islamaumaroc

دور الأوقاف في مجالات البناء الاقتصادي والحضاري…

  دعوة الحق

221 العدد

الحافز على اختيار الموضوع
قبل الدخول في صميم الموضوع لابد من كلمة حول المناسبة الغالية التي حركت قلمي وألهمتني إلى تناول هذا الموضوع وكتابته خاصا بدعوة الحق(*).
ذلك أنه عندما تحل ذكرى ثالث مارس، بل عندما تبدو بشائر وطلائع هذه الذكرى تلوح في الأفق تقتضي بوادرها المشرقة من الفكر المغربي الوطني أن يتجول في أطوار تاريخ العرش العلوي المجيد منذ النشأة ومرورا بكل المعارك والمواقف والوقائع والأحداث التي عاشها المغرب في ظلال هذا العرش المكافح الذي لم يكن كالعروش الرمزية التقليدية، بل فإن العرش المغربي ينفرد بالعبقرية المبدعة وبالنضالية المثالية وبالاستمرارية في الجهاد من أجل بناء أمجاد الشخصية المغربية، وتجليات ذلك واضحة في مسيرة العرش المتزامنة مع تاريخ المغرب منذ ثلاثة قرون وربع قرن تقريبا، وهي مسيرة حافلة بالأمجاد والمواقف، فإذا نحن أخذنا طرف الحديث بهذه المناسبة من جانب كفاح العرش والشعب جنبا إلى جنب ضد الاستعمار وهي الفترة التي تؤرخ للمغرب الحديث، فهذه تقتضي المجلدات لأن الإنجازات التي تحققت جعلت تاريخ المغرب حافلا بالمفاخر، بل جعلت منه تاريخا ذهبيا بالنظر إلى ما تميزت به المسيرة المغربية من الطموحات والتطلعات وما انطبعت به من الديناميكية والاستمرارية في البناء والتشييد للمنشآت العمرانية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وإرساء قواعد البناء الديمقراطي وقطع الأشواط الهامة في التحرير والوحدة، وكذا في مجالات التعاون والعلاقات الإنسانية والنشاط الدبلوماسي مما جعل للمغرب مكانة مرموقة وسمعة طيبة في المجتمع الدولي، وتأتي مثل هذه المناسبة المجيدة لتحرك الأقلام لا لتكتب كل شيء أي لا لتعيد كتابة تاريخ المغرب فذلك شيء من اختصاص رجالات التاريخ وعلماء الاجتماع الذين من اختصاصهم ضبط مراحل النمو والتطور للمجتمع، غير أن الذي نروم إليه ونحن نساهم في تخليد هذه المناسبة الكريمة هو تسليط بعض الأضواء والإلماح إلى بعض المرافق والمبرات والمؤسسات التي لعبت وتلعب باستمرار دورا هاما في صالح الأعمال ونقتصر في هذا الموضوع على بحث الدور الهام الذي قامت وتقوم به الأوقاف، وسوف لا أوفي الموضوع حقه في التحليل والاستيعاب لأن ما أتوفر عليه من الوثائق والمعلومات والمراجع قليل، إلا أنني أود أن أدلي بدلوي ولعل في الساحة الأدبية غير واحد من الذين يستأثر باهتمامهم لدور الأوقاف فيسارع إلى مناقشته من زاوية معينة ومن خلال التحاور والنقاش تتلاقى وتنمو الأفكار ويتحقق القصد وبالتالي تتضح المفاهيم وتتجلى المعالم وتعم الفائدة، وتلك إحدى المهام التي يضطلع بها الإعلام ولعل تلك هي إحدى الأهداف البارزة التي تعمل من أجلها مجلة دعوة الحق.

