islamaumaroc

علاقة روسيا بالمغرب

  دعوة الحق

26 العدد

لا نقصد بروسيا، روسيا الحالية وهي (اتحاد الجمهوريات الروسية الاشتراكية) التي تكونت في جملة ما تكون من الدول بعد الحرب العالمية الأولى، ولم تربط لها علاقة بالمغرب منذ تكوينها سنة 1917، ولم تذكر في شأن من شؤون المغرب إلا في مؤتمر باريس الذي انعقد سنة 1945 في شأن نظام طنجة، وامتنع ستالين أن يشارك فيه لمشاركة ممثلين عن الجنرال فرانكو خصمه اللدود في نفس المؤتمر. نعم استقل المغرب واسترد سيادته منذ ذلك الحين، واعترفت روسيا الجديدة باستقلاله وتبادل معها تمثيلا دبلوماسيا مبنيا على تبادل المصالح في الميدان الاقتصادي.
فالمقصود بروسيا في هذه العجالة هي روسيا القيصرية التي كانت الدول الغربية قبل الحرب العالمية الأولى تخطب ودها للمحافظة على التوازن في السياسة الأوربية والتي كانت بعض الدول الغربية تحاول استغلالها كما تستغل الشهوات لكثرة خيراتها وتنوع منابع الثروة فيها وقلة خبرائها.
فروسيا هذه لم يكن يعرف المغاربة شيئا كثيرا عنها إلا ما كانوا يقرؤونه في القليل من الرحلات العربية التي قام بها أصحابها في بعض نواحيها وخصوصا في مقاطعتها الجنوبية قديما مثل ابن فضلان، وإن لم تطبع رحلته إلا قريبا أو بعضها دون بعض سنة 1939، نشرها الأستاذ زكي ألوليدي، ولا يزال قسم منها بإحدى خزائن الأستانة. كما أن الروس يحتفظون بقسم مفيد منها، ويمانعون في إعارة القشور منه عندهم سنة 1823 مع ترجمة روسية أو التحقيق عليه حسب ذكر الأستاذ محمد سامي الدهان الذي نجده الآن عاملا على نشرها لما فيها من الفوائد التي انفردت بها والملاحظات التي لم يكذبها الزمان رغما عن تطورات الأحداث في هذه الدنيا الروسية ولا نقول البلاد الروسية مع أن العلم أن ابن فضلان عاش في القرن الرابع وقام برحلته لفائدة الدولة العباسية.
نعم، كان المغاربة يعرفون عن روسيا ما كانوا يطالعونه في الكتب المصرية القليلة التي كانت تصل المغرب مثل «التحفة الخالدة» التي يقال بأن نسخة منها كانت متداولة بفاس وعليها تطويرات بيد المولى الحسن الأكبر جد مولانا صاخب الجلالة محمد الخامس، وكل هذه المعلومات شيء قليل إذا أضفناه إلى قلة اعتناء علماء الوقت أي علماء القرن المنصرم بشؤون الجغرافيا والتاريخ إلا من رحم ربك وقليل ما هم.
ورغما عن هذا التقصير في المعرفة فإن المغاربة كانوا لا يجهلون إن الإسلام لم يجد خيرا في عهد من عهود من جواره لروسيا لا في ممالكه في الشرق الأقصى وأواسط آسيا ولا في الشرق الأوسط. ألم تكن من أكبر الدول المعادية لإيران منذ تكون أكبر دولة على عرشها وهي أسرة روما نوف ؟ وكذلك كانت أكبر أعداء دولة الخلافة التركية منذ تكوينها إلى عهد قريب، وكانت حاملة مشعل الحروب الصليبية في القرن التاسع عشر وآلة تستعملها الدول الغربية للقضاء على الرجل المريض وكانت طيلة القرن التاسع عشر تتزعم حماية الأقليات المسيحية في تركيا كالأرمن مثلا، وكانت تدعي هي أيضا حماية الأماكن المقدسة وما فيها من كنائس روسية لا تزال إلى الآن قائمة المعالم. فكانت تتنافس في ذلك مع فرنسا وكان هدفها في الواقع إضعاف «الرجل المريض» بل الإجهاز عليه عندما تنسخ الفرصة لتأخذ قسطا من أشلائه على أن يكون ذلك القسط حصة الأسد وهي مدينة الأستانة واحتلال مضيق البوسفور وهو باب البحر السود الذي تعتبر حوضا خاصا بها.
على أن التوتر الموجود الآن في العلاقات بين الدولتين هو وليد لذلك التراث الذي ورثته روسيا الشيوعية من روسيا القيصرية، والذي يتخلص في كون الدولتين خاضتا غمار الحرب بينهما ثلاث عشرة مرة كانت الأخيرة من سنة 1914 إلى سنة 1917. وما يقال في حق روسيا وتركيا يمكن أن يقال في حق إيران في علاقاتها مع روسيا، وكل ذلك من البديهيات التاريخية التي لا يجهلها إلا من يتجاهلها لحاجة في النفس، وحيث أن الأمر كذلك، فليضع من يحملون على حلف بغداد نفسهم موضع ساسة هذه الدول. فهل يستجيبون في سياستهم دواعي التاريخ والجغرافيا أو يجرون مع العواطف التي لا تتفق مع واقع دولهم لا في القديم ولا في الحديث ؟ ليست السياسة شيئا غير ما يريده التاريخ والوضع الجغرافي من رجال الحكم والدبلوماسية، ليس لها أدنى علاقة بالعاطفة إلا إذا أريد بها تمتين الروابط أو تبادل المصالح التي تزيد في سلامة أمن الدولة وحفظ كيانها وحماية ترابها. ونحن هنا لا ندعو إلى الانضمام إلى حلف يعينه وإنما نقرر ما ثبت في التاريخ وأكدته الدبلوماسية في واقعيتها التي لا تقبل الجدل.
