islamaumaroc

القيم الروحية هل لها عوائد مادية

  دعوة الحق

221 العدد

من الحكايات الكلاسيكية التي يرويها الأبناء عن الآباء بالمغرب هذه الحكاية:
«في أوائل هذا القرن وصلت إلى فرنسا بعثتان في نفس اليوم، أولهما يابانية، والثانية مغربية.
«وأتمت البعثتان دراستهما في (فرنسا)، وعادتا إلى بلديهما، فرحبت (اليابان) ببعثتهما، وزودتها بكل ما احتاجت إليه لاستعمال معلوماتها ونشرها، فصارت النواة الأولى لعظمة (اليابان) الصناعية والعسكرية والعلمية..
«وعادت البعثة المغربية إلى بلادها بعد وفاة الملك العظيم (الحسن الأول)، الذي كان صاحب فكرة إرسال البعثة لاقتناعه بضرورة الأخذ عن الغرب، كما أخذ هو عنا .. عادت البعثة فعوملت شر معاملة من طرف  تنابلة القصر الذين خافوا على امتيازاتهم من أفراد البعثة المتعلمة، فكادوا لهم، وحرضوا عليهم، واتهموهم بالخروج عن الدين»!.
كانت هذه الاعتذارية الجاهزة مبررا دائم الحضور في أفواه الكبار حين يرجع إليهم الصغار، بعد الصدمة الأولى من مقارنة أنفسهم وبلادهم بغيرهم من أهل البلاد المتحضرة، واكتشافهم المصير المتردي آلت إليه «خير أمة أخرجت للناس»!
ويتضمن هذا التبرير الساذج أنه لولا سوء معاملة طلابنا العائدين من (أوروبا) لكان المغرب اليوم (يابانا) أخرى ..
وطبعا أصبحت هذه الأطروحة مرفوضة في مجملها من طرف كل من صارت له صلة بعلوم الاجتماع، وأطوار التاريخ من شباب الأمس، فحتى لو كانت البذور (الطلاب) صالحة حينئذ، فإن الأرض (الشعب) لم تكن خصبة، ولا مهيأة لقبولها على عكس ما كانت عليه الأرضية اليابانية في ذلك الطور الحاسم من تاريخها الحضاري، وما كانت عليه قيمهم الأخلاقية من حيوية وتمكن في النفوس..
فبينما كانت آخر أضواء الحضارة الإسلامية (الدولة العثمانية) ترتعش وتخبو لتنطفئ، وبقية الأمة الإسلامية يغط في سبات يستيقظ من نومه الطويل نشيطا متحفزا لبدء يوم جديد من أيام الحضارة البشرية في دورتها التاريخية الخالدة.
وحين عاد الطلاب اليابانيون من (فرنسا) إلى بلادهم كانوا يحملون معهم نسخا طبق الأصل لأسس الصناعة والتيكنولوجيا الغربية. وكانت بلادهم تنتظرهم كما تنتظر الأرض الطيبة البذور السليمة. والغيث الهتون.
ولست هنا أحاول إعطاء مفهوم علمي جديد للاعتذارية القديمة.
ولست هنا، أيضا، بصدد الإجابة عن السؤال الكبير القديم: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟». فهو في نظري سؤال ما كان ينبغي أن يطرح من البداية! فهو سؤال أكاديمي ينظر سائله إلى الوراء بدل أن يتوجه نحو المستقبل. وهو من قبيل «لماذا يولد غيرنا، ونشيخ نحن ونموت؟»والجواب عليه بسيط وهو: «تلك سنة الكون»!
وكان الأولى أن نسأل: «كيف نبدأ من جديد؟».

