islamaumaroc

حول حقوق العمال في الإسلام

  دعوة الحق

221 العدد

أدرجت «الشرق الأوسط» الزاهرة كلمة للأستاذ عبد المنعم عبد العليم السيد «عن حقوق العمال في الإسلام» قصد بها إلى أن يعرض بيانا موجزا لموقف الإسلام من ضمان العدل والإنصاف للمؤجرين، وقد ساق –تدعيما لما عرض من آراء- مجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأثرا عن عمر رضي الله عنه، فكان مثل عدد كبير غيره ممن يحفزهم الحماس للإسلام إلى ابتغاء الاهتداء في نصوصه إلى ما يبرزه تشريعا شاملا لدقائق وجزئيات التطورات التشريعية الوضعية، فيتمحلون في تأويل النصوص القرآنية والحديثية، بل ويبعدون في التمحل إلى أن يقتطعوا أجزاء من آيات أو فقر ليجعلوها تساوق ما يريدون أن يثبتوه، ولو أنهم جاؤوا بالآية أو الحديث كاملا لما تيسرت لهم هذه المساوقة، بل إنهم كثيرا ما يغفلون «بضم الياء» أو يغفلون «بفتح الياء» عن أبسط ما يستوجبه الاستدلال بالحديث من التثبت منه صحة وحسنا أو غرابة أو ضعفا وارتفاعا واتصالا أو انقطاعا أو إرسالا، إلى غير ذلك من القواعد المقررة لتمييز درجة المروى حديثا من حيث الاحتجاج والبرهنة.
ويبدو أن الكاتب الفاضل التبس عليه معنى كلمة «العمل» حين تجيء للدلالة عن الجهد العضلي وما شاكله –بما فيه أنواع من الجمد الفكري المراد منه الانتاج- وحين تجيء للدلالة عن سعي الإنسان التعبدي المحض في  سبيل آخرته أو من أجل تقويم العلاقة بينه وبين الله –كما هو شأن الصوفية- وحين تجيء للدلالة على الاضطلاع بمسؤولية من مسؤوليات الدولة بتكليف من رئيس الدولة أو ممن يفوض إليه أمر التكليف وتوزيع المهام والمسؤوليات.
وما من تشريع وضعي أو سماوي يلبس هذه الدلالات بعضها ببعض، ذلك بأن ما يدخل في نطاق التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، وما هو من شأن الحياة الدينية التعبدية الصرفة، وما يختص بالتنظيم السياسي ومتعلقاته، أوضاع متغايرة لا سبيل إلى تجميعها في تشريع واحد. فالتنظيم الاجتماعي والاقتصادي من خاصة شؤون الدنيا التي صرح الحديث الشريف المتصل بموضوع «تأبير النخل» المشهور بأنها من خاصة الناس، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) وغاية أمر التشريع السماوي في ما يتصل به هي الضوابط العامة التي ترسم معالم العدل والإنصاف، وتزجر عن النظم والاعتساف. ومن هذا القبيل ما ورد في الحديث الشريف من إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، إذ لا مراء في أن مناط التشريع هو حظر مماطلة الأجراء التي تؤدي إلى إذلالهم أو تضييع مصالحهم. ولو قد أخذنا بظاهر نص الحديث لحظرنا استئجار الناس بمرتب شهري أو أسبوعي، وهو ما لا يمكن أن يقول به عاقل.
وباستثناء الآية الكريمة (وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون لياكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون) (سورة يس). لا يحضرني نص قرآني ورد فيه ذكر العمل –من أي اشتقاق- بمعنى النشاط اليدوي وما شاكله من أنشطة الإنتاج، وهذا النص –مع وروده في مجال الإنتاج- لا علاقة له من قريب أو بعيد- بما يتصل بالإنتاج لصالح الغير ابتغاء الأجر، إن هو إلا توضيح لحقيقة أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان ويسر له ما يستمتع به من خيرات الأرض، وأن عمله بيده في ما يستلزم العمل باليد الحصول عليه من ثمرات الأرض ليس أكثر من وسيلة هداه الله إليها للاستفادة مما خلق له ويسر.
