islamaumaroc

الأوضاع الثقافية والأدبية لعهد المرابطين ابن باجة الشاعر الفيلسوف.

  دعوة الحق

221 العدد

تناول شخصية ابن باجة بالدرس –وهي شخصية ذات أبعاد متعددة، وربما مختلفة متباينة بسبب ما يتصف به صاحبها من اهتمامات ويتمتع به من موسوعية –يقتضي منا، وهو الفيلسوف، التمهيد لها بإلقاء بعض الأضواء على نشوء الفلسفة بمغرب المرابطين، هذا المغرب الذي يعني الرقعة الممتدة ما بين الأندلس إلى حدود ليبيا الشرقية، بوصف مترجمنا، يعد بحق أبا الفلسفة العقلانية الإسلامية في هذا الجزء من عالم الإسلام لتلك العهود إن لم نقل أنه أول من وضع الأسس لقيام فلسفة تعتمد العقل المجرد البعيد عن الدين والمفصول عن العامة، في عموم الأصقاع العربية، بحيث حقق امتيازا وتفوقا ظاهرين في هذا الميدان حتى على ابن سينا والغزالي.
ثم إذا كان من المحقق الأكيد أن عناصر من الفلسفة اليونانية وغيرها كالهندية والفارسية قد تسربت إلى ماهية الفلسفة المغربية، فإن تاريخ تعرف مسلمي المغرب والأندلس على تلك العناصر غير محدد الآجال، ولا مضبوط المعالم، وإن يكن من المرجح أن القنوات التي حملت تلك العناصر، لم تكن سوى الرحالة المغاربة والأندلسيين الذين كانوا يزورون الشرق أداء لمناسك الحج أو التماسا للمزيد من العلم أو الرواية أو لهما معا، فمن المفروغ منه أن عديدا من أولئك الزائرين للشرق كانوا يهتمون بالخصوص بعلم الكلام ومناظراته، وما جد في ميادين العلوم الإلهية وما وراء الطبيعة ثم العلوم الفلسفية بوجه عام، والمؤرخون يضعون على رأس هذه الطائفة أبا الحكم عمر بن عبد الرحمن الكرماني القرطبي المتوفى سنة 458 هـ، ويضيفون بأن الرجل لدى أوبته من الشرق إلى الأندلس اختار كمكان لاقامته مدينة سرقسطة مسقط رأس مترجمنا ابن باجة بالذات، وأن من بين الكتب الفلسفية التي اصطحبها معه من هناك كتاب «رسائل إخوان الصفاء». ثم قالوا عن الرجل أنه عمر طويلا ولأكثر من تسعين سنة.
ويذكر المؤرخون، كذلك، أن من بين هدايا ملك القسطنطينية «ارمانيوس» الذي حكم من سنة 945 م إلى 963 م التي قدمها لعبد الرحمن الناصر سنة 337 هـ حوالي 931 م من بين ما قدم له كتاب «هيرود اينانوس» « Hérodanianus » في الفلسفة، ومعه كتاب «ديسقوريديس» في الطب المصور بالألوان، وأن «أرمانيوس» هذا بعث صحبة هديته تلك الراهب «نيقولا» ليتولى ترجمة الكتابين من الإغريقية إلى اللاتينية الكنيسة التي كانت معروفة ومتداولة في الأندلس، وأن المدعو أبا عبد الله الصقلي تلميذ الكرماني الآنف الذكر تتلمذ على هذا الراهب أيضا.
ويؤكد أن: هذين الكتابين كغيرهما من الكتب الفلسفية كانا متداولين بالأندلس منذ زمن الحكم الثاني المستنصر الذي حكم من 961 م إلى 976 م، والذي هو ولي عهد عبد الرحمن الناصر وابنه.
غير أن الحكم، هشام المؤيد بالله الذي تولى بعد أبيه الحكم من سنة 976 م إلى 1009 م اشتهر بضعفه علميا، وبضيق أفق تفكيره، وكان –بالإضافة إلى ذلك- خاضعا لنفوذ الرأي العام الذي كان يسيطر عليه الفقهاء ويتملقونه بعداوتهم للفلسفة، فأثروا عليه حتى أصدر تعليماته، لا بمنع تداول الكتب الفلسفية فحسب، ولكن بإحراقها تماما، بل وبإحراق حتى ما كان اجتمع لأبيه منها ومن كل العلوم القديمة التي لا تتساوق ورغبة الفقهاء كالمنطق والفلك.
ولكن ما حل عهد ملوك الطوائف –ومصائب قوم عند قوم فوائد- حتى ذرت هذه العلوم الممنوعة قرونها وظهرت بكيفية شبه معترف بها قانونيا، وشعبيا، وأمكن في هذا العهد مشاهدة مدارس لهذه العلوم وبروز أعلام فيها مثل:
1) عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بالاقليدي وقد وضع مختصرات لكتاب أرسطو.
2) أبي عثمان سعيد بن فتحون الذي ألف رسالة سماها شجرة الحكمة: كمدخل إلى علوم الفلسفة.