الظاهرة اليابانية:
أما الظاهرة التي أريد أن أناقشها هنا فهي ظاهرة أخلاقية انفردت بها (اليابان) في هذا العصر، وكانت عاملا أساسيا خفيا في بناء كيانها الحضاري الجديد، وفي تقدمها الصناعي: وازدهارها الاقتصادي، وقوتها العسكرية التي دوخت الغرب. تلك الظاهرة هي (الحياء). الحياء كطبع مميز لغالبية الأمة. فكما يتميز العرب بالكرم، والمصريون منهم بالنكتة، والإنجليز ببرودة الدم الناتجة عن كبت العاطفة، والفرنسي بالهوى، والأمريكي بالسرعة والمحافظة على الوقت، واليهودي بجمع المال، كذلك يتميز الياباني بالحياء في طبعه، والدقة في عمله، كنتيجة لاستحيائه من عدم إتقان ما أسند إليه من أعمال..
وهذه الظاهرة الأخلاقية ليست بغريبة علينا نحن المسلمين.. بل هي أحد أركان أخلاقنا. والجميع يعرف قصة الرجل الذي اشترط على رسول الله لكي يدخل الإسلام ألا يصلي. فقبل منه الرسول الحكيم صلى الله عليه وسلم ذلك، واشترط عليه أن يستحي. فلما حضرت الصلاة، وقام المسلمون جميعا للصلاة، وجد نفسه المخالف الوحيد لإجماع المسلمين، فاستحيى وقام فتوضأ، وانضم إلى المسلمين..
وحين اختفى حياؤنا، ذهبت معه جديتنا، ووفاؤنا بالتزاماتنا، وتوقف تقدمنا فانهارت حضارتنا..
وهذا موضوع آخر لسنا بصدده الآن ..

(الحياء)
سأل مستجوب بهيأة الإذاعة البريطانية (ب.ب.س) أحد رجال الأعمال اليابانيين:
- كيف تستطيعون الوفاء بعقودكم، وإنجازها في الوقت المحدد لها؟
فأجاب رجل الأعمال الياباني بكلمة واحدة:
- الحياء!
وظهر الارتباك على الصحافي الإنجليزي، فأنقذه الياباني شارحا:
- حين نوقع عقدا مع زبون، سواء كان شركة أو دولة، فإننا نجمع جميع العمال الذين سيقومون بتنفيذ مشروع الصفقة،  ولنفرض أنه بناء سفينة مثلا، فنخبرهم بكل ما يتعلق بالصفقة في جميع مراحل إنجازها، وموعد تسليمها للطرف الآخر. وحتى الأرباح التي ستعود على شركتنا منها، ونستمع على تعليقاتهم، وملاحظاتهم، ونأخذها بعين الاعتبار. وحين يلتزمون بإنجازها فإنهم يفعلون، وفي الموعد المحدد. فإذا وقع تأخير ما من فرد أو فريق لأي سبب من الأسباب، فإن العامل منهم لا يستطيع رفع عينيه إلى وجه زميله.. الإحساس بالعار عندنا قوى .. ونحن نتفاداه بجميع الوسائل.. وهو السر وراء وفائنا بالتزاماتنا المحلية والدولية.

سائق الرئيس (تاناكا):
ولإبراز عنصر الشعور بالعار الناتج عن الحياء والمروءة لابد أن نورد هنا حدثا روته جرائد اليابان أثناء محاكمة رئيس الوزراء السابق (تاناكا) بتهمة الارتشاء.
فحين علم سائقه باستدعاء المحكمة له ليشهد ضد مستخدمه بأنه حمل هدية ما إلى صندوق سيارته، فضل الانتحار على الشهادة ضد رئيسه!
وهذا ما يفسر عمليات (الهراكيري) – الانتحار بشق البطن- التي كان يقوم بها الضباط اليابانيون أمام القصر الإمبراطوري كل يوم بعد استسلام «اليابان» في الحرب العالمية الثانية..

الشركة كاسرة:
في زيارتي الأخيرة لليابان سألت مرافقي، في معرض الحديث عن مشاكل الصناعة، وإضرابات العمال:
- هل يضرب العمال اليابانيون؟
فحرك الشاب الياباني رأسه قائلا:
- الإضراب آخر ما يلجأ إليه العامل الياباني، فقليلا ما تسمح المؤسسات بنشوء أسبابه .. ذلك أن طبيعة تكوين شركاتنا هنا تختلف عنها في الغرب.. فالعامل الياباني والموظف بشركة ما يصبح منتميا إليها انتماءه لعائلته.. وأغلب العمال والموظفين هنا يلازمون العمل مع مؤسساتهم مدى الحياة.. وهناك روح عائلية داخل المؤسسة يطبعها الوفاء، والاحترام المتبادل، وروح الفريق الرياضي الذي يحس أعضاؤه بالمسؤولية على نجاحه، ويبذلون قصاراهم لفوزه، ويحسون بالعار لفشله.
وضرب لي مثلا عمليا على ذلك:
- حين يريد العمال طلب رفع الأجور في شركة يابانية فإنهم يجتمعون أولا ويتدارسون حالتها بالنسبة للشركات المنافسة لها، فإذا رأوا أن شركتهم تستطيع الزيادة في أجورهم دون أن يضر ذلك بها أمام منافساتها، طلبوا الزيادة. و إذا رأوا أن الزيادة ستعرقل من نمو شركتهم وقدرتها على المنافسة عدلوا عن المطالبة بها..
وليعرب العامل الياباني عن عدم رضاه بوضعه فإنه يعلق شريطا أسود حول ذراعه أثناء العمل.. ولكنه لا يتوقف احتجاجا.
ومما عرفته أثناء زيارتي لأحد مصانع السيارات (بهروشيما) أن التحسينات، والتطويرات الجديدة في أسلوب العمل أو تشكيل بعض القطع في هيكل ما كثيرا ما تأتي اقتراحاتها من العمال أنفسهم. فإذا تحوير في جهاز، فما على رئيس الفريق إلا أن يوافق.

