islamaumaroc

على هامش ندوة ابن حيان القرطبي وتاريخ الأندلس.

  دعوة الحق

221 العدد

** الدكتورة العالمة الباحثة السيدة عائشة عبد الرحمان شغوفة بالمغرب درسا وكتابة وتأليفا وتنشئة للأجيال في رحاب جامعاته. وقد شاركت في الندوة التاريخية الكبرى التي عقدتها وزارة الشؤون الثقافية مؤخرا، عن المؤرخ الأندلسي العالم الشهير ابن حيان. وبعد عودتها إلى القاهرة كتبت سلسلة مقالات في أهرام الجمعة كانت دعاية طيبة للمغرب ومكانته العلمية. وفيما يلي ننشر الحلقة الأولى من هذه السلسلة لاطلاع قراء (دعوة الحق) عن جانب مما ينشره الكتاب في المشرق عن المغرب.
على مدى ربع قرن وأكثر، أعيد قراءة تاريخنا فيما نتقصى في الدراسات الإسلامية العليا من مخطوطات فيه لم تقرأ، ومدونات لمؤرخين أعلام من شهود عصور منه لا نجد لها ذكرا في مصادر الدارسين المحدثين لتاريخ الإسلام ومنها ما ينقض المعروف لنا في الكتب المدرسية والمتداولة. وكنت على نية الاتجاه إلى تاريخ المغرب والأندلس، بعد أن أفرغ بمشيئة الله تعالى وعونه، مما يشغلني من تاريخ مصر والمشرق لولا أن دعيت إلى ندوة في الرباط لدراسة «أبي مروان ابن حيان القرطبي مؤرخ الأندلس» فأتاحت لي من حيث لم أحتسب، قراءة جديدة في تاريخ الأندلس.
وابن حيان الذي شغلنا في هذه الندوة الأولى عنه، غير مجهول لنا: فأعلام مؤرخي الأندلس وأعيانها وحضارتها من زمن ابن حيان (377-469 هـ) فما بعده، ينولون إلى تاريخه الكبير  فلما يعدونه فيما أرخ له مع التنويه به والإقرار له بالصدارة والرياسة وقد عدوا من مفاخر الأندلس، هذا التاريخ الكبير بشطريه (المقتبس) وفيه يؤرخ للأندلس من الفتح الإسلامي إلى آخر القرن الرابع.
و(المتين) وفيه يؤرخ لأحداث عصره الذي شهد اختصار الدولة الأموية الكبرى وسقوطها سنة 422 هـ وقيام ملوك الطوائف.
لكن هذا التاريخ الجليل العمدة، ظل بشطريه محجوبا عنا حتى عثر مستشرقون على أجزاء من مخطوطات (المقتبس) فيما نقبوا عنه من ذخائر تراثنا.
الراهب الإسباني «ملتشور أنطونيا» عثر على قطعة من مقتبس ابن حيان في أكسفورد ونشرها في باريس سنة 1937.
والمستشرق الإسباني «فرانسسكو كوديرا» عثر على قطعة في قسنطينة بالجزائر فاستنسخ منها نسخة أودعها مكتبة المجمع الملكي بمدريد. ثم ظهر أن أصلها في الجزائر قد ضاع وبقيت نسخة كوديرا نشرا الأستاذ عبد الرحمان الحجي في بيروت سنة 1965.
وعثر المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال على قطعتين من المقتبس في خزانة القرويين بفاس، فعرف بهما ثم ضاعت إحداهما وبقيت الأخرى فنشرها الزميل الأستاذ الدكتور محمود علي مكي مع مقدمة قيمة حافلة.
هذه الأجزاء المنشورة من (المقتبس) قرأها الأستاذ الجليل «الحاج امحمد أبا حنيني، وزير الدولة للثقافة المغربية» فرأى فيها إضافة ذات بال إلى المعروف لنا من تاريخ الأندلس. فكان أن قرر الدعوة إلى هذه الندوة الأولى لابن حيان القرطبي الذي سبقنا المستشرقون إلى العناية به والبحث عن مخطوطات تاريخه.