3) مسلمة بن أحمد المجريطي المتوفى سنة 1008 م الذي نسج على منوال كتاب (رسائل إخوان الصفاء) فوضع الرسالة الجامعة في الحكمة.
ثم تتابع المختصون في هذه العلوم والفنون حتى أصبحوا يكونون مدارس مختلفة الاتجاهات متباينة الأغراض ممن أشار إليهم صاعد في كتابه، إلا أنه من المؤكد أن عمل هؤلاء الرواد الأوائل لم يتجاوز ترديد ما قاله الأقدمون واجترار أفكارهم مع محاولة إبرازها بما يتناسب والزمنكية دون أن يضيفوا شيئا جديدا أو يبتكروا فلسفات متمايزة، شأن كل المحاولات العلمية والفكرية في بداية منطلقها.
حتى إذا جاء صاحبنا ابن باجة أمكن الوقوف على اتجاهات جديدة للفلسفة، فكان بذلك أول من أقدم على تسجيل شيء من خواطره الخاصة، قائما على العقل المجرد والمنفصل عن الدين، والمعزول عن العامة، والمرتكز على الابتكار مع الاتساق في الاستنتاج، واستطاع بما أوتيه  من قدرة إبراز فلسفة أندلسية إن صح التعبير، إلى أن يقول فيه أبو بكر بن طفيل المتوفى سنة 581هـ، وهو من كبار فلاسفة الجيل الثاني في الأندلس، في كتابه (حي بن يقظان) حين يتحدث عن أولئك الفطاحل الذين تعاقبوا على تدارس الفلسفة والعلوم القديمة في جميع العالم الإسلامي عامة وفي الأندلس خاصة.
أن يقول فيه: «إنه من بين أولئك المتعاقبين لم يشهد أثقب ذهنا، ولا أصح نظرا، ولا أدق روية من أبي بكر الصائغ –أي ابن باجة- غير أنه شغلته الدنيا، حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه، وبث خفايا حكمته»، ويضيف ابن طفيل ليؤكد مزيد قيمة ابن باجة، وهو يتحدث عن باقي الفلاسفة قائلا: «ومن وصف بأنه في مثل درجته فلم نر له تأليفا وأما من جاء بعدهم من المعاصرين لنا كابن رشد مثلا، فهم بعد في حالة التزايد أو الوقوف على غير كمال أو ممن لم تصل إلينا حقيقة أمره»(1).
ثم من المعروف أن ابن باجة كان أول من اشتغل بنشر علم الفلسفة في المغرب، وبصورة شبه معترف بها رسميا، وبذلك استحق أن يعد –وعن جدارة- أبا للفلسفة المغربية في تلك العهود ورائدها الصادق الذي جعلها تنطلق  منذ البداية على الفصل بين الدين والعقل في التناول، وعلى أن تكون الغاية من حيث المضمون هي التوفيق بينهما ويعترف جميع الدارسين للفلسفة المغربية التي تبنت منطلق ابن باجة، أنها تمتاز بالاختصار المركز والتنسيق والعقلانية لبنائها على ركائز رياضية وطبيعية تعتمد العقل المجرد ودون الالتفات للاعتبارات الأخرى التي استقطبتها الفلسفة الشرقية من حيث اعتماد هذه على الكلام ومجرد الجدل، فكان هذا البناء الرياضي العقلاني لها مما استدعى من روادها مزيد الملاحظة وكثير المعاناة والتجربة.
وهذا البناء يلاحظ قيامه –ابتداء من مدرسة صاحبنا ابن باجة- على الازدواجية بين الدين والعقل غاية ومضمونا، وكان التأكيد على هذه الازدواجية تنصيص على صلة الوصل بين ما كان مقطوع التواصل للتخلص إلى التجريدية المطلقة فقد كان نفوذ الفقهاء، وتصلب موقفهم العدائي من الفلسفة لا يسمح بالانتقال طفرة واحدة من الحرب إلى السلم ومن الجحود والانكار إلى الاعتراف والتسليم مباشرة،  فكان لابد من اجتياز مرحلة يضع فيها الجانبان أسلحتهما إظهارا لاستعدادهما للتفاهم، حتى إذا تم التوصل إلى فهم موقف الجانبين من بعضهما وحجة كل منهم أمكن أن يتفقا على السير معا أو يتفاهما على أن لكل منهما حرية اختيار المجال المناسب لميوله واتجاهاته، فكانت هذه الوقفة –إن صح التعبير- التقدير في مدرسة ابن باجة المزدوجة ثم كانت مدرسة ابن طفيل القائمة على النشوء المرتجل والتطور الطبيعي ثم كانت مدرسة ابن خلدون الاجتماعية القائلة بأن اختلاف البشر إنما هو نابع عن اختلاف بيئاتهم ومناشئهم.
يقول الدكتور عمر فروخ توضيحا لاستقلال الفلسفة المغربية عن أختها الشرقية: «إن الفلسفة المغربية تدارسها روادها وأقطابها ذاتيا ومجردا، لا حبا في المال كما فعل ابن سينا، ولا دفاعا عن إيمان العامة كما فعل الغزالي، وقد تواصلت حلقاتها انطلاقا من ابن باجة إلى محاولة ابن طفيل في كتابه: (حي بن يقظان) إلى ابن رشد الذي قعد هذه الفلسفة وبلور ذاتيتها كموضوع مجرد مستقل».