في بريطانيا:
ورجعت بذاكرتي، وأنا أنصت إلى مرافقي الذي كان يواجهني في عربة (القطار الرصاصة) بين «طوكيو» و«كيوطو»، رجعت إلى الأيام التي قضيتها في بريطانيا وما كنت أحس به من العجب والاستغراب لصفاقة العامل الإنجليزي، وانعدام وطنيته ولا مسؤوليته في إعلانه الإضرابات الطويلة المدى والتي يطلقون عليها من باب تسمية الأشياء بأضدادها: Industrial Action أي (الحركة الصناعية) .. لأتفه الأسباب .. (إضراب مصنع بأسره مرة لأن الحليب الذي جاؤوهم به للشاي لم يكن ساخنا).
العامل الإنجليزي يلتذ بمنظر شركته وهي تنهار. أعماه حقده الطبقي على مستخدميه، سواء كانوا شركة أو حكومة، فصار يتمتع بتخريبهم غير دار أنه، كما يقول المثل الإنجليزي: «يقطع أنفه ليغيظ وجهه»: «He cuts his nose to spite his face» وأن إفلاس شركته يعني بطالته وجوعه، وضعف بلاده أمام غيرها .. وقد بلغ الانحلال بمثقفيهم حد التبرؤ من الوطنية تبرؤهم من داء عضال ..
ولا شك أن العالم بأسره يقف فاغر الفم أمام انهيار صحيفة من أعرق صحف العالم، جريدة (التايمز) البريطانية، بسبب رفض عمالها إدخال التكنولوجيا الحديثة على أجهزة طباعتها القديمة، خوفا على الاستغناء عن بعضهم، متجاهلين أنه بإفلاس الجريدة .. وملحقاتها (الصاندي تايمز) سيفقد الجميع أعمالهم!

حكاية الرولز رويس:
ومن الحكايات الدالة على هذا الطبع الشاد هذه الحكاية التي يرويها الملاحظون عن الفرق بين العاملين الإنجليزي والأمريكي:
«سئل عامل أمريكي:
- حين ترى سيارة كاديلاك تمر أمامك، ما الذي يخطر ببالك؟
فرد الأمريكي:
- أفكر في أن أضاعف جهودي في العمل والكسب حتى أملك كاديلاكين.
وسئل العامل الإنجليزي:
- حين تدرج أمامك سيارة رولز رويس، ماذا يدور بخدلك؟
فأجاب:
- أن أعلن الإضراب على صاحبها حتى يفلس ويصبح عاملا بسيطا مثلي!