وكان المغاربة لا يجهلون أن روسيا القيصرية كانت عدوة لدولة الخلافة. ولذلك أبت همة السلطان المولى عبد الرحمان إلا أن يهنئ آل عثمان على النصر على روسيا سنة 1854 بعد حرب القرم، ولذلك أسفر عنه في هذه المهمة عبد الكريم راغون التطواني. ولم تحرز تركيا على النصر إلا لتدخل فرنسا وانجلترا خشية منهما على مصير الأستانة لو أن النصر كان حيفا لروسيا. وإذا لم يشارك المغرب في هذه الحرب إلا بصفة (أفلاطونية) فما ذلك إلا لبعد الشقة بين ميدان الحرب وفقدان أسطول قوي بيد الدولة المغربية إذ ذاك.
نعم لم تنشأ علاقات بين المغرب وروسيا إلا في مستهل هذا القرن نظرا للبعد الشاسع بين القطرين ونظرا لانعدام المصالح بين الدولتين، وأما العلة في خلق هذه العلاقات فإنها كانت في رغبة فرنسا في تعزيز موقفها في المغرب وفي شؤونه لحليفة لها تستعين بها على ألمانيا التي كانت تساومها في المصالح والنفوذ في المغرب.
وقبل إنشاء مفوضية روسية في طنجة كانت مصالح روسيا على قلتها في رعاية سفارة اسبانيا. وبعدما أنشئت كان عملها مقتصرا على الشؤون الدبلوماسية، وبقيت الشؤون القنصلية إلى رعاية اسبانيا في مدن الإيالة الشريفة، ولم يكن للسفارة الروسية حتى ترجمان للاتصال بالمغاربة، وكان يقوم بهذه المهمة أحد تراجمة السفارة الاسبانية، فكانت السفارة عبارة عن سفير ملحق لا غير. ويقول مؤرخو هذه الفترة من الدبلوماسيين بأن السفارة الفرنسية اندهشت لما لم يطلب منها إعارة ترجمانها لمساعدة السفير الروسي في مهنته.
وقبل إنشاء هذه السفارة اقتصرت العلاقات بين الدولتين على رحلة قام بها أحد أمراء أسرة روما نوف في المغرب في عهد المولى عبد العزيز وذلك سنة 1899، وطلب الإذن في هذه الرحلة بزيارة القصر السلطاني بواسطة السفارة الاسبانية، ثم اخترق المغرب من غرب إلى شرقه حيث قصد الجزائر.
ولما علم المولى عبد العزيز عزم روسيا على إنشاء سفارة لها بطنجة بعث سفارة عنه لبلاط سان بطرسبورج حيث استقبله نقولا الثاني (وسننشر مقالا خاصا بهذه السفارة).
وعين السفير الروسي قي المغرب وهو لكونت دوباشراشت.
وكان قبل تعيينه في المغرب ملحقا بسفارة روسيا في لشبونة، وكان كاتبه أحد أمراء الأسرة المالكة وهو الأمير كاكرين، ثم تلاه في نفس المنصب كانين.
وغادر السفير طنجة إلى فاس لتقديم أوراق اعتماده إلى جلالة السلطان، وكان مصحوبا بزوجه وهي من النبيلات الروسيات. وحيث أن الرحلة بين العاصمتين –الدبلوماسية والملكية- كانت تستغرق نحو الأسبوع، فإن عقلية السفير كانت تقصر الليل في تقييد ملاحظاتها عن الرحلة وعن ارتساماتها عما ترى وتسمع. وقد تركت لنا شبه مذكرات يومية لا تخلو من طرافة مثلما كتبت عن طريق المغرب التي لم تكن على ما يرضي إذ ذاك فقالت : «أوصي المغاربة بأن لا يعبدوا طرق بلادهم، لأن الطرق المعبدة تعين على احتلال هذه البلاد» ولكن مع الأسف فإن الاحتلال لم يقف أمام هذا المانع، كما أن التعبيد والحمد لله لن يحول بين المغرب وبين الجلاء.
وانحصرت مهمة السفير الروسي في شأن واحد وهو إسناذ فرنسا في تدخلها في شؤون المغرب ذلك التدخل الذي أد ى من جهة المغرب إلى عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء أولا إلى فرض الحماية على المغرب من جهة فرنسا ثانيا.
ونعلم من مراجعة ما كتب عن مؤتمر الجزيرة الخضراء أن مندوب روسيا لم يبد رأيا فيما راج من القضايا والشؤون مخالفا لما كانت ترتئيه الكتلة الغربية إذ ذاك وهي فرنسا وانكلترا واسبانيا حيث ايطاليا وقفت موقف الوسيط والحكم بين الكتلتين مع تحيز ما لجانب هذه الكتلة رغما عن اتحادها مع ألمانيا والنمسا.
فكان السفير الروسي يطأطئ الرأس للمقترحات الفرنسية من البداية إلى النهاية.
وبعد انفضاض مؤتمر الجزيرة الخضراء رجع السفير الروسي إلى طنجة ثم منها إلى بلاده. ولم يعين فيما نعلم خلف له حتى عين في عهد جلالة الملك محمد الخامس سفير لروسيا على أسس جديدة وفي ظروف أصبح للمغرب فيها من الشأن ما لم يكن له في مستهل هذا القرن. 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here