وهكذا يكون هذا الثالوث المؤلف من ابن باجة وابن طفيل، (503-581 هـ) وابن رشد (520-595 هـ) رواد الفلسفة المغربية الأولين، وحدثهم فكرة البحث عن فلسفة لا تجافي الدين وربطت بينهم تتلمذة بضعهم للبعض فكريا وإيديولوجيا: وعندما نقول إن أحد هؤلاء تلميذ لذاك فنحن لا نعني مثلا أن ابن طفيل كان تلميذا عمليا لابن باجة تلقى عنه مباشرة كما حاول عبد الواحد المراكشي صاحب المعجب أن يثبت حين ذكره لشيوخ ابن طفيل، فقد قال: «قرأ على جماعة من المحققين بعلم الفلسفة، منهم أبو بكر بن الصائغ المعروف عندنا بابن باجة»(2).
ذلك لأن ابن طفيل نفسه ينفي لقاءه مع ابن باجة، فقد قال بعد أن مدحه: «فهذا حال ما وصل إلينا من علم هذا الرجل ونحن لم نلق شخصه» كما أن صغر سن ابن رشد يحول دون تتلمذه عليه إلا أن يكون على طريقة بعض الأقدمين الذين كانوا يطلبون ويلتمسون الإجازات من كبار الشيوخ لأبنائهم ولمن يحبونهم.
وعلى خصوص هذا الفرض يمكن تخريج قول ابن أصيبعة في شيوخ ابن رشد: «وكان من جملة تلاميذه ابن باجة أيضا القاضي أبو الوليد محمد بن رشد» أي أنه تلميذه فكريا أو أنه أجازه بواسطته.
وابن باجة هو أبو بكر محمد بن يحيى الصائغ، ولد أواخر القرن الخامس الهجري بمدينة سرقسطة، وكل ما هو معروف عن نشأته الأولى أنه شب في مسقط رأسه وهناك تفتحت بوادر شخصيته الأدبية، حيث اختص بأمير سرقسطة ثم واليها أبي بكر إبراهيم بن تيفلويت يمدحه بشعره ويخصه بأدبه، ثم وزر له إلى حين مغادرته موطنه في اتجاه المغرب عبر بلنسية فاشبيلية التي استقر بها فترة من الزمن يمتهن الطب، ويؤلف رسائله الأولى في المنطق ... ثم اجتاز غرناطة، فشاطبة حيث امتحن بسجنه هناك من طرف واليها أبي إسحاق بن إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي كان ما يزال تحت تخدير الفقهاء فيما يخص موقفهم من الفلسفة وكل المشتغلين بغير علومهم الفقهية، مما قد يحملنا على الظن بأن سجنه ذاك لما رماه به متعصبو الفقهاء من إلحاد واشتغال بالفلسفة..
ثم وصل فاس حيث انتهى به المطاف وألقى بها عصا التسيار واستقر به النوى.
ولا يذكر المؤرخون السبب أو الأسباب التي دعته إلى الرحيل عن مسقط رأسه، وإن يكن ذلك لا يعود إلا للبحث له عن مكان يضمن له مزيد الثراء ويضمن لأفكاره مزيدا من الحرية والانتشار على أن سقوط سرقسطة في يد الإسبان قد يكون من أهم الأسباب التي جعلته يزهد في العودة إلى هناك.
ومن ذلك السرد لمولده وتنقله عبر أهم مدن الأندلس ليومئذ نلاحظ أن مولده بالضبط مجهول هو الآخر، ولكن إذا صح ما قالوه من أنه أبصر النور أواخر القرن الخامس الهجري وأنه توفي سنة (523 أو 525 أو 533 هـ) وفي شهر رمضان، ولما يتجاوز مضمار الشباب حسب تعبيرهم، وقدرنا أن الشباب لا تتجاوز مرحلته على أبعد التقديرات الخمسين عاما من عمر الإنسان، فإن مولده على أفضل التقديرات لا يمكن أن يكون إلا ما بين سنة (480 أو 490 هـ) على أن كون أبي محمد عبد الله بن محمد بن سهل الضرير الغرناطي (490-571 هـ) تلميذا له فيه ما يحمل على القول بأن تاريخ ولادته لا يمكن أن  تكون قبل سنة (480 هـ) على أقل تقدير ولاسيما على القول بوفاته سنة 523 هـ.
ويتحدث القفطي (560-641 هـ): جمال الدين أبو الحسن علي، عن حياة ابن باجة السياسية فيقول: (استوزره أبو بكر يحيى بن تاشفين والي فاس مدة عشرين سنة).
