islamaumaroc

حوار العلماء مع الشباب.

  دعوة الحق

221 العدد

جاء في مجلة في مجلة (منبر الإسلام) التي يصدرها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية أن الرئيس حسني المبارك في لقائه مع علماء الأزهر وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية طلب عقد لقاءات متجددة مع الشباب لتوضيح المفاهيم الإسلامية لهم، والرد على كل ما يعترضهم من مشكلات. وقال الرئيس –كما ورد في نفس الخبر- أن هذه اللقاءات لابد أن تعقد سواء في جامعة الأزهر أو غيرها من الجامعات.
وبالفعل بدأ الحوار بين أساتذة جامعة الأزهر وبين شباب الجامعات، وعين 18 أستاذا في 6 مجموعات يديرون الحوار مع الشباب.
ولاشك أن هذا الخبر قد أسر كل مسلم غيور على دينه ومستقبله، وأثار اهتمامه ولفت نظره، وإني أعتقد أن ما قام به الرئيس المصري الجديد من عنايته البالغة بالشباب، وفتح به عهده من خير أعماله وأفضل جهوده ومساعيه في سبيل مستقبل قومه ووطنه، لأن الشباب يكون قاعدة أساسية لكل عمل وحركة ولكل تقدم وتطور. إنك ترى أن كل نظام وعلى وجه الخصوص الإيديولوجيات الحديثة تولي اهتماما عظيما وعناية كبيرة بتوجيه الشباب وتنظيمه في منظمات مختلفة. إن القائمين بتنفيذ النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والمسؤولين عن تحقيق مبادئ الإيديولوجيات المعينة يدركون تمام الإدراك ما للشباب من دور خطير في كل أمر. إنهم بلا ريب حملة التقدم والمستقبل الأفضل. فكل من يريد إيجاد أي تغير في سبيل تقدم وتنمية بلاده يتحتم عليه الاعتماد على الشباب لأنهم يمثلون جيل المستقبل في كل أمة ويحملون في ثناياهم الجديد والتقدمية وينظرون إلى الأمام بخلاف الجيل القديم الذي يتصل بالماضي وغالبا ما ينظر إلى الوراء ويحاول أن يحتفظ بالقديم بقطع النظر هل هذا القديم قد قضي عليه الزمن أو هو لا يزال حي وصالح.
ومما لا ينكر أن دور الشباب في تاريخ الإسلام كان في منتهى الأهمية. وقد لعب الشباب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل دور، وكان الرسول عليه السلام يعتمد عليهم ويثق بهم في كل أمر ويوكل لهم مهام خطيرة جدا، ليس هذا مكان تفاصيلها، إنها معلومة قد سجلها التاريخ.
ولكن الشباب اليوم عامة والشباب الإسلامي خاصة في حيرة شديدة وفي فراغ وضياع وتيه، يعاني من شدة القلق والاضطراب ما يجعله لا يستقر في حال ولا يثبت في رأي وإنما يتقلب ويذهب مذاهب مختلفة يتجلى فيها التطرف.  ويقول الباحثون من علماء الاجتماع والنفس أن كل ذلك ناتج عن عدم رضاء الشباب بالواقع الحالي، فيريدون أن يتخلصوا منه فرارا من واقع الحياة إلى التطرف.
فظاهرة الخنافس –هيبيك- وغيرها من حركات الشباب المتطرفة لا معنى لها سوى الاحتجاج على الواقع الحالي.
ويجدر بنا أن نذكر أن هذا السلوك من الفرار من الواقع الراهن ومن الاحتجاج عليه لم يأت صدفة بدون قصد وغاية وإنما جاء نتيجة لنضج الشباب وإدراكهم أن طغيان الماديات وسيطرتها وسيادتها حطت من قيمة الإنسان، وأن العلم بوصفه التكنولوجي والإنتاجي جعل الإنسان عبدا للآلة واحتلت الآلة مكان الإنسان وأخذت تقوم مقامه وتؤدي مهمته الإنتاجية، فكاد الإنسان أن يصبح أمرا مهملا لا قيمة فيه.
ومن هنا لا يمكن أن نحكم على هذا التطرف بأنه أمر مذموم، أن له بدون شك في هذا السياق معنى إيجابيا، إذ يشير إلى ضرورة تغيير الواقع الذي أصبح بالتأكيد غير محتمل.
وفيما يتعلق بالشباب المسلم الذي نحن بصدد قضيتهم فإن الحيرة والقلق والاضطراب تشتد وتزداد لأن هذا الشباب يختص بظروف وملابسات تجعل المزيد من التعقيد في الحيرة.
إن العالم الإسلامي عاش فترة طويلة من الجمود والركود والتخلف امتازت بتحجر عقلية الفقهاء وتجمد كل فكر وإبداع وابتكار، وساد فيها التقليد والاستكانة، فكان ما كان من استعمار واستعباد وصارت معظم البلاد الإسلامية تحت نير الظلم والطغيان والاستغلال البشع فامتد عهد التخلف وازداد الجمود والركود.
ثم جاءت النهضة واليقظة الحديثة فتحركت البلاد الإسلامية وتحررت من الاحتلال الأجنبي شكلا وظاهرا، لكن الاستعمار الفكري والاقتصادي ما زال قائم.
ولكن التحرك ليس كل شيء وليس هو غاية لنفسه. المهم هو الاتجاه الذي يتجهه هذا التحرك.
وإذا نظرنا إلى القضية من هذه الزاوية نلاحظ أنه يوجد هنا عنصران مختلفان: عنصر الدين وعنصر الحكم والسلطة. وقد تبلور اتجاه كل منهما. فالعنصر الأول مرتبط ارتباطا وثيقا بالماضي. والعنصر الثاني له اتصال قوي بالمستقبل.
ومن هنا تعقدت الحيرة وأدرك الشباب بأنهم على مفترق الطرق وبين عرضين مختلفين. يعرض عليهم رجال الدين صورة الإسلام التي تكونت قبل أكثر من ألف سنة، وكان هذا التكون نتيجة للاجتهادات التي قام بها العلماء من الفقهاء المجتهدين والمتكلمين والفلاسفة حسب زمانهم وإمكاناتهم وحاجات حياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية. ويا ليت لو بقيت هذه الصورة على وضعها الأصلي الأول، ولكن دخلت فيها خلال عصور الانحطاط والتأخر خرافات وضلالات وأباطيل من الإسرائيليات والنصرانيات والوثنيات الإغريقية والفارسية والهندوكية لاسيما عن طريق الطرق الصوفية والفلسفة اليونانية التي استعملها –مع الأسف- المتكلمون، فصارت هذه الصورة محرفة تحريفا كليا لا صلة لها بالإسلام الصحيح.
أما رجال الحكم وأعني بهم القائمين بجميع مجالات الحياة العامة من العلم والثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد، فإن ما يجب أن نعلم عنهم قبل كل شيء هو أنهم تلاميذ الفكر الأوروبي بشقيه العلماني والماركسي (الغربي والشرقي) وأن معظمهم تثقفوا وتربوا على هذا الفكر. ومن المعلوم أنهم لا يعرضون على الشباب من الحلول والنظم والآراء إلا ما ينبثق من هذا الفكر. ومما يعرضونