورته، لا يشغل من اهتمام الحكومات والمسؤولين والخبراء سوى حيز ضئيل صغير، وفي أحيان كثيرة، لا يشغل إلا حيزا تافها لا يؤبه له، ولا يجدر منهم بأقل شعور يلتفت إليه ويقيم له وزنا من الأوزان في حياة الأفراد والجماعات على السواء.
هكذا، نجد سياساتنا الثقافية في العالم العربي برمته، تحكمها النظرة الضيقة إلى الثقافة، والرؤية القاصرة عن إدراك وتفهم وتقدير ما للثقافة والفكر من قيمة وأهمية في مجتمعات نامية، لا تفتأ قيادتها الواعية في كل المناسبات والفرص المتاحة، تدعو إلى وجوب الاهتمام والعناية بثقافة الفرد وتوسيع مداركه وتنمية الوعي فيه وإذكاء روح الفكر في عقله ووجدانه وضميره وذوقه جميعا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here