دور الوقف كما حدده الإسلام
فكرة الوقف معناها تعزيز أعمال الخير والبر والإحسان وهذه الفكرة تقوم على أساس التراحم والتكافل والتضامن والتعاون، وهذه كلها مبادئ أقرها الإسلام بين الناس وجعلها تندرج في جملة العمل الصالح الذي يشمل نفعه عامة الناس، وبهذا العمل تعززت مكانة الأسرة في المجتمع وتعاطف الناس على بعضهم  وتراحموا فيما بينهم، وانطلاقا من هذه الشريعة الإسلامية الخالدة ساهم الوقف في بناء الحضارة الإسلامية وارتكز في القيام بدوره على أساس الإيمان، فوفر للمريض العلاج، حيث كان الوقف يقيم المارستانات ومؤسسات الاستشفاء، كما يوفر العون والمساعدة في المآكل والملبس والإيواء للمعوز والفقير والمعاق، ووفر الوقف كذلك التعليم بالمجان، وكم هي كثيرة المعاهد والمساجد والجامعات القديمة التي أنشأتها الأوقاف وساعدتها ماديا وأطرتها للقيام برسالتها التعليمية. ويمتد دور الأوقاف إلى المحافظة على الأصالة وحماية ورعاية مكاسب الإسلام ومظاهر هذه الرعاية تضاعفت في العهد الحسني الذي نعيشه حيث تقوم بتوجيه منه وتنفيذا لتعليماته بجهود محسوسة من أجل بناء المساجد وتأطيرها وتجهيزها والاعتناء بها، ولما كان دور الأوقاف يتسع نطاقه تدريجيا فقد اتجهت عناية الأوقاف إلى تنمية المداخل لمواجهة النفقات، فتم بناء شبكة من العمارات والدور والمؤسسات للكراء هدفها في تأدية الدور المناط بالأوقاف وفقا لروح الإسلام والتزاما بمقتضيات الشريعة الإسلامية الخالدة.
وحيث أن الوقف هو ممتلكات من أراضي ودور وبساتين وحدائق وضيعات فلاحية وكتب ومؤلفات وغير ذلك، فقد تطورت أساليب الاستثمار لتصبح مسايرة لروح العصر ومتطلبات الزمن والمكان والأوقاف هي الصدقات الجارية،  كما يشير إلى ذلك الفكر الإسلامي حول خير ما يتركه المرء من بعده هو:
صدقة جارية وولد يدعو له وعلم ينتفع به، ولهذه الغاية تنصرف جهود الأوقاف، إلى إقامة المساجد والإنشاء والإسهام في المؤسسات الخاصة بالعمل الخيري والاجتماعي، كل هذه من الصدقات الجارية، ولنأخذ جانبا بارزا من عمل الأوقاف:

الأوقاف وبناء المساجد
بعض العامة من الناس يعتقدون بأن دور الأوقاف ينحصر في بناء المساجد والسهر عليها وتأطيرها بالأئمة والخطباء والوعاظ والمؤذنون، مع أن الواقع يرتفع بدور الأوقاف علاوة على هذه المهمة التي لا يستهان بأهميتها ونفقاتها إلى الاعتناء بالتراث الإسلامي بإصدار سلسلة من الكتب والدراسات والأبحاث التي لها علاقة بالعقيدة والفكر، كما أن للأوقاف إسهاما جديرا بالاعتبار في المجال الإعلامي وخاصة ما يهم مجال التوعية والثقافة الإسلامية، ولهذه الغاية تصدر بانتظام مجلتي الإرشاد، ودعوة الحق.
ومن خلال المساجد التي تترابط وتتزامن مع أمجاد الشخصية المغربية إذ هناك العديد من المساجد العتيقة التي يزخر بها المغرب وتعد من مفاخر تاريخه الحافل بالمكرمات كما تذكرنا بعض هذه المساجد بالعهود التي عاصرها المغرب عبر التاريخ، وما جامعة القرويين الشهيرة إلا نموذج بارز لهذه المساجد في المغرب المسلم وغيرها من المساجد العتيقة التي تفخر بها كل المدن المغربية في مراكش ومكناس والبيضاء وسلا والرباط وتازة وغيرها، وإذا كانت للمسجد رسالة معلومة في الإسلام وفي نشر الدعوة الإسلامية فإن المغرب يولي المساجد عناية خاصة تتجلى في الاعتمادات التي ترصد لبناء المزيد من المساجد فضلا على تلك المساجد التي يتنافس في بنائها بعض ذوي الأريحية من المحسنين، ومما يعاد إلى الأذهان أن المساجد كانت تقوم فضلا على كونها أماكن للعبادة بدور المدارس الأولى في الإسلام ففيها كانت تعقد المجالس العلمية والحلقات التدريسية، بل لقد ساهمت المساجد في الإشعاع الحضاري حيث نقلت الحضارة العربية من الأندلس إلى أوربا، وقد اعترف بذلك كبار المفكرين والفلاسفة وعلماء الغرب الأوربي.

