islamaumaroc

نظرات في تاريخ المذهب المالكي.-1-

  دعوة الحق

221 العدد

المعنى التصوري لكلمة «مذهب».
ما المراد بالمذهب؟
المذهب في الأصل مفعل من الذهاب، وهو لغة: «الطريق ومكان الذهاب، يقال: ذهب القوم مذاهب شتى أي: ساروا في طرائق مختلفة، وذهب الشخص مذهبه: سار في طريقه، ثم صار عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة في الأحكام الاجتهادية استنتاجا واستنباطا ...
أما عند المتأخرين من أئمة المذاهب، فيطلق على ما به الفتوى، فيقولون: المذهب في المسألة كذا من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»، لأن ذلك هو الأهم عند الفقيه المقلد(1). ووجه المناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه: أن تلك المسائل تشبه الطريق، ولذا يعبر به عنهما، فيقال: طريق مالك وطريقته، كما يقال: مذهب مالك، ويكون على هذا منقولا عن اسم المكان(2).
وهو بهذا المعنى لم يكن موجودا ولا معروفا بين المسلمين في عصر الأئمة –أصحاب المذاهب-، فمالك وغيره من أئمة الاجتهاد لم يكونوا يعرفون معنى المذهب، وإنما كانوا ينشرون علم السنة وفقه الصحابة والتابعين ولذا قيل: إن نسبة المذهب إلى صاحبه لا يخلو من تسامح، فما كان مالك ولا غيره من أئمة المذاهب يدعون أحدا إلى التمسك بمنهجهم في الاجتهاد، ولا كان عندهم منهاج محدد في اجتهادهم، وإنما كانوا يتبعون في ذلك منهج من سبقهم من علماء التابعين، وهؤلاء عن الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يحدث هذا إلا في القرن الرابع الهجري، عندما دعت الظروف إلى هذا النوع من الالتزام بمنهاج معين في الفقه والتشريع، ولم تكن المذاهب قد استقرت على رأس المائة الثالثة رغم ما قيل من أنه في هذا التاريخ كان قد بطل نحو من خمسمائة مذهب(3) وإن كانت بذرة المذاهب قد بدأت قبل هذا العصر بزمان، إذ كان أهل المدينة يعتمدون على فتاوي ابن عمر، وأهل مكة على فتاوي ابن عباس، وأهل الكوفة على فتاوي ابن مسعود، فكان هذا أول غرس لأصل التمذهب بالمذاهب.
فمالك رحمه الله كان يوصي طلابه ومستفتيه بأن ينظروا في كلامه، فما وافق الكتاب والسنة أخذوا به، كما كان يقول: «ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم»(4)، وروى الحاكم والبيهقي عن الشافعي رضي الله عنه، أنه كان يقول: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» وفي رواية إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث واضربوا بكلامي الحائط، وقال يوما للمزني: «يا إبراهيم لا تقلدني في كل ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين»(5)، وكان أحمد بن حنبل عليه الرحمة يقول: «ليس لأحد مع الله ورسوله كلام، وقال أيضا لرجل: لا تقلدني، ولا تقلدن مالكا، ولا الأوزاعي، ولا النخعي ولا غيرهم، وخذ الأحكام من حيث أخذوا»(6)...
ثم إن المذهب ليس شيئا منصوصا عليه في الدين، ولا هو من قواعده الواجبة على المسلمين، وإنما الذي يجب أن يتبع هو كتاب الله وسنة رسوله وأئمة المذاهب لم يأتوا بشيء جديد من عندياتهم ، وإنما هم مفسرون لما ورد في الأصلين، ومستنبطين منهما الأحكام، تسهيلا للناس على ما لم يستطيعوا فهمه منهما، فالذي يقلد مالكا، إنما يقلد في الحقيقة ما فهمه مالك من النصوص الواردة في الكتاب والسنة، فهو إن أعطى رأيه في المسألة يأتي بالدليل، وإن حكم حكما أعطى الحجة عليه وعلله.