ولكن إذا كانت الفترة التي عاشها ابن باجة بعد مفارقته سرقسطة إلى حين اغتياله مسموما لا تستبعد أن يكون وزيرا طيلة هذه المدة التي ذكرها القفطي، حتى على الرأي بأنه غادر مسقط رأسه سنة (512 هـ) ولكن على فكرة أنه قضى سنة (533 هـ)، فإن الزعم بوزارته كل تلك المدة لأبي بكر يحيى بن تاشفين يقيه إقصاء أبي بكر عن فاس من طرف عمه علي بن يوسف الذي خلف أباه سنة (500 هـ)، لما حاول الانتقاض على السلطة المركزية والاستبداد عنها بفاس: فهل وزر له قبل وفاة يوسف؟. وهذا أيضا يمنعه أن صاحبنا لم يغادر مسقط رأسه قبل سقوط سرقسطة سنة (501 هـ) لا سنة (512 هـ) كما وهم الدكتور عمر فروخ؟.
أم أن القفطي اختلط عليه الأمر و التبس بسبب وزارة ابن باجة لأبي بكر ابن تيفلويت والي سرقسطة، كما وزر لأبي بكر يحيى، واتحاد كنيتي الرجلين أعني ابن تيفلويت وابن تاشفين جعلته يظنهما شخصا واحدا؟.
فقد نقل المقري في نفح الطيب عن الأمير ركن الدين بيبرس المنصور المتوفى سنة (622 هـ) في كتابه (زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة): إن ابن باجة وزر لأبي بكر الصحراوي يعني ابن تافلويت صاحب سرقسطة.
أم أن القفطي جمع مدة وزارة ابن باجة لكل من والي فاس: ابن تاشفين ووالي سرقسطة: ابن تيفلويت فوجدها عشرين سنة فذكر ذلك مجملا دون اهتمام بالتفاصيل؟
أم يقصد أن فترة عمله بأجهزة الدولة بفاس استغرقت هذه المدة بقطع النظر عما اشتغله في الوزارة وفي مختلف المصالح دون الوزارة؟
كل هذه التأويلات محتملة، إلا أن يكون وزر حقيقة عشرين سنة لخصوص ابن تاشفين إذ في النفس من هذا شيء:
على أنه من الملاحظ على آثاره الفلسفية، فيما لنشر فضائل ابن تيفلويت بعد وفاة هذا الأخير قد يفهم أن ابن باجة لم يستشعر لذة الحياة ولم يتذوق نعمة مباهجها وطعم سرورها في غير كنف هذا الرجل  .. ومن شعره فيه، والذي يدل على صدق الولاء وخلوص الوفاء، إذ قاله بعد و فاته، هذه الأبيات المشبوبة العاطفة:
أيها الملك قد –لعمري- نعى المجـ
                        ـد نواعيك يوم قمن فنحنا
كم تقارعت والخطوب إلى أن
                        غادرتك الخطوب في الترب رهنا
غير أن إذا ذكرتك، والدهـ
                        ـر أحال اليقين في ذاك ظنا
وسألنا: متى اللقاء؟ فقالوا الحـ
                        ـشر، قلنا: صبرا إليه وحزنا
وقد رثاه بقصائد أخرى مؤثرة ومنها هذه الأبيات التي قيل أنه أنشدها على قبره:
سلام والمام ووسمى مزنة
                على الجدث النائي الذي لا أزوره
أحقا أبو بكر تقضى فلا يرى
                ترد جماهير الوفود ستوره
لئن أنست تلك القبور بلحده
               لقد أوحشت أنصاره وقصوره
على أن مدائحه تحية ذات نفس طويل، وتشم منها رائحة صدق القول وقوة التعبير، ومن تلك المدائح هذه الأبيات:
توضح في الدجى طرف ضرير
               سنا بلوى الصريمة يستطير(3)
فيا بأبى ولم أبدل يسيرا
               وإن لم يكفهم ذاك الكثير
بريق لا تقل هو ثغر سلمى
               فتأثم أنه حوب وزور(4)
فكيف وما أطل الليل منه
               ولا عبقت بساحته الخمور
تراءى بالسدير فزاد قلبي
               من البرحاء ما شاء السدير(5)
فلولا أن يوم الحشر يضي
               علي بحكم مولى لا يجور
دعوت على المشقر أن يجازى
               بما تجزى به الدار الغرور
لقد وسع الزمان عليه عدوى
               وضر بشبله الليث الهصور(6)
وقلبنا الزمان فلا بطون
               تضمنت الوفاء ولا ظهور
سوى ذكر أطارحه ولولا
               الأمير، لقد عفا، لولا الأمير
همام جوده يصف السواري
               وسطوته بغيرها البحير(7)
قلنا نحن: كيف وارحتاه
               بحور يلتظى فيها سرور
فهل فيما سمعت به خصام
               يكون الخصم فيه هو العزير(8)
ويجمع المؤرخون على أن ابن باجة كان في مختلف أطواره رجلا اجتماعيا وسياسيا ورجل علم وأدب وشعر وفلسفة في آن واحد. وكان يتواجد مع كل هذه الميادين ويخصص لكل منها فترة من وقته وحصة من اهتماماته، وهو لذلك يوصي الإنسان بأن يحيا مجتمعه بكل أخلاطه وطبقاته ومع تباين فضائله ورذائله الضروريتين المتلازمتين، ثم هو يوصي بأن يستكثر الإنسان من المال مع حسن القيام على استغلاله وتصريفه في وجوهه المفيدة وذات النفع، ثم هو في نفس الوقت يوصي بضرورة معاشرة الناس بما لا يجرح كرامتهم وشعورهم، وبما يمكن أن يسمى بالمحافظة على الآداب الاجتماعية وآداب السلوك وبتعبيرنا الحضاري الأوروبي الحديث Etiquette وبلغ اهتمامه بهذه الخصلة أنه كان يعاقب من لا يلازمها ولا يراعيها أو لا يحسن استغلالها، وفي ذلك يروون عنه القصة التالية، فيما حكاه المقري عنه في نفح الطيب، قال: «حكي أن أيوب بن سليمان السهيلي المرواني حضر يوما عند ابن باجة، والشاعر أبو الحسن بن جودي هناك، فتكلم المرواني بكلام ظهر فيه نبل وأدب: فتجاسر ابن جودي على سؤال المرواني من يكون؟ فأجابه بتأفف واستهجان بأبيات شعرية تاركا له الاستنتاج منها من يكون، وحين غادر المرواني المجلس قال ابن باجة لجليسه ابن  جودي الشاعر: أساء أدبك بعدما عهدت منك؟ تعمد إلى رجل في مجلسي تجدني قد قربته وأكرمته وخصصت بالاصغاء إليه والانتباه  إلى كلامه فتقدم عليه بالسؤال عن نفسه؟ فأحذرك أن تكون لك عادة فإنها من أسوء الآداب»(9).
