islamaumaroc

الخطوات الحسنية في سبيل إحياء القيم الإسلامية.

  دعوة الحق

221 العدد

إن المؤرخ لحياة الحسن الثاني، والدارس لسيرته، والمتتبع لخطواته، وأسلوب حكمه، يلاحظ في جلاء ووضوح، أن خط سيره مستقيم، على سنن واضح، سار عليه الآباء بعد الأجداد، مع تحديث وتجديد، ومراعاة لظروف العصر وإمكاناته وأحداثه.
إن هذا الخط الواضح المستقيم، يمتد على معالم إسلامية،  ومراحل تجديدية، هدفها قيام الإسلام وإحياء معالمه، وبناء نظام الدولة على هديه وتوجيهاته، لأنه أساس المنطلق الصحيح والغاية المثلى، وهو الملاذ الوحيد من كل أدواء العصر ومادياته، وشواغله وملهياته، التي تصد عن الهدف، وتعترض السبيل، وذلك ظاهر بين من جهود هذا الملك وخطواته، ومراميه وأهدافه.
ولنبدأ معه المسيرة منذ أن ولاه الله أمر هذه الأمة، واختاره لقيادتها والسير بها في مدارج الكمال، وقد أحببت في هذه المناسبة أن أتحدث عن بعض جهوده وأعماله في هذا الميدان، تدليلا على ما قلت، وتمثيلا لما رميت.

1- الدستور والإسلام:
لم يكد الحسن الثاني يتسلم مقاليد الحكم، حتى بادر باتخاذ دستور للبلاد، ينظم ممارسة السلطة ويشرك الشعب في الحكم، وكان أول ما افتتح به الدستور، هو النص على أن المملكة المغربية دولة إسلامية(1) كما نص الدستور على أن الإسلام دين الدولة(2) تأكيدا لواقعنا الحي، وإقرارا وتسجيلا للحقيقة الأزلية التي اختارها الله لصلاح خلقه، حينما قرر أن الدين عند الله الإسلام.
ولعل بعض الناس في المغرب يعجبون من اعتبار الإسلام دين الدولة في الدستور، ميزة مغربية وريادة إسلامية، ولكن الدارسين للقانون الدستوري في البلاد العربية، والمطلعين على دساتيرها وقوانينها، يجدون أغلب تلك الدساتير تفقد هذه المزية، إذ أن أغلب واضعي دساتيرها لم يجدوا الشجاعة لإقرار هذا الفصل وهذا النص، ذلك أن دساتير بعض الدول لم ينص على دين الدولة لاعتبار أو آخر، وبعضها اكتفى باعتبار الإسلام أحد مصادر التشريع، وهو إجحاف كبير بحق المسلمين، وغمط  لحقيقة شعوبنا المسلمة لا يكاد يغير من الحقيقة القائمة شيئا.
أما عندنا في المغرب، وفي الجناح المغربي من دولة الإسلام، فلم يشذ دستور من دساتيرنا، عن التشبث بهويتنا، والتنصيص على إسلامية الدولة والنظام، وطبعهما بطابعه الخاص، وآية ذلك أننا الدولة الإسلامية الوحيدة التي سمى دستورها ملك البلاد أمير المؤمنين(3) وهو لقب إسلامي كان أول من سمى به الخليفة عمر الفاروق وأحياه المغرب وحافظ عليه بكل مظاهره واعتباراته.

2- إنشاء دار الحديث الحسنية:
لقد أسس الحسن الثاني دار الحديث الحسنية سنة 1964 في أولى سنوات حكمه، على تقوى من الله ورضوان، وشرفها باسمه الكريم، تحقيقا لأمنية عزيزة عليه، وشعورا منه بالدور العظيم والرائد الذي قامت به جامعة القرويين طوال تاريخ بلادنا، مما جعلها وجه المغرب المشرق، وعنوان حضارته ومظهر كماله.
ولذلك رمى من تأسيسها تحصين مقوماتنا الروحية، وصون تراثنا الإسلامي واستمرار عطائه ومدده، حتى يتخرج منها علماء يكونون الأطر العليا في العلوم الإسلامية، وتواكب دار الحديث فجر النهضة المغربية، وتكون مركزا علميا جديدا، وعاملا من عوامل التقدم العلمي في بلادنا، ومنارا يهتدى به المسلمون في كافة أرجاء العالم الإسلامي(4).
لقد حققت دار الحديث الحسنية نتائج باهرة، وقدمت للمغرب وللمسلمين عطاء رائعا، رغم أنها ما تزال في بداية حياتها، وفي أولى  خطوات مسيرتها، فخرجت أكثر من ثلاثمائة إطار علمي عال، وقدمت للأمة سبعين من حملة ديبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية، وتسعة من حملة دكتوراه الدولة.
لقد كان تأسيس دار الحديث الحسنية خطوة جبارة من الخطوات الحسنية، وحدثا عظيما في تاريخ الإسلام المعاصر تفردت به بلادنا، وهي الآن في مسيس الحاجة إلى دعم العظيم من مؤ سسها وراعيها لتأمن العراقل وتتخطى الحواجز.