ومن الفقهاء الذين قلدهم الأصحاب والأتباع، ودونت المؤلفات في جمع أقوالهم وآرائهم وسار الناس عليها: أبو حنيفة النعمان المتوفى سنة 151 هـ، وأبو عمرو الأوزاعي المتوفى عام 157 هـ، وسفيان الثوري المتوفى عام 161 هـ، ومالك بن أنس المتوفى عام 179 هـ، والليث بن سعد المتوفى عام 175 هـ، وسفيان بن عيينة المتوفى عام 198 هـ، وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المتوفى عام 240 هـ، والإمام أحمد بن حنبل المتوفى عام 241 هـ، وداود الظاهري المتوفى عام 270 هـ، وأبي جرير الطبري المتوفى عام 310 هـ ...
إلا أن بعض هذه المذاهب بدأت مع مرور الزمان تختفي شيئا فشيئا لقلة أتباعها ولم يكتب البقاء للكثير منها.
فمذهب الأوزاعي كان غالبا على الشام وبلاد الأندلس قبل أن يسيطر عليها المذهب المالكي أواخر المائة الثانية (170 هـ) فانقطع منها، ومذهب الثوري لم يطل أمده، ولا كثر أتباعه، وانقطع بعد مدة يسيرة من إنشائه، كما لم يكثر أصحاب الطبري، وأبي ثور، ولا طالت مدتهما. فانقطع مذهب أبي ثور بعد المائة الثالثة، والطبري بعد المائة الرابعة، أما داود الظاهري فقد كثر أتباعه، وانتشر ببغداد وبلاد فارس، ووجد له أتباعا قليلين بأفريقية والأندلس، وانتهى أمره في القرن السادس الهجري(7) ...
وابتداء من هذا التاريخ لم يبق للعالم الإسلامي إلا مذاهب أربعة قلدها جمهور المسلمين: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، تعلق الناس بها، وقصدوها في الفتوى، وانضم لكل إمام منهم أتباع ومقلدون صاروا فيما بعد يجمعون أقوالهم وفتاويهم يبثونها في الناس بواسطة مؤلفات التزموا فيها أقوال من قلدوه، وانقسم الفقه بعد ذلك إلى مدرستين: مدرسة الرأي في العراق، ومدرسة الحديث في الحجاز، وزعيم المدرستين هما: أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس، ترأس الأول مدرسة الرأي، وتزعم الثاني مدرسة الأثر.
والذي يعنينا في هذا البحث من هذه المذاهب المقلدة، هو المذهب المالكي الذي يدين به اليوم، أزيد من مائة مليون مسلم.
وسنبدأ أولا بذكر الآفاق التي انتشر فيها المذهب المالكي.

الآفاق التي انتشر فيها المذهب المالكي:
كان من الطبيعي أن ينتشر المذهب المالكي في الحجاز في بداية أمره، لأنه من الحجاز نبع، وفيه تفجر، ومنه انطلق في الآفاق يحمله تلاميذ الإمام مالك الوافدون عليه من مختلف أطراف العالم الإسلامي مشرقا ومغربا.
فالمدينة المنورة كانت قاعدة الانطلاق لهذا المذهب، ثم انتشر بعد ذلك في جهات مختلفة من الحجاز، ثم انتقل بعدها إلى مصر البلد الأول الذي احتضنه بعد المدينة المنورة، وانتقل إلى اليمن، ثم إلى بلاد العراق، ثم أفريقية (تونس) وما وراءها من بلاد المغرب  والأندلس(8).