أما الأبيات التي أنشدها المرواني كجواب على سؤال ابن باجة فقد جاء فيها:
أنا ابن الالى قد عوض الدهر عزهم
                 بذل وقلوا واستحبوا التنكرا
ملوك على مر الزمان بمشرق
                وغرب دهاهم دهرهم وتعثرا
فلا تذكرنهم بالسؤال مصابهم
                فإن حياة الرزء أن يتذكرا(10)
واشتهر ابن باجة بإغراقه في حب المال وادخاره، ولعل ذلك يرجع إلى أن ما عاناه، في حياته، وخاصة أثناء تنقلاته من مسقط رأسه بالأندلس إلى نهاية تطوافه ذلك بفاس، وعن اهتمامه بادخار المال يذكرون عنه القصة التالية  التي وقعت له أحداثها في جامع غرناطة، وهو في طريقه متنكرا إلى فاس، تقول القصة: «دلف ابن باجة إلى المسجد فألقى مدرسا للعلوم العربية يتحلق حوله شباب يتدارسون، فجلس يصغي، وأمام زيه الغريب وعدم معرفتهم من هو استملحوا معاكسته فسألوه مستهزئين: ماذا يحمل الرجل الفقيه؟ وماذا يحسن من العلوم؟ وماذا يقول؟ فرد عليهم قائلا: أما ما أحمل فإني أحمل اثني عشر ألف دينار، وأخرج لهم من تحت إبطيه اثنتي عشرة ياقوتة كل واحدة منها بألف دينار، وأما الذي أحسنه فاثنا عشر علما أدونها علم العربية الذي تبحثون فيه، وأما الذي أقول: فكذا وكذا، وأخذ يمطرهم بوابل من الحكم والآداب»، حتى ندموا على ما فرط منهم في حقه وحاولوا استرضاءه ولكنه انصرف عنهم دون مبالاة، ولم يتبينوا حقيقة الرجل حتى أفلت من أيديهم(11).
وهذه القصة في مجملها تبين بجلاء كيف أن قيمة الرجل فكريا وثقافيا يكون التأكيد عليها من نافلة القول، تؤكد القصة كذلك أن الرجل بلغ شأوا بعيدا في مضمار الثقة بالنفس، وفي تطلعه وتمكنه من كثير من العلوم المعروفة لعهده، وإن برز في خصوص العلوم الفلسفية والمنطق والفلك.
وعرف الناس له فضله في هذا الميدان، وخصوصا الأوروبيين الذين تلقوا دراساته بالإقبال والإكبار وعالجوها بالبحث والدرس، حتى أن آثاره الباقية لا وجود لها تقريبا إلا في خزائن أوروبا، وعن هذه الخزائن تعرف المهتمون بالدراسات الفلسفية من أبناء العروبة المعاصرين على قيمة صاحبنا.
وللتدليل على تضلعه ومشاركته في أهم العلوم التي كانت معروفة لعصره نورد أولا بعض أقوال دراسيه من معاصريه وغيرهم ممن جاءوا بعده، ثم نذكر بعض مؤلفاته والمناحي العلمية التي عالجها.