3- المسيرة الخضراء:
لقد كانت سنة 1975 فتحا في تاريخ المغرب والمسلمين، وذلك عندما دعا الحسن الثاني شعبه إلى مسيرة خضراء، لتحرير الصحراء بالطرق السلمية، كانت طريق الكرامة والنصر والاعتزاز بمغربيتنا وتحقيق وحدتنا الوطنية.
لقد كانت المسيرة زحفا مقدسا لم يشهد له التاريخ مثيلا، خلقت مغربا جديدا في حدوده وسياسته وسلوكه الدولي، فقد كان قوامها الإيمان والتضحية والجهاد والتطوع والتعبئة والتنظيم.
لقد تأسى الحسن الثاني، في المسيرة الخضراء بالرسول عليه الصلاة والسلام، عندما خرج في السنة السادسة للهجرة، على رأس المهاجرين والأنصار عام الحديبة قاصدا مكة المكرمة لأداء المناسك واقامة المشاعر، وساق معه الهدى، وأحرم بالهجرة ليأمن الناس من حربه، وليعلموا أنه إنما خرج زائرا للبيت الحرام، ومعظما له قائلا في تصميم: «فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به، حتى يظهره الله –أي الإسلام- وتنفرد هذه السالفة» فكان صلح الحديبية، وكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. وأنزل الله عليه عند منصرفه من مكة آتيا المدينة، «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» الآية.
وعندما قام المغاربة بمسيرتهم الخضراء بقيادة ملكهم، إنما صدروا عن رأي الإسلام، وسنة الإسلام، وتوجيهات الإسلام، الذي عرف طوال تاريخه المجيد بأنه دين سلم ومسالمة، وأن المسلمين لم يلجئوا إلى الحرب إلا اضطرارا، وفي حالة الدفاع عن النفس، وعندما تنعدم الوسائل السلمية، أو لا يبقى لها جدوى خصوصا وأن الإسلام في جميع أدوار تاريخه، سواء في مكة أو في المدينة أو في غيرهما، لم يعول إلا على الحجة، ولم يلجأ إلى السيف إلا دفاعا، و هذا تاريخ انتشار الدعوة الإسلامية، شاهد قائم، بأن الحرب في الإسلام طارئة عارضة، وأن السلم قاعدة 
 دائمة، ولذلك قامت العلاقات الدولية بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، على أسس السلام الدائم بين البشر لا ينقصه إلا العدوان وحده، والغدر ونقض المواثيق والعهود.
لقد كان قرار المسيرة الخضراء اختيارا أساسيا وخطة حكيمة، أثارت دهشة العالم وإعجابه، وأكدت العبقرية المغربية والتوفيق الحسني، في انتهاج هذه الخطة السياسية السليمة الرائعة، في مثل هذه الظروف وفي هذا العصر، الذي مل الناس فيه الحرب والاضطراب والفتن، وبذلك ستبقى مسيرتنا الخضراء، حدث العصر وملحمة القرن، سواء في اختيارها وتنظيمها ونظامها، وإعجاب المجتمع الإنساني بها، والتفاف الشعوب والدول من حولها، رغم كيد الكائدين وحسد الحاسدين(5).
ولقد جاءت صلاة الشكر التي أدتها جموع المسيرة الزاحفة، بمجرد ما وطئت أقدامهم أرض الصحراء، فتحا كريما وإعلانا مبينا، بأن الشعب المغربي شعب مسلم، يتأسى برسوله وبنبيه، سننه وتعاليمه.
وإذا الحسن بدا فانظر له
            فصلاة الشكر فرض يا أخي(6)