وهكذا انتشر في مصر على يد تلامذة مؤسس المذهب أمثال: ابن القاسم المتوفى عام 191 هـ، وأبي عبد الله محمد بن وهب القرشي المتوفى عام 197 هـ، وأبي عمر أشهب القيسي المتوفى عام 204 هـ، وأبي محمد ابن عبد الحكم المتوفى عام 214 هـ، وعثمان بن الحكم الجذامي المتوفى عام 163 هـ، وعبد الرحيم بن خالد بن يزيد المتوفى عام 163 هـ، وسعيد ابن الحكم ابن أبي مريم المتوفى عام 224 هـ، وسعيد بن كثير بن عفير المتوفى سنة 226 هـ، وسليمان بن برد المتوفى عام 210 هـ، وعبد الرحمن ابن أبي جعفر الدمياطي المتوفى عام 226 هـ، وثوبان بن إبراهيم المصري المعروف بذي النون المتوفى عام 245 هـ(9) وغيرهم ...
واختلفوا في أول من أعلن المذهب المالكي بمصر ودعا إليه، ذهب بعض العلماء إلى أنه عبد الرحمن بن  القاسم(10) بينما يرى ابن فرحون أن أول من أدخل علم مالك إلى مصر هو: عثمان بن الحكم الجذامي(11)، في حين ينقل الحافظ ابن حجر عن ابن وهب: أن أول من قدم مصر بمسائل مالك: عثمان بن الحكم وعبد الرحيم بن خالد بن زيد(12).
ويظهر أن أمر انتشار هذا المذهب في مصر جاء في وقت متقارب، وأن كل هؤلاء ساهموا في نشره وتثبيته، وكانت مصر بذلك أول بلد بعد الحجاز انتشر فيها هذا المذهب وكثر بها تلاميذه، حتى صار المذهب المالكي عندهم أقوى من الموطن الذي نشأ فيه، واستمرت له الغلبة على الديار المصرية حتى جاء الإمام الشافعي ونشر مذهبه بها فشاركه في الشهرة والذيوع، واقتسما فيها القضاء حتى غلب الفاطميون عليها، فأبطلوا العمل بمذاهب أهل السنة، ومع ذلك استمر مذهب مالك يسير بخطى ثابتة لا تنال منه الأحداث، ولا توقفه الزعازع حتى في هذه الفترة، إذ تذكر الروايات التاريخية أنه في سنة 326 هـ - 938 م كان للمالكيين في المسجد خمس عشرة حلقة(13).
ويقول عياض: إن أبا بكر التعالي المتوفى 380 هـ - 990 م كان إمام المالكية بمصر، وكانت حلقته في الجامع تدور على سبعة عشر عمودا لكثرة من يحضرها(14).
وقد اشتدت الدولة الفاطمية في محاربة المالكية، ففي سنة 381 هـ - 989 م مثلا ضرب رجل بمصر وطيف به في المدينة إذ وجد عنده كتاب الموطأ(15).
وعلى الرغم من موقف الفاطميين هذا، إلا أن المذهب عاد إلى الظهور في عهد الدولة الأيوبية، التي شجعت عليه، وبنت لفقهائه المدارس، ففي سنة 566 هـ بنى لهم صلاح الدين «المدرسة القمحية» ...
وإذا كانت الدولة العثمانية قد قصرت القضاء على الأحناف، فإن مذهب مالك بقي محافظا على مركزه في الشهرة والذيوع إلى الآن، وكثر انتشاره في منطقة الصعيد(16)...
ويذكر الشيخ أبو زهرة أن الفقه المالكي لا يزال منتشرا في العبادات بين أهل مصر، وكان معادلا للمذهب الشافعي في الذيوع بين الشعب، واختص المذهب الحنفي بالسلطان في القضاء حتى جاءت التعديلات الأخيرة في الأوقاف والوصايا والمواريث والأحوال الشخصية من قبلها، فبرز المذهب المالكي، وكان ما اقتبس منه العنصر الجوهري في الإصلاح في القانون رقم 25 لسنة 1920، والقانون رقم 25 لسنة 1929، وقانون المواريث والوقف والوصايا(17). ويذكر أيضا قانون سنة 1920 كان كله من مذهب مالك دون سواه(18). هكذا كان شأن المذهب المالكي في مصر.
أما في اليمن فيذكر عياض، أن المذهب انتشر هناك بواسطة أبي قرة القاضي(19) ومحمد صدقة الفدكي، ومحمد بن حميد بن عبد الرحيم ابن شروش وأمثالهم(20)...