فمما قيل عن تجليه في ميدان الفلسفة كلمة أبي الحسن علي ابن  عبد العزيز الإمام الغرناطي وكان يعاصره، التي ورد فيها:  «وأما في العلم الإلهي فله نزعات تستقرأ من أحواله في (رسالة الوداع واتصال الإنسان بالعقل الفعال) وإشارات مبددة في أثناء أقاويله، هي في غاية القوة والدلالة على نزوعه في ذلك العلم الشريف الذي هو غاية العلوم ومنتهاها، ومن المستحيل أن ينزع في التوطئات، وتنقل له أنواع الوجود على كمالها ويكون مقصرا في العلم الذي هو الغاية، ويشبه أنه لم يكن بعد أبي نصر الفارابي مثله في الفنون التي تكلم عليها من تلك العلوم، فإنك إذا قارنت أقاويله فيها بأقاويل ابن سينا والغزالي بأن لك الرجحان في أقاويله وفي حسن فهمه لأقاويل أرسطو». ثم يقول: «وقد أثبت في الصناعة الذهنية وفي أجزاء العلم الطبيعي ما يدل على حصول هاتين الصناعتين في نفسه صورة ينطق عنها ويفصل ويركب فيها فعل المستولي عليها وعلى أمدها».
وقال ابن أبي أصيبعة عن مشاركته في سائر العلوم: «كان ابن باجة متميزا في الأدب والعربية، حافظا للقرآن، متقنا لصناعة الموسيقى، جيدا للعب بالعود، من الأفاضل بصناعة الطب، عالما بعلوم الأوائل، وله تصانيف في الرياضيات والمنطق والهندسة، أربى فيها على المتقدمين، وتعاليق في علم الهيئة تدل على الروعة في هذا الفن، وكان يشارك الأطباء في صناعتهم فحسدوه حتى ابتلى بمحن كثيرة وشناعات من العوام وقصدوا إهلاكه وسلمه الله منهم، وله رسالة في المجطي(12) لبطليموس المتوفى قرب الإسكندرية سنة 167م وفي انتقاده، وكان جماعة اشتغل بشؤون كثيرة، وهو في الأدب فاضل لم يبلغ أحد درجته من  أهل عصره في مصر».
وقد نقلنا قبل كلمة ابن طفيل التي ورد فيها عنه: «ثم خلف من بعدهم، أي الفارابي وابن سينا والغزالي خلف آخر أحذق منهم نظرا، وأقرب إلى الحقيقة، ولم يكن فيهم أثقب ذهنا، ولا أصح نظرا، ولا أصدق روية من أ بي بكر بن الصائغ».
وقال عنه القفطي: «أنه عالم بعلوم الأوائل».. وأدرجه ابن خلدون على رأس قائمة أكابر فلاسفة الإسلام والذين بلغوا في العلوم، واختصوا بالشهرة والذكر دون سواهم واعتبره، ابن الخطيب خاتمة علماء الأندلس.
ومما يدل على تفوقه في علم الفلك والهيئة –وتنسب القصة لغيره كذلك- وفيما حكوه عنه – أنه حسب وقت كسوف البدر بصناعة التعديل فزور في نفسه بيتين من الشعر في مصابه في عزيز عليه يخاطب بهما القمر، ولحنهما، حتى إذا كان وقت الكسوف وحدوثه عمليا، تغنى بالبيتين بذلك الصوت الشجي واللحن يسوق الشوق ويزجي، فكف القمر في الحال، وعدت هذه من نوادره، التي جيد الأخبار بفرائدها حال،  أما البيتان فهما:
شقيقك غيب في لحده
           وتشرق يا بدر من بعده
فهلا كسفت، فكان الكسـ
           ـوف حدادا لبست على فقده
وللأسف، فقد كان تبحره هذا سببا في اغتياله وتسممه، ذلك أنه إذا كان لم يتمكن أعداؤه من الفقهاء، وحساده من الوصوليين، والانتهازيين من إسكات صوته في ميدان الفلسفة أو عن طريق هذه الفلسفة، كما أسكتوا كل من اشتغل بها قبله، بتحريض العامة ومن وراء عامة الدولة، ورميه بالإلحاد والزندقة، فقد تمكنوا من اغتياله بالسم.
وقد حاول الفتح بن خاقان لحاجة في نفسه أن يتزعم ذلك التحريض عليه بما كتبه عنه في كتابه القلائد، بما كان يتمتع به من حصانة علمية، ولم يتمكنوا كذلك من محاربته في الميدان الطبي الذي كان يجد فيه الرعاية من الجميع حتى من مناوئيه نظرا لتعلق مصالح هذا الجميع به، فلم تكن مناهضته فيه ومناوأته متيسرة ولا سهلة، فقد اضطروا، وعلى رأسهم أبو العلاء بن زهر القرطبي المتوفى سنة 525 هـ أن يكيدوا له ويتربصوا به الدوائر وأن يتمكنوا أخيرا من سمه في باذنجان في شهر رمضان سنة 523-525-533 هـ، ولم يتجاوز مضمار الشباب، وقد دفن رحمه الله قرب قبر ابن العربي بفاس.
ولزيادة توضيح قيمة الرجل ثقافيا تلقي نظرة على مخالفاته وآثاره، ونسرد جردا لمؤلفاته، وهي من الكثرة بحيث يعسر حصرها، ومنها:
1) شروح وتعاليق على كتب أرسطو.
2) شروح وتعاليق على كتاب أبي نصر الفارابي في الصناعة الذهنية.
3) كلام في العناصر أو ما يسمى تقنيا: «الاسقطسات» أي الماء والنار والهواء والتراب.
4) كلام في البرهان والاسم والمسمى أي المنطق.