الأوقاف والكتاتيب القرآنية
تحضرني وأنا أكتب هذا الموضوع الذي هو من وحي ذكرى عيد العرش تلك السنة الحميدة التي
أعلن الجالس على أريكة العرش جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله يوم أعلن عن البعث الإسلامي وحث على تنشئة الطفولة المغربية على  أساس الهدي الديني والعقيدة الإسلامية، وكان ذلك بمناسبة عيد الطفولة الذي يواكب ذكرى ميلاد صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد، ففي ذلك الخطاب الملكي التاريخي أعاد أمير المؤمنين الاعتبار للكتاتيب القرآنية وياليت أن الجمع استوعب بإيمان وتشبع روحي كل المرامي التي تهدف إليها فكرة البعث الإسلامي وخاصة بالنسبة للأجيال الصاعدة، ذلك لأن جعل الكتاتيب القرآنية مرحلة الأساس أي قبل اندماج الطفل في المجتمع المدرسي  وبلوغه سن التمدرس معناه ترسيخ العقيدة والتربية الإسلامية في البراعم ونشأة عقولهم على الأصالة والحياة الروحية، فيأتي دور الكتاب مكملا ومتكاملا مع دور الأسرة والأمومة والبيئة الأولى التي يترعرع فيها الطفل في بداية حياته، ولقد تضاعف عدد الكتاتيب وتحسين أسلوب عملها التربوي ولئن كان الإقبال عليها قليل وخاصة بالنسبة لأطفال العائلات الميسورة فإن الذي يرجى هو أن تعوض الأسرة لأطفالها ذلك بإشباع الأطفال القدوة الصالحة والظهور أمامهم بالمظهر اللائق من حيث الحياة والحشمة والمروءة والاحترام والأدب والأخلاق وكل المحاسن لكي يتقدى بها الطفل فينشأ نشأة إسلامية تتوافق وشريعة الإسلام الخالدة، وإذا نحن حاولنا الإلماح إلى كل المرافق والمجالات التي يتصل بها عمل الأوقاف نجدها متعددة ولكن ما دمنا نعالج الموضوع بالإلماح نشير إلى جانب آخر له علاقة بالأوقاف هو:

الأوقاف والاهتمام بالبحث العلمي والتراث
تقوم الأوقاف في إطار دورها الهادف إلى الاهتمام بمراكز البحث العلمي بعناية خاصة بالتراث سواء تعلق الأمر بخدمة هذا التراث وكذا بالعمل على إبراز إسهامات العبقرية المغربية في خدمة الثقافة العربية الإسلامية والحضارة الإنسانية بكيفية عامة. كما أن جهود الأوقاف في هذا الباب وانطلاقا من هذه المنهجية الجادة تنصرف إلى الاهتمام بالتأليف والجمع والتدريس كما يتجلى ذلك في سلسلة الكتب وسلسلة الدروس الحسنية وغيرها من الكتب والأبحاث والدراسات الإسلامية الجادة وتساهم في تغطية هذه الأنشطة مجلة دعوة الحق بما تحفل به من المقالات الثقافية والفكرية والدينية والأخلاقية وكذا ما تتكرس له مجلة الإرشاد من التوجيه الديني والأخلاقي والنوعية والتثقيف الشعبي.