4- المجالس العلمية:
من هذه الخطوات الرائعة، والجهود الكريمة، في سبيل إحياء القيم الإسلامية، والعودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ومزيد التعلق بها، احتفل الحسن الثاني بمطلع القرن الجديد، واستقبله بإصدار ظهير تجديد وتنظيم المجالس العلمية، وتحديد اختصاصها:
1- بإحياء كراسي الوعظ والإرشاد والتثقيف الشعبي بالمساجد والسهر على سيرها.
2- وتوعية الفئات الشعبية بمقومات الأمة الروحية والأخلاقية والتاريخية وذلك بتنظيم محاضرات وندوات ولقاءات تربوية.
3- والإسهام في الإبقاء على وحدة البلاد في العقيدة والمذهب في إطار التمسك بكتاب الله وسنة رسوله.
4- والعمل على تنفيذ توجيهات المجلس العلمي الأعلى الذي يتولى رئاسته بنفسه(7).
وعندما قام الملك بتعيين أعضاء تلك المجالس ورؤسائها، وجههم إلى ما ينبغي لهم عمله، ودلهم على الخطة السديدة التي يلتزمونها ويتوخونها، وقد كان في توجيهاته وتنبيهاته مجددا ورائدا، رمى فيها إلى إشعار الرؤساء والأعضاء، إلى أنه ينبغي لهم أن يبادروا إلى القيام بما أسند إليهم من عمل ومهام، ولكن بأسلوب العصر وحركته وتطوره وظروفه، حتى لا تصاب المجالس بالجمود والركود حيث خاطبهم بقوله:
«فعلى مجالسنا العلمية أن لا تبقى منحصرة في نواقض الوضوء وموجبات الغسل، عليها أن تواجه الغزو الخارجي والغزو المادي وحتى تعرف بالإسلام وخصاله وفضائله وتساهله، أقول  تساهله. لأن الدين يسر وليس بعسر ولن يشاد أحدكم هذا الدين إلا غلبه فبشروا ولا تنفروا وافتحوا قلوبكم لكل سائل وافتحوا أدمغتكم حتى تجلسوا معه على مستواه الاجتماعي والفكري والسني.
فإذا أنتم –رعاكم الله- تحصنتم بهذا وتحليتم بهذه الفضائل سوف إن شاء الله يظهر لنا من مجالسنا العلمية سواء التي كانت في القدم أو التي أنشئت أو التي ستنشأ إن شاء الله في القريب سيكون من هذه المجالس العلمية ما يكون»(8).
لقد أراد الملك بهذه الخطوة العظيمة، أن يستقبل المغرب القرن الهجري الجديد، بعزيمة قوية، وتوجه متوثب نحو دينه ومقوماته، ليجدد مجتمعه ويعود به إلى أصله كي تعود السيادة الكاملة للإسلام في جميع المجالات المغربية كعهده منذ القديم وطوال مراحل تاريخه الأصيل.
إن المهمة العاجلة للمجالس العلمية تتمثل في ملء الفراغ، في عقول شبابنا وناشئتنا ورجالنا، هذا الفراغ الذي كان يملؤه الإسلام بتعاليمه وتوجيهاته، ونوره وضيائه، وإشراقه واسماحه، والذي كانت المجالس العلمية عن طريق المسجد وحلقاته وكراسيه، تنشر العلم والمعرفة، والإيمان والنور، والتوجيه والتسديد وخاصة في أوساط الصناع والتجار والحرفيين وأرباب المهن، وسائر الطبقات التي لم تسعفها الظروف للتعلم والتفقه في دينها.
إن ملء الفراغ الذي حلت محله هذه الإيديولوجيات الغربية، والأفكار الأجنبية البعيدة عن بيئتنا وتربيتنا وعاداتنا ومقوماتنا، وذلك بسبب الاستعمار الذي لم يستطع بكل وسائله وتآمره، أن يقضي على الإسلام في هذه الديار، وظلت عقيدتنا وديننا بفضل القرآن قائمة ثابتة، لذلك كان ملء الفراغ في العقول والنوعية الصحيحة، وبعث القيم الإسلامية الأصيلة، وبعث الهمم للعودة إلى سالف عهدها وماضيها المجيد، كما كانت في جميع المجالس، حتى تعود للمساجد حياتها وصولتها، ويعود للعقيدة سيادتها ونهضتها في جميع مجالات حياتنا.