وانتقل هذا المذهب إلى العراق، وظهر به ظهورا واضحا، وزاحم فيه مذهب الأحناف، فاستقر بالبصرة، وغلب عليها بواسطة ابن مهدي، والقعنبي وأبي خذافة السهمي، وأبي أيوب سليمان بن بلال، وأبي عبد الرحمن عبد الله ابن المبارك المتوفى عام 181 هـ، وأبي العباس بن الوليد بن مسلم ابن السائب المتوفى عام 199 هـ وغيرهم، ثم بأتباعهم من أمثال: ابن المعذل، ويعقوب بن شيبة، وآل حماد بن زيد، إلى أن دخلها بعض الشافعية فتشارك المذهبان جميعا بها إلى بداية القرن السادس الهجري(21)، وكان آخر المالكية بها في هذا القرن أبا يعلى العبدي، وأبا منصور ابن باخي، وأبا عبد الله بن صالح ...
وقد انتشر المذهب في العراق بواسطة القاضي إسماعيل المتوفى عام 282 هـ صاحب المبسوط، والأبهري المتوفى عام 395 هـ، وبموت هذين الأخيرين ضعف المذهب هناك، وانتقل إلى الشافعية والحنفية(22).
وأما خرسان وما وراء العراق من أرض المشرق فدخلها هذا المذهب أولا بواسطة يحيى بن يحيى التميمي، وعبد الله بن المبارك، وقتيبة بن سعيد، فكان له هناك أئمة وأتباع، وفشا بقزوين وأبهر وما والاها من بلاد الجبل(23)، وآخر من درس المذهب المالكي بنيسابور، أبو إسحاق ابن القطان(24).
كما دخل إلى بلاد فارس على يد القاضي أبي عبد الله البركاني الذي ولي قضاء الأهواز(25).
وواصل سيره إلى بلاد الري، فيروي أن أحمد ابن فارس كبير اللغويين المتوفى سنة 369 هـ - 980 م كان شافعيا فصار مالكيا، وقال: دخلتني الحمية(26) لهذا البلد (يعني الري) كيف لا يكو فيه رجل على مذهب هذا الرجل المقبول القول على جميع الألسنة(27) .. وكان بالشام من أصحاب مالك: الوليد بن مسلم وأبو مسهر، ومروان بن محمد التتاري وغيرهم(28) ...
وكان الغالب على أهل تونس في القديم مذهب الأحناف، إلى أن قدم إليها علي بن زياد صاحب الرواية المشهورة للموطأ وأول مؤلف (بكسر اللام) مغربي في المذهب، المتوفى عام 183 هـ، وابن أشرس الأنصاري، والبهلول ابن راشد المتوفى عام 183 هـ، وأبو علي شقران بن علي القيرواني المتوفى عام 186 هـ، وأبو محمد عبد الله بن فرخ الفارسي القيرواني المتوفى عام 176 هـ، وأبو محمد عبد الله ابن عمر بن غانم الرعيني المتوفى عام 191 هـ، وأسد ابن الفرات المتوفى عام 213 هـ، وعباس بن أبي الوليد، وأبو خارجة عنبسة بن خارجة الغافقي المتوفى عام 220 هـ، وأبو محمد عبد الله بن أبي حسان اليحصبي المتوفى سنة 229 هـ، وأبو عبد الرحمن بن ثوبان الرعيني المتوفى 190 هـ، و صقلاب ابن زياد الهمداني المتوفى سنة 193 هـ، وأبو عون معاوية بن الفضل الصمادحي ت 199 هـ، وأبو عثمان المعاقري ويزيد بن محمد الجمحي وعمر بن الحكم اللخمي، وأبو القاسم الزواوي، وأبو الخطاب محمد بن عبد الأعلى الكندي، وعمر بن سمك بن حميد، وأبو طالب الأبزاري، وأبو عبد الله بن زرارة، وأبو الحجاج الأزدي ت 237 هـ، والحارث بن أسد القفصي، وعبد المومن بن المستنير الجزري، وعلي بن يونس الليثي وغيرهم ... وهؤلاء كلهم تتلمذوا لمالك وأخذوا عنه مباشرة، فلما عادوا إلى القيروان بثوا علمه بين الناس، وما يزال المذهب يتسع وينتشر إلى أن جاء سحنون المتوفى عام 240 هـ، فغلب في أيامه، وفض حلف المخالفين على حد تعبير القاضي عياض(29).