حكاية اللص:
وعن نفس هذه العقلية الدموية يصدر الفرد الإنجليزي العادي في سلوكه الذي سجله البرنامج التلفزوني الأمريكي الناجح (الكاميرة الخفية)، وقارن فيه بين موقف رجلي الشارع الأمريكي والإنجليزي من (اللص)...
«وضع (آلن فانط)، صاحب البرنامج، سيناريو يظهر فيه رجل عصابات أمريكي بقبعته المعقوفة، وقميصه الأسود، ونظارته الداكنة، وهو يحمل حقيبة يد كبيرة، ويجري ليقف أمام رجل واقف على باب بيته فيطلب منه أن يخفيه من البوليس الذي يطارده.
ويستجيب الرجل الأمريكي بالإشارة إلى اللص إلى مكان تحت سلم المنزل ليختفي فيه.
ويأتي رجل الأمن بصفارته ومسدسه، ويسأل الرجل:
- هل رأيت رجل عصابة يمر من هنا؟
فيجيب الرجل كاذبا ومشيرا إلى شارع آخر:
- نعم .. إنه ذهب في ذلك الاتجاه.
وحين يختفي الشرطي يهمس للص ليخرج، ويفر في الاتجاه المعاكس ..
تكررت هذه العملية مرارا في شوارع (مانهاتان) و(بروكلين) و(شيكاغو) بنفس النتيجة.
رجل الشارع الأمريكي يتستر على اللص، ويكذب على رجل الأمن.
وانتقل البرنامج إلى (بريطانيا)، وعرض نفس السيناريو، فكانت النتيجة عكسية تماما.
كان الإنجليزي (رجلا أو امرأة) يخفي اللص، ثم يفضحه للبوليس قائلا وهو يشير إلى مكان اختفائه من طرف خفي:
- لا .. لم أر أحدا يمر من هنا بهذه الأوصاف ..
وتكررت العملية عدة مرات، وبأماكن مختلفة من البلدين، فكانت النتيجة تثير الدهشة بثبات طبع الأمريكي على التستر والإنجليزي على الفضح».
وفي نظري، وإذا كنت  أعرف طبع الإنجليزي جيدا، فإنه لم يكن يفضح السارق حبا للقانون، وخدمة للعدالة، بقدر ما هو رفض لارتفاع مستوى اللص المادي على مستواه بخلاف الأمريكي الذي يدين بأن «الغاية تبرر الوسيلة» ويتعاطف مع اللص أكثر من تعاطفه مع رجل الأمن.
والنتيجة:
ومن تأمل المجتمعين الياباني والإنجليزي تخرج بنتيجة واضحة:
• المجتمع الياباني المتشبث بأصالته، وأخلاقه، وقيمه الروحية، مجتمع طموح متوثب، يزدهر ماديا يوما عن يوم.
• أما المجتمع الإنجليزي الذي يتبرأ فيه رجل الشارع من دينه(1) وتراثه، ويتنصل من مسؤولياته كفرد من جماعة، مجتمع شاخ، ومات إحساسه ... وفقد الرغبة في الحياة، والحماس للتقدم، وترك مركز القيادة ليمسك بأذيال التبعية والتخلف..

الأخلاق عملة قوية:
ولست هنا بصدد عقد مقارنة بين طبائع الشعوب وأخلاقها، بقدر ما أود إثبات حقيقة واقعة –لمن يهمه الأمر- وهي أن الأخلاق الكريمة يمكن أن تكون مصدر ثراء وتقدم للأمم التي تتحلى بها. وقد أثبت اليابان أن الحياء، والمروءة، والوفاء، وهي قيم أخلاقية مجردة يمكن تحويلها إلى عملة صعبة، وإلى أرصدة ضخمة في بنوك العالم، وأسهم ذهبية في أسواق المال.
وانطلاقا من هذه الأرضية يمكن مخاطبة الباحثين عن كبش فداء نلومه على انحدارنا، والمنساقين من ذوي النوايا الحسنة، وراء الأطروحة المتطرفة والداعية إلى نبذ العقائد (أفيون الشعوب) التي هي مصدر الإلزام الأخلاقي. فقبل أن يمسك هؤلاء بتلابيب الأديان السماوية ويسحبوها، وسط صفير الغوغاء، إلى ساحات ويسحبوها، وسط صفير الغوغاء، إلى ساحات الإعدام، بتهمة التحريض على التخلف، نطلب منهم أن يحاكموها، ويستمعوا إلى دفاعها. وسوف يكتشفون أنها، أثناء جميع مراحل تراجعنا، كانت غائبة!
وشهد شاهد ..
وخير ما نختم به هذا الموضوع هو قوله الكاتب البريطاني المعروف، (جراهام جرين)، في كتابه الجديد (وسائل الهروب(2) Ways of Escape الذي جمع فيه عددا من مقدمات رواياته التي هي خلاصة مشاهداته وتأملاته في بحر هذا القرن  الذي ولد في بدايته.
يقول «جرين» متحدثا عن الحضارة الغربية:
«ما نسميه بالحضارة Civilization –بسبب انعدام تعريف أحسن- أصبحت تقف موقف دفاع؛ فقد فقدنا قوة العمل الواضح لأننا فقدنا القدرة على الإيمان».

(1) - تسأل رجل الشارع البريطاني عن دينه فيجيبك في الغالب بأنه من (اللاأدرية) Agnostic أو ملحد Atheist  حتى ولو لم يكن دخل المدرسة قط.
(2) - مجلة (تايم) الأمريكية عدد نونبر 3-1980.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here