5- الرسالة الحسنية في مطلع القرن الجديد:
من جميل المصادفات وبديع الموافقات، أن يصدر الحسن الأول في مطلع القرن السالف رسالته التوجيهية إلى الأمة، وأن يوفق الله الحسن الثاني وينعم عليه، فيصدر في مطلع هذا القرن الخامس عشر الهجري رسالته الملكية إلى الأمة المغربية والإسلامية جمعاء.
ولذلك اعتبر أن من حظ هذا الجيل ونعم الله عليه، أن أتاح له أن يحيا ويطول عمره، ليشهد نهاية قرن مضى بما كان مليئا به من مكائد ومغامرات، ومطلع قرن أقبل بما يحمل من مفاجآت التحديات، وكل هذا يدعونا للتأمل والتدبر في الماضي القريب والبعيد، والنظر بتفاؤل وعمق، والتطلع إلى آفاق المستقبل، واستشراق أحداثه، والعمل بما يعود على الإسلام وحياة المسلمين بكل خير(9).
لقد رسمت هذه الرسالة الملكية الخطوط العريضة لمستقبل المسلمين، وما ينبغي لهم عمله، والخطوات التي ينبغي أن يخطوها والجهود التي ينبغي أن يروموها ويسعوا في سبيلها من أجل بناء مجتمعهم من جديد على هدى الإسلام قرآنا وسنة متأسين بالرسول، ومستلهمين سيرته الكريمة التي هي السلوك الأقوم الذي ينبغي أن تقوم عليه وأن تسير على هديه، ولذلك نبه جميع المسلمين، من باب النصح الواجب لهم، بأن عليهم أن يقدروا مسؤولياتهم جميعا، كل في حدود اختصاصه وواجبه، ومن أجل هذا وتقديرا لهذه المسؤولية، وجه رسالته إلى أبنائه المغاربة، وإلى إخوانه المؤمنين في سائر بلاد الإسلام باعتباره أميرا للمؤمنين وحامي حمى الملة والدين، وقائدا من قادة المسلمين(10).
إن الإسلام أوجب على المسلمين، من باب الاهتمام بأمورهم، والعناية بشؤونهم، التناصح فيما بينهم، لكون النصيحة هي الشرط الأساسي في صحة الانتماء إلى الدين، والتواصي بالصبر، حتى يواجهوا بعزم وحزم، جميع التحديات والأزمات، ويبذلوا أقصى الجهود وأعظم التضحيات.
وإذا كان الله بعث سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، بخاتمة الرسالات ودين الحق، فهدى إلى المحجة البيضاء، فأدى الرسالة وبلغ الأمانة، فإن على خلفاء المسلمين وملوكهم وأمرائهم وحكامهم، أن يقوموا بالأمانة التي طوق الله بها أعناقهم، ووضعها على عاتقهم، وهي الذود عن الشريعة، والحفاظ على الدين، وحماية المجتمع الإسلامي من كل زيغ أو ضلال(11). وإن هذه المسؤولية لتعظم في هذا القرن وتزداد، بسبب ما أصاب المسلمين من استعمار وتسلط، وما أحاط به من تكالب وائتمار، ولكن الله بالغ أمره ومظهر دينه، بحوله وقوته ومشيئته.
ولذلك أكدت الرسالة الملكية، أن ملوك المغرب حافظوا على هذه الأمانة، ورعوها حق رعايتها، سواء فيما وراء البحار، أو ما جاوره من الأقطار، فنشروا دين الله، وثبتوا معالمه، ونشروا تعاليمه.
ذلك لأن الإسلام دين الله إلى البشرية جمعاء، ولأنه صالح لكل زمان ومكان، ولأن شعائره وشرائعه مؤسسة على تقوى من الله ورضوان، فهو يقرر كرامة الإنسان، ولا يرضى له بالتعرض للذل والهوان، وهو دين العلم والحرية، والعدل والمسؤولية، والشورى بين الراعي والراعية، والوفاء بالعهود والمساواة والتيسير، ومجافاة كل جمود وتكسير، وهو دين الوحدة والعمل، والتوحيد والأمل، وهو دين يلائم الفطرة السليمة وتنسجم مبادئه مع الطباع والعقول السليمة، لذلك فهو يحل جميع الطيبات، ويحرم كل الخبائث والممقوتات، ويكفي هذا الدين كمالا وجمالا، أن هدفه خدمة الفرد والجماعة وتبادل الإفادة والاستفادة(12).
إن من شأن تعاليم هذا الدين وسمو أهدافه وغاياته، أن تحقق لأمة الإسلام كل عز وتطور، وكمال وسمو، إن هم التزموا مبادئ الدين وأحكامه، وطبقوا أوامره وتعاليمه، لأن فيها الخير للمسلمين، وقد جعلها الله مناط تقدمهم ورفعتهم. إن هم استوعبوها، وأدركوا مقاصدها وتفهموا أسرارها.