5) مقالات حول السماع والآثار العلوية والكون والفساد والحيوان والنبات وماهية الشوق الطبيعي، وما يمكن به الوقوف على العقل الفعال، والنفس النزوعية –والغاية الإنسانية- وحول الألحان، وفي خصوص خصائص النيلوفر من الأهزار.
6) قصيدتان في الطرديات والصيد وفي الأدوية المفردة.
وله غير ذلك من الأبحاث التي أشار إليها «ماجد فخري» فيما نشره أخيرا تحت عنوان: «رسائل ابن باجة الإلهية».
أما أهم الموضوعات التي عالجها فلسفيا فهي كثيرة منها:
1- الموجودات والحركات والصور والمادة ومراتب الوجود.
2- قوة النفس والعقل والمعرفة، والتوحيد، والأخلاق، والإرادة.
3- الخلود والسعادة.
4- الاجتماع والسياسة والتربية وعلم النفس.
وانتهى من كل ذلك إلى استنتاج الخلاصة الآتية التي يقول فيها: «أن على الإنسان أن يتصل بالعقل الفعال الذي يفيض من الله عن طريق ترقية نفسه وقواه العقلية ليبلغ السعادة القصوى، وأن الطريق الصحيح في الوصول إلى الله هو التفكير والتأمل لا الأحوال الصوفية القائمة على أماتة الحواس وعزل العقل عن معرفة الله كما يرى الغزالي».
على أنه من الملاحظ على آثاره الفلسفية، فيما يخص الشكل والقالب انعدام التنسيق، وفقدان الاتساق، أما من حيث المحتوى والمضمون فيأخذون عليه الغموض وانعدام الشمولية أو قلة الإحاطة بعناصر الموضوع، على أنه ربما بدأ كتابا ثم تركه قبل أن يتمه، وربما عرض للبحث الواحد في كتب متفرقة، كما أن بعض أساليبه يكتنفها الغموض ويصعب فهمها غالبا.
أما آثاره الأدبية فقد احتفظت له كتب التراجم الطبقات ببعض مقطعاته الشعرية التي تبدو عليها مسحة التفلسف كما نبه على ذلك ابن خلكان.
وقد أشاد كل من وقف على آثاره الأدبية في عصره، باستثناء الفتح بن خاقان الذي اتخذ منه موقفين متناقضين، إذ في الوقت الذي أشاد به في بعض الكتب التي وضعها قبل كتابه القلائد، عاد في هذا الكتاب النيل منه ونسبه إلى التعطيل ووصمه بالكفر والالحاد والزندقة وقلة الإجادة، وكان هذا راجع من صاحب القلائد بسبب ما أشار إلى بعضه ابن الخطيب في الإحاطة من نشوب خصومة شخصية بين الرجلين تحولت إلى عداوة مستحكمة، استغلها صاحب القلائد للنيل من ابن باجة.
إلا أن الناس المعاصرين لصاحب القلائد يعرفون جيدا ما كان يحيط بحياة الفتح بن خاقان من شذوذ، وانحراف، وما يتصف به من مشاكسة وعداوة الأكابر حتى أنه كتب رسالة شكوى بأبي العلاء بن زهر إلى علي بن يوسف بن تاشفين يستعديه عليه، وبهذا ندرك حقيقة تحاملاته على ابن باجة، وأنها لا تعدو أن تكون كما وصفها ابن الخطيب بأنها مجازفة وأنه هو نفسه كان مجازفا مقدورا عليه.
على أن ابن خلدون لدى ذكره الوشاحين عد ابن باجة من شوامخهم وقارنه بأبي بكر الأبيض وابن زهر، والتطيلي، وذكر من إجادته للتوشيح أن ابن تيفلويت لم يتورع عن شق ثيابه يوم أنشده ابن باجة إحدى موشحاته وأنه حلف بالإيمان المغلظة، أن لا يمشي الشاعر ابن باجة لداره إلا على الذهب، فاحتال ابن باجة بأن جعل في نعله ذهبا ومشى عليه خوفا من سوء العاقبة.
ويعد ابن باجة كذلك من المتقدمين في الموسيقى تلحينا وغناء حتى عيب عليه ذلك واعتبر فيما أخذ عليه من عيوب.
... والآن نسوق ما أوردوه له من مقطعات شعرية تنم عن روح شاعرية طموح، وعاطفة قوية مشبوبة وعلى تجربة ومعاناة عميقتين مع الإشارة إلى أنه من المؤسف حقا أن أشعاره لم يكتب لها حتى الآن –فيما نعلم- أن جمعت كلها في ديوان خاص، كما ننبه إلى أن شعره من حيث الشكل يتسم بالوضوح في الألفاظ والتعابير، أما من حيث المضمون فتغلب عليه العقلانية مما يجعله قريبا من شعر الحكم والوصايا، ولاشك أن هذا ناتج عن شخصية ابن باجة الفلسفية وعن مركزه الاجتماعي كطبيب ومركزه السياسي كوزير مسؤول.