وإن الخطأ الساذج أن يساق قوله سبحانه وتعالى: «وان ليس للإنسان إلا ما سعى» (سورة النجم). مساق الاستدلال على أن القرآن الكريم يحدد طبيعة أجر العمل، ذلك بأن الآية الكريمة ومساقها من القرآن الكريم ينكران أشد الإنكار أن يكون لها أي اتصال بما هو من خالصة شؤون الدنيا، يمحضانها لما هو من خالصة شؤون الآخرة، فالله سبحانه وتعالى يقول: «أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم تجزاه الجزاء الأوفى» الآيات. وأغرب من التمحل في تأويل الآية السابقة هذا الاستدلال العجيب على أن القرآن «ساوى» بين الرجل والمرأة في العمل ف (أباح للمرأة أن تضطلع بكافة الوظائف والأعمال المشروعة التي تحسن أداءها ولا تتنافى مع طبيعتها وأن تجني –شأن الرجل- ثمار جهدها وعملها) بالآية الكريمة «فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض» (سورة آل عمران). فهذا التمحل العجيب لا سبيل إلى محاولة الإدعاء بأنه غير مقصود بطريقة سفسطائية، إذ أن مجرد التأمل في الآية نفسها ودون العودة إلى ما قبلها أو وصلها بما بعدها، بل ومن غير حاجة إلا إلى مجرد فهم الكلمات المؤلفة للآية فهما لغويا صرفا، يهدي تلقائيا إلى أن المراد من العمل هو العمل التعبدي الذي هو من خالصة الدين، وإن شمل «الإنتاج» إذا قصد به الكسب الحلال، ونفع الآخرين وعمارة الأرض لوجه الله، وأن المساواة التي وعد بها الله في الأجر عليه هي من محض جزاء الآخرة، أو جزاء الله في الدنيا، ولا علاقة لها بأي تنظيم أو ضبط لطبيعة «المعاملات» الدنيوية بين الناس بعضهم مع بعض. أما إذا رجعنا إلى ما قبل الآية وما بعدها فإننا نشفق من هذا الدمغ القاصف للتمحل والمتمحلين الذي تدمغ به الآية السابقة لها «ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد» والآية اللاحقة «فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأودوا في سبيلي وقاتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب». فليت شعري هل هنالك أدعى إلى العجب من التمحل الذي ينحرف بدلالة الآية القرآنية الصريحة عن موردها والمراد بها إلى ما لا يتصل بها من قريب ولا بعيد ...!
وما أريد أن أمضي في استقصاء هذا الانحراف والتحريف للذين حرد إليهما الكاتب حردا فأقف عند مزاعمه في آية (سورة الأحقاف) وآية سورة (الزلزلة) إشفاقا من الإطالة على القرآن أن أريد إلا أن ألفته وألفت أمثاله ممن يحفزهم الحماس لنصر الإسلام ويقعد بهم «ضعف البصر» بنهجه في التشريع والتعبير، إلى أن التشريع الإسلامي لم يشمل بنصوصه القرآني أو الحديثية تحديد وضبط الحكم أو التنظيم أو التوجيه في جميع جزئيات الحياة الفردية والاجتماعية، وإنما وضع ضوابط عامة وتوجيها أساسيا، وترك للإنسان أن يستنبط منها –أو على هداها- النظم والأحكام والضوابط والحدود لما تتعين إليه الحاجة وتستجد تبعا لتطوره حضاريا وتغايره بيئيا، بل واختلاف مستوياته معاشيا. ولذلك كان الفرق بين «الفقه في الدين» وعلم التأويل في الدعاء النبوي الشريف لابن عباس كما ورد في الحديث (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وكان الفرق بين الوعي والسماع في حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهما مرفوعا (نصر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها: فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) الحديث. و في حديث لابن مسعود رضي الله عنه (سمعت رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نضر الله امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه. فرب مبلغ –بفتح اللام المشددة- أوعى له من سامع). وكانت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بالفقيه دون أن تشمل الناقل غير الفقيه، وفي الحديث الشريف المتفق عليه: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين).