إن هذا يقتضي من الأمة الإسلامية، أن تعد العلماء الأكفاء، والمفكرين الهداة، المستوفين لشروط الاجتهاد، وتكريس الجهود، لإحياء تراث الإسلام، وصياغته صياغة جديدة، تجعله في خدمة جماهير المسلمين، ومن أجل ذلك على الدعاة، والعلماء أن يوحدوا الجهود والصفوف، وعلى القادة والحكام، والمسؤولين أن يفتحوا الطريق أمام العلماء والدعاة ويشملوهم بالرعاية الكافية.
وعلى هؤلاء وأولئك أن يعطوا القدوة الحسنة لمجتمعاتهم ورعيتهم، بالعمل المفيد والقول السديد، وإسناد المسؤولية إلى مستحقيها، ومحاسبة كل من يخرج على حدودها، وبالتمسك بالخلق الكريم، والسلوك القويم، وإقامة معالم الخير والبر، ونشر الفضيلة والمروءة، وضمان العدل والإحسان، تحقيقا لخيرية هذه الأمة والفضل العظيم الذي حباها الله به(13).
إن على الأمة الإسلامية والمسؤولين فيها خاصة، أن يحسنوا التصرف فيما وهب الله هذه الأمة من مركزه ممتاز، وما حباها من ثروات وخيرات، وأن يصرف ذلك كله فيما يعود بالنفع والفائدة على مجتمعاتهم والتقدم والتطور والخير.
وعلى المسلمين مواصلة الدور الحضاري الذي ألقاه الإسلام على عواتقهم، وقام بواجبه سلفنا الصالح خير قيام، وذلك على نحو جديد يتناسب مع معطيات العصر وظروفه.
لقد لخص الحسن الثاني نصحه لشعبه ولأمته في عبارة موجزة مركزة بقوله:
«ولعل أجمع وأنفع وصية، يوصي بها كل مسلم أخاه في بداية القرن الجديد، هي أن نطبع فكرنا وحياتنا وسلوكنا الخاص والعام، بالطابع المميز لحضارتنا الإسلامية، الذي ارتضاه الله لنا، ألا وهو طابع الاعتدال والوسط، المنافي لكل سرف وشطط، والمترفع عن كل تهريج ولغط، ففي نطاق المبدأ الإسلامي «الوسط» والحد الفطري «الوسط» لا كبت ولا إباحة، وإنما علاقات شرعية أخلاقية، وفي نطاق المبدأ الإسلامي «الوسط» لا محل للإسراف والتبذير، كما أنه لا محل للشح والتقتير، ولا محل للغنى الفاحش، كما أنه لا محل للفقر المنقع، ولا محل للفوضى، كما أنه لا محل للاستبداد، ولا محل للغو في الدين، كما أنه لا محل للتطاول على قداسة الدين، ولا محل لطغيان مطالب الروح على مطالب الجسد، كما أنه لا محل لطغيان الجسد على مطالب الروح»(14).
لقد جاءت الرسالة الملكية التي وجهها الحسن الثاني إلى شعبه في المغرب وأمته الإسلامية جمعاء، إعلانا لفترة حاسمة في تاريخ المسلمين، وهي فترة مواجهة التحديات والمفاجآت التي يتعرض لها ديننا وشعوبنا، ومواجهتها بكل حزم وعزم، وتحمل مسؤولياتنا التاريخية، حتى نعود إلى حظيرة الإسلام الصحيح، وربط الماضي بالحاضر، ونعد الحاضر للمستقبل، وذلك بجعل القرآن دستورا ورائدا، واتخاذ الرسول المصطفى إماما وقائدا، فذلك وحده طريق وحدتنا وانتصارنا وقوتنا وعزتنا.

(1) - جاء هذا في تصدير كل الدساتير المغربية الثلاثة: 1962- 1970- 1972.
(2) - الفصل السادس في كل من الدساتير الثلاثة.
(3) - الباب الثاني من الدساتير الثلاثة في الفصل 19 من كل منها.
(4) - بيان جمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية الصادر بتاريخ دجنبر 1981.
(5) - المسيرة الخضراء سنة إسلامية للكاتب – مجلة الفنون- العدد الخاص بالمسيرة ص: 166- 167، سنة 1975.
(6) - جاء هذا البيت في الخطاب الملكي الموجه للشعب في أثناء المسيرة لإعلان الشكر لله.
(7) - الفصل الثامن من ظهير المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الإقليمية بتاريخ 3 جمادى الآخرة 1401 – 8 أبريل 1981.
(8) - من الخطاب الملكي الذي حدد فيه أهداف ومقاصد المجالس العلمية في عاشر رمضان 1401.
(9) - انظر الرسالة الملكية ص 2.
(10) - المصدر السابق ص 3.
(11) - الرسالة الملكية ص 4 و 5.
(12) - المصدر السابق ص 6 و7 و 8.
(13) - الرسالة الملكية ص 11 و 12.
(14) - الرسالة الملكية ص 19.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here