واستقر المذهب بعده في أتباعه، فشاع في تلك الربوع.
وكان بالقيروان قوم قلة في القديم أخذوا بمذهب الشافعي، كما دخلها شيء من مذهب داود الظاهري، ولكن كان الغالب عليها مذهب مالك، وأبي حنيفة إلى دولة الأغالبة الذين مالوا إلى الأخذ بمذهب الأحناف وآثروهم بالقضاء والرياسة، والعبيدين من بعدهم، حتى جاء المغربي باديس عام 407 هـ، فحمل الناس من جديد على  المذهب المالكي، قاضيا بذلك على الخلاف الذي كان محتدما بين المذهبين، ومن المؤكد أنه ما اختاره إلا لأنه كان أكثر انتشارا بين أهل تلك البلاد وأهله إليه أميل(30) رغم ما عاناه من طرف الأغالبة والعبيديين كما سنرى.
يقول صاحب شجرة النور الزكية: «وكانت بافريقية مذاهب الشيعة والصفرية، والاباضية، والنكارية، والمعتزلة، وكانت بها من مذاهب أهل السنة، مذهب أبي حنيفة النعمان، ومذهب مالك، فظهر له (أي للمعز بن باديس) حمل الناس على التمسك بمذهب مالك، وقطع ما عداه، حسما لمادة الخلاف بالمذاهب، واستمر بذلك الحال إلى احتلال العساكر العثمانية بافريقيــــــــة»(31).
أما في صقلية، فيظهر أن أول من أدخل المذهب المالكي إليها هو عبد الله بن حمـــــــــــــدون (أو حمدوية) الكلبي الصقلي تلميذ الإمام سحنون المتوفى سنة 270 هـ(32)، وهو أول فقهاء صقلية، وصاحبه دعامة بن محمد الذي تولى القضاء لبني الأغلب والمتوفى سنة 297 هـ، ومحمد بن ميمون بن عمرو الأفريقي قاضي صقلية(33)، ولقمان بن يوسف الغساني الصقلي المتوفى عام 319 هـ(34)، وسالم ابن سليمان الكندي قاضيها ومدرسها، والذي كان له دور هام في نشر المذهب المالكي هناك لاهتمامه بالتدريس إلى جانب ولاية القضاء، وهو الذي ألف كتاب «السليمانية» والذي يغلب على الظن أنه أول مؤلف صقلي في هذا المذهب(35).
وهكذا يكون هذا المذهب قد انتشر في صقلية قبل انتهاء القرن الثالث ولعل هذا يرد ما ذهب إليه المقدسي في أحسن التقاسيم ص 238 من أن «الغالب على أهل صقلية أصحاب أبي حنيفة» ...
ومنذ دخل الإسلام إلى الأندلس، وأهلها على مذهب الإمام الأوزاعي إلى أن رحل طلبتها إلى الحجاز، وعادوا بمذهب مالك ينشرونه في بلادهم وفي مقدمة هؤلاء: زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون المتوفى عام 204 هـ (على خلاف في وفاته) الذي يذكر الحميدي – جازما – أنه أول من أدخل مذهب مالك إلى الأندلس(36)، وقرعوس بن العباس، والغازي ابن قيس ت 199 هـ، وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل ت: 198 هـ، ويحيى بن يحيى الليثي ت: 234 هـ، وأبو محمد عيسى بن دينار القرطبي ت: 212 هـ، فجاءوا بعلم مالك، وأبانوا للناس فضله، واقتداء الأمة به، وأخذ به الأمير هشام بن عبد الرحمن بن معاوية، وأمر الناس بإتباعه، و صير القضاء والفتيا عليه، وذلك سنة 170 هـ.