فمن شعره في شكواه –وهو سجين إبراهيم بن يوسف بن تاشفين بشاطبة:
خفض عليك فما الزمان وريبه
                شيء يدوم، ولا الحياة تدوم
واذهب بنفس لم تضع، لتحلها
                حيث احتللت بها وأنت عليم
يا صاحبي – لفظا ومعنى- خلته
              من قبل، حتى بين التقسيم
دع منك من معنى الإخاء ثقيله
              وأنبذ بذاك العبء فهو ذميم
وأسمع، وطارحني الحديث فإنه
              ليل –كأحداث الزمان- يهيم
خذني على اثر الزمان، فقد مضى
              بؤس على أبنائه ونعيم
فعسى أرى ذاك النعيم وربه
              مرح ورب البؤس وهو سقيم
هيهات، ساوت بينهم أجداثهم
              وتشابه المحسود والمحروم
... ومما قاله في معتقله عند بني هود هذه الزفرة يستنجد فيها أميره ابن تيفلويت ليتدخل لتحريره:
لعلك –يا يزيد- علمت حالي
              فتعلم أي خطب قد لقيت
وإني إن بقيت بمثل ما بي
              فمن عجب الليالي أن بقيت
يقول الشامتون: شقاء بخت
              لعمر الشامتين: لقد شقيت
أعندهم الأمان  من الليالي
              وسالمهم بها الزمن المقيت
وما يدرون أنهم سيسقوا
              على كره بكأس قد سقيت
ويلاحظ في الشطر الأول من البيت الأخير حذفه نون الأفعال الخمسة دون سبب نحوي من ناصب أو جازم لضرورة الوزن؟
وحين بلغه عزم عماد الدولة على تفيذ عقوبة الإعدام فيه قال:
أقول لنفسي حين قابلها الردى
             فراغت –فرارا منه- يسرى إلى يمنى
قري تحمدي بعض الذي تكرهينه
             فقد طالما اعتدت الفرار إلى الاهنا
ومن شعره في الغزل والتشبيب:
اسكان نعمان الاراك تيقنوا
            بأنكم في ربع قلبي، سكان
ودوموا على حفظ الوداد فطالما
             يلينا بأقوام إذا استحفظوا خانوا
سلو الليل عني إذ تناء دياركم
             هل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان؟
وهل جردت أسياف برق سمائكم
             فكانت لها –إلا جفوني- أجفان؟
ومن لطيف معانيه:
أتأذن لي آتي العقيق اليمانيا
             أسائله ما للمعالي، وما ليا؟
وهل داركم بالحزن قفراء، أنني
             تركت الهوى يقتاد فضل زماميا؟
فيا مكرع الوادي أما فيك شربة
             لقد سال فيك الماء أزرق صافيا؟
ويا شجرات الجزع هل فيك وقفة
             وقد فاء فيك الظل أخضر ضافيا؟
ومن روائعه قوله:
يا شائي حيث لا أستطيع إدراكه
             ولا أقول: غدا أغدو فألقاه؟
أما النهار، فليلي ضم شملته
             على الصباح، فأولاه كأخراه؟
أغر نفسي بآمال مزورة
              منها لقاؤك، والأيام تأباه
ومن شعره الفلسفي قوله:
ألا يا رزق، والأقدار تجري
             بما شاءت: نشا أو نشاء
هل أنت مطارحي شجوى فتدري
             وأدري كيف يحتمل القضاء؟
يقولون: الأمور تكون دورا
              وهذا فقده، فمتى اللقاء؟
ونحب أن نختم شذراتنا المختارة هذه من شعر ابن باجة البيتين اللذين رثى بهما أمه، ولكونهما يصح أن يكونا شاهدين أولا على وفائه لمن الجنة تحت أقدامها، وثانيا على إيمانه بالقضاء والقدر والبعث والديمومة، خلافا لما يرميه به بعض مناوئيه من كفر بالآخرة وجحود للقيامة: مع ملاحظة أن جمعي أشعاره تقريبا وردت في شكل استفهامات مما يومئ إلى الفكر الفلسفي القائم والمبني على البحث والتقصي .. قال يرحمه الله:
فيا ركب المنون ألا رسول
              يبلغ روحها أرج السلام
سألت متى اللقاء؟ فقيل حتى
              يقوم الهامدون من الرجام

(1) - المعجب ص 240.
(2) - المعجب ص 240، طبعة الاستانة.
(3) - الصريمة: القطعة من الليل.
(4) الحوب: الإثم.
(5) - البرحاء: الشدة.
(6) - وسمع له وعليه أحاط، والعدوى بضم العين الظلم.
(7) - السواري: السحائب.
(8) - العزير: المجبور.
(9) - نفح الطيب ج 4 ص 308، مطبعة السعادة.
(10) - نفح الطيب ج 4 ص 345، مطبعة السعادة.
(11) - ابن باجة لعمر فروخ ص 26-27.
(12) - المجسطي: أقدم كتاب في علم الفلك والهيئة، وضعه اليونان سنة 148 م عربه إسحاق بن حنين المتوفى سنة 911 م ببغداد، وهو طبيب وفيلسوف، نقل إلى العربية عن اليونانية أصول الهندسة لاقليدس، والكرة والأسطوانة لارخميدس وسوفسطو لأفلاطون، والمقولات لأرسطو.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here