وكنت فيمن تفضل الأستاذ الجليل فتذاكر معهم في موضوع الندوة وزودني بما في خزانته من منشورات المقتبس ويسر لي بأريحية أصيلة، تصوير ما احتجت إليه من مخطوطات في خزائن المغرب.
على مهل أرجو بإذن الله أن أقدم قراءتي الجديدة لتاريخ الأندلس في صحبتي لأبي مروان ابن حيان.
وأتحدث اليوم عن ندوته في الرباط.
الندوة عقدت في الأسبوع الثالث من نوفمبر الماضي، وهو الموعد المحدد لمؤتمر القمة بفاس. ذكرني هذا التوقيت بمثله في خريف سنة 1969 حيث عقد بفاس المؤتمر التأسيسي لجامعة الجامعات الإسلامية. في أواخر سبتمبر ودعينا على أثره لشهود مؤتمر القمة الإسلامي بالرباط في فاتح أكتوبر. فكأني فهمت أن التوقيت في المرتين، يلتفت إلى أهمية الموقع العلمي في وجود الأمة.
وإذا كان مؤتمر القمة العربي بفاس، قد انفض يوم افتتاحه على مرأى ومسمع من عالم اليوم الذي احتشد لشهوده، فإن ندوتنا العلمية في الرباط تابعت جلساتها بنجاح مرموق تضيء للأمة ماضي تاريخها بالأندلس وتؤكد ما نحن في أشد حاجة إليه، من قراءة جديدة لتاريخنا.
وكانت البداية مبشرة بالتوفيق: إذ حدث  قبيل انعقاد الندوة تعديل وزاري في المغرب، انتقل فيه الداعي إليها «السيد الأستاذ الحاج امحمد أبا حنيني» من وزارة الثقافة إلى وزير دولة بالديوان الملكي، وعين الأستاذ «الدكتور سعيد بلبشير» وزيرا للثقافة.
وعلى غير المعهود من وزراء جدد يستهلون عهدهم بالإعلان عن فراغ في مواقعهم يبدأون فيه من نقطة الصفر، استهل الدكتور سعيد عهده بإنجاز ما بدأ سابقه الأستاذ الحاج أبا حنيني، معترفا له بالفضل وباذلا غاية جهده لتحقيق الندوة التكليف المنوط بها، وتتم على خير وجه يرجى لها. وبحكم اختصاصه في القانون والنظم الإدارية استهل الندوة بعرض قيم لهذا الجانب من تاريخ ابن حيان، كشف عن وثائق مطوية من عراقة تاريخنا الحضاري في الأفق الأندلسي والمغربي.
وسجلت الندوة، حرص المشاركين فيها من عرب ومستشرقين، على حضور جلساتها ودراسة ما قدم إليها من بحوث والاشتراك في مناقشتها. كما اشترك في هذه المناقشة صفوة من المثقفين المغاربة غير الأعضاء احتشدوا لشهود الجلسات والإصغاء إلى ما ألقى فيها من عروض، مما زاد في حيوية الندوة وعطائها.
وعهدي بمؤتمرات شهدتها يكتفي مشاركون فيها بحضور الجلسات المحددة إلقاء عروضهم الخاصة، وتصرفهم عن سواها شواغل أخرى فينفض المؤتمر وكأننا ما التقينا.
وكنا جميعا صحبة فيما نظمت وزارة الثقافة لأعضاء الندوة من زيارات للمعالم التاريخية، وعلى الموائد الكريمة في ضيافة العلماء المغاربة حيث امتد اللقاء عامرا بالمذكرات و التواصل الفكري يجدد حيويتنا ويوسع آفاقنا ويوثق ما بيننا من أواصر القربى.
فإن تكن الأمة قد شق عليها ما حدث في مؤتمر القمة العربي بفاس فقد يهون عليها أن نشهد الندوة التاريخية بالرباط، أن الموقع الفكري مرجو السلامة من ذرائع الفتنة الحالقة التي مزقت شملنا وأذاقت بعضنا بأس بعض، مرجو الجهاد لحفظ آية الله تعالى فينا: «وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here