ويذكر عياض أن «قوما من الرحالين والغرباء أدخلوا شيئا من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود، فلم يتمكنوا من نشره، فمات بموتهم على ذلك مضى أهل الأندلس إلى وقتنا هــــذا»(37).
واختلفوا متى دخل مذهب مالك إلى الأندلس، فالمقري يرى أن المذهب دخل في عهد الحكم بن هشام بن عبد الرحمن ثالث أمراء الأمويين بالأندلس(38)، بينما يذهب ابن القوطية إلى أنه دخل في عهد عبد الرحمن الداخل أول أمراء بني أمية في الأندلس(39).
أما بالنسبة للمغرب الأقصى، فيظهر أن دخول هذا المذهب إليه قد تأخر نسبيا عن بقية الأقطار الأخرى، إذ تفيد بعض الروايات التاريخية أن المذهب المالكي انتقل إليه من الأندلس أيام الأدارسة(40).
ويقال أن المغاربة قبل اعتناقهم للمذهب المالكي كانوا يدينون بمذاهب مختلفة: من حنفية وخارجية ومعتزلة، وبرغواطية، وغيرها من المذاهب كالمذهب الأوزعي مثلا – على نقل صاحب الأزهار العاطرة-(41).
إلى أن قامت دولة الأدارسة، فاتجهوا إلى المذهب المالكي، ويروى أن سبب سيطرة المذهب المالكي على المغرب يرجع إلى الملك إدريس(42) الذي دعا الناس للأخذ به، واتباع منهجه، وجعله مذهبا رسميا للدولة، معززا ذلك بقوله: «نحن أحق بإتباع مذهب مالك وقراءة كتابه (الموطأ)»(43)، وأصدر أمره لولاته وقضاته بنشر كتاب الموطأ واقرائه(44).
وقد جزم الكتاني وغيره بأن الملك إدريس كان هو أيضا على مذهب مالك. يقول الكتاني: «وعلى مذهبه كان إدريس وجميع العلماء من أهل المغرب الأقصى بسبب  تقليد إدريس لمالك وتحصيل كتابه الموطأ وحفظه له»(45).
ويذكر أن كتاب الموطأ كان أول كتاب حديثي نقل في عهد إدريس إلى المغرب، نقله قاضيه عامر بن محمد القيسي الذي سمع من مالك والثوري وروى عنهما مؤلفاتهما وقدم بها إلى المغرب، فسمع منه إدريس وغيره من فقهاء الوقت ما رواه(46)، ثم تعزز المذهب  المالكي في المغرب بوفود نخبة من العلماء الذين وصلوا إلى المشرق، وعادوا يعلمون ويفيدون أمثال: أبي هارون البصري الذي كان أول من أدخل كتاب ابن المواز، وأحمد بن الفتح المليلي، ودراس بن إسماعيل المتوفى عام 357 هـ، الذي يذكر الرواة أنه أول من أدخل مدونة سحنون إلى المغرب، وبواسطته انتشر المذهب المالكي في المغرب وذاع(47)، وابن العجوز، وأبي جيدة، وأبي محمد الأصيلي وعيسى بن سعادة وغيرهم(48).
ويستفاد من بعض الروايات أن بعض المغاربة اتصلوا بالإمام مالك مباشرة فتذكر رواية أن رجلا من المغرب جاء مالكا فقال له: إن الأهواء قد كثرت قبلنا فجعلت على نفسي إن أنا رأيتك أن آخذ بما تأمرني به، فوصف له مالك شرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج ثم قال له: خذ بها ولا تخاصم أحدا ..، كما يذكر بعض الباحثين، أن الرحلة تعددت من المغرب إلى الحجاز في وقت مبكر للأخذ عن إمام دار الهجرة، بدء من سجلماسة التي روى أن أحد أعلامها أخذ عن الإمام مالك بالمدينة ورجع إليها ودرس العلوم بها(49) ..