الأوقاف والشؤون الإسلامية
كما قلت في بداية موضوعي هذا فإنني لا أقصد برؤيتي وتصوري المتواضع إيفاء موضوع دور الأوقاف حقه طبعا لا، لأنه أوسع، ولكن لا بأس من تعدد الدلاء وخاصة في هذا العصر الذي تعاظمت فيه مسؤولية أجهزة ومؤسسات الأوقاف في العالم بصفة عامة، وفي العالم العربي والإسلامي بصفة خاصة، وهذا التعاظم في المسؤولية والاتساع في الآفاق الحاضرة والمستقبلية شيء يقتضي تدقيق البحث وتبويبه، ذلك لأن الشؤون الإسلامية مفهوم متسع النطاق وهذا يجعل الموضوع متشعب وله ارتباطات بأركان الإسلام الأساسية وكل ركن له تعريفه وتفسيره ومناسبته وتوقيته، وهنا نصل إلى الجهود التي تقوم بها الأوقاف في إحياء وتخليد هذه المناسبات الدينية.
وتجليات ذلك تبرز في دور الأوقاف خلال شهر رمضان وأيامه ولياليه الغر المشرقات، وكذا في الأعياد الدينية والوطنية وفي موسم الحج وبمناسبة إحياء وتخليد ذكريات عظماء الإسلام وما قامت به الأوقاف من تكريم للإمام مالك والقاضي عياض جانب من ذلك،  وإن هذا التعريف المتواضع أحب أن أشفعه بذلك التصوير الرائع للمسؤولية الدينية كما يراها الشهد سيد قطب رحمه الله.
«إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية، يتم تحقيقه في حياة البشر أنفسهم في حدود طاقاتهم البشرية وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في كل بيئة ويبدأ العمل من النقطة التي يكون البشر عندها حينما يتسلم مقاليدهم ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية وبقدر ما يبدلونه من هذه الطاقة».
وإذا نحن تدارسنا بعمق دور الأوقاف نجده يدور حول هذه المحاور: الإعداد والمحافظة والتجهيز والتأطير لأماكن العبادة، الإسهام في الأعمال الخيرية والاجتماعية وإحياء التراث، حماية الأصالة والمكاسب الوقفية والحضارية، توسيع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الدينية، تحصين المنشآت والأماكن المقدسة، ويعتبر العدد الخامس من السنة الثانية والعشرين من مجلة دعوة الحق الخاص بالقدس الشريف تقرير شاملا ووثيقة حية عن القدس الشريف والأماكن المقدسة، ففي هذا العدد الممتاز سرد لكل الوقائع والأحداث التي شهدها القدس عبر مختلف أطوار التاريخ وكذا الجهود الكبيرة التي تقوم بها لجنة القدس برئاسة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله.
فضلا على الممتلكات الحبسية والأوقاف المغربية بالقدس الشريف والمسجلة حسب الوثائق الموجودة بتفصيل وبيان لدى المحكمة الشرعية التابعة للمملكة الأردنية الهاشمية، وكذا تقرير سنة 1959 حول ممتلكات الأوقاف المغربية التونسية، الجزائرية بالقدس الشريف والمعروفة بأوقاف أبي مدين الغوث.
وتحضرني قولة لأحد الشرفاء من أبناء المغرب قالها بعد أن جار عليها الزمن وداهمه الفقر وضغطت عليه الديون وضعف الحال وكثرة العيال فاستنجد بالغوث قائلا:
الغوث أبو مدين ...
              خلص دين المديان
قد تكون هذه مجرد رؤوس أقلام حول دور الأوقاف ورسالتها وأسأل الله التوفيق من قبل ومن بعد.
                                 
(*)- لأسباب خارجة عن إرادة المجلة تأجل نشر هذا المقال إلى هذا العدد. فمعذرة للكاتب والقراء الكرام.                                                              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here