وليس أخطر في محاولة فهم الإسلام واستنباط الأحكام من نصوصه، أو الاستدلال عليها، من عدم التثبت من المعنى المراد للآية أو الحديث ومن التسرع –اندفاعا وراء مجرد الانفعالات الوجدانية- في ارتجال الأحكام أو اهتبال الحجج والأدلة، دون اعتبار لقواعد الاستنباط والاستدلال وموارد الآيات والأحاديث ومقاصدها. ففي الحديث الشريف –وإن كان في سنده مقال ...(من قال في القرآن برأيه – وفي رواية من غير علم- فاليتبوأ مقعده من النار). ومن الحديث المتفق عليه: (من كذب علي ومن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم –وفي رواية «متعمدا»- فليتبوأ مقعده من النار) تقويله ما لم يقل، أو تحميل قوله غير ما يريد.
ولئن كان القرآن الكريم لا ينص صراحة و«بخاصة» على ضوابط وأحكام تنظيمية للعلاقات بين الأجراء والمؤجرين، بل يكل ذلك إلى ما يقتضيه عموم الأمر بالعدل والزجر عن الظلم والوعيد للظالمين، فإن الحديث الشريف حافل بقضايا بين الصحابة رضوان الله عليهم، ثم بينهم وبين غيرهم ممن يعايشونهم، مما يتصل بهذا الشأن، وبأقضية فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو قد عاد الكاتب الفاضل إلى مدونات السنة لوجد فيها غنى، ولما كان بحاجة إلى أن يورد حديثا لا أدري من أين جاء به، إذ لم أجده في ما رجعت إليه من مدونات السنة ومجاميعها، على أنه يتصل بالولاية بمعنى الحكم، ولا علاقة له بالعمل الذي يعني الإنتاج للغير لقاء أجر وهو ما نسبه الكاتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القول (من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجل وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله). ومع أن هذا القول لا علاقة له بحقوق الأجراء في الإسلام، فإني لا أدري كيف ارتضاه الكاتب مع أنه يتصل بموضوع اختلفت فيه الأمة اختلافا كثيرا، هو موضوع «ولاية المفضول مع وجود الفاضل»... ! ولو قد بلغ هذا الحديث –على فرض وجوده- مرتبة الاشتهار التي تؤهله للاستدلال به، لكان من الطبيعي أن يتخذه القائلون بعدم جواز «ولاية المفضول مع وجود الفاضل» من بين الحجج –بل في طليعة الحجج- التي يستظهرون بها، وإذا تناوله خصومهم بالنقد طبقا لقواعد ومعايير «الجرح والتعديل» ابتغاء الوصول إلى نقده، إذا تيسر لهم ذلك، أو تنزلوا على حكمه وعدلوا عن رأيهم –إذا تأكدت لديهم صحته، أو على الأقل درجته من الحسن والارتفاع والاتصال...
وبعد، فما أجمل أن يشتد بنا الحماس لنشر الدعوة الإسلامية والتمكين للوعي الإسلامي، واكتشاف مواقع وعوامل التوافق بين الشريعة الإسلامية وما يهيمن على الحياة الحاضرة من شرائع وأعراف، ولكن حذار من الارتجال والاهتبال واختزال الحجج والقول في القرآن والسنة من غير تثبت ولا أناة أو بالأحرى من غير فقه ... فإن ذلك يؤدي –بالضرورة- إلى تشويه الفهم العام للشريعة الإسلامية، وتحريف التشريع الإسلامي، والانحراف به عما أنيط به من لطائف الحكم ومكين القواعد وشامل الاعتبارات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here