وهكذا يكون المذهب المالكي قد انتشر في ثلاث قارات وتمذهب به الناس، وصاحبه ما يزال على قيد الحياة، أما عن أسباب هذا الانتشار فذلك هو موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله.

(1) - انظر شرح الزرقاني على شرح اللقاني للمختصر ص: 133 ط. ح. على هامش نور البصر لأبي العباس الهلالي.
(2) - نور البصر للهلالي ص: 132 ط. ح.
(3) - انظر كتاب اختلاف الفقهاء لابن جرير الطبري ص: 14 ط. بيروت.
(4) - حجة الله البالغة 1/ 126.
(5) - المرجع السابق.
(6) - أعلام الموقعين 2/140.
(7) - انظر الديباج المذهب لأبي فرحون، ص: 13. ط. بيروت.
(8) - انظر المدارك: 1/ 25 ط:  المغرب.
(9) - انظر تراجم هؤلاء الأعلام في ترتيب المدارك ج: 3.
(10) - الإرشاد ص: 29 مخطوط الخزانة العامة بالرباط وهو للحافظ أبي يعلى القزويني.
(11) - الديباج ص: 187. ط. بيروت.
(12) - انظر «مالك» حياته وعصره للشيخ المرحوم محمد أبي زهرة ص: 383.
(13) - انظر المغرب لأبي سعيد ص: 24.
(14) - المدارك 6/ 203، وحسن المحاضرة 1/ 212، والديباج: 259.
(15) - الخطط للمقريزي 2/ 341.
(16) - مقدمة كتاب  الفقه على المذاهب الأربعة ص: 31 ط: الأولى.
(17) - كتاب مالك لأبي زهرة ص: 383.
(18) - كتاب مالك لأبي زهرة ص: 383.
(19) - انظر ترجمته في المدارك 3/196.
(20) - ترتيب المدارك 1/24.
(21) - المرجع نفسه.
(22) - الديباج ص: 257.
(23) - المدارك 1/24.
(24) - المرجع نفسه
(25) - المرجع نفسه
(26) - الانتقال من مذهب إلى آخر، يتوقف على قوة الدليل لا على الحمية وإلا كان التدين بالهوى والتشهي، وهذا لا يجوز في الدين مطلقا.
(27) - الإرشاد لياقوت 2/7.
(28) - المدارك 1/25.
(29) - المصدر نفسه 1/26.
(30) - البيان المغرب 1/268- 277 وتتمة شجرة النور الزكية ص: 129.
(31) - شجرة النور التتمة ص: 129.
(32) - العرب في صقلية ص 95  للدكتور إحسان عباس.
(33) - الديباج : 334.
(34) - طبقات أبي العرب 171 ط: بيروت.
(35) - طبقات أبي العرب 148، والعرب في صقلية 26.
(36) - جذوة المقتبس 218.
(37) - المدارك 1/26.
(38) - نفح الطيب 4/214.
(39) - تاريخ افتتاح الأندلس ص: 58.
(40) - الاستقصا 1/138 ط: البيضاء.
(41) - ص: 130.
(42) - تضاربت أقوال المؤرخين في شأن إدريس هذا هل هو الأول أم الثاني، فابن أبي زرع والكتاني يريان الثاني، بينما يذهب ابن القاضي ومن يرى رأيه إلى أنه الأول ... انظر الأنيس المطرب 1/34، ط: الرباط. وجذوة الاقتباس 1/25، ط: الرباط. والأزهار العاطرة ص 130، طبعة حجرية.
(43) - الأزهار العاطرة: 130.
(44) - المصدر السابق.
(45) - الأزهار العاطرة 130.
(46) - الأنيس المطرب 1/34 والأزهار العاطرة 30.
(47) - شجرة النور ص: 103 والفكر السامي 2/111 ط: الشرقية.
(48) - النبوغ 1/48.
(49) - الدرر البهية 1/63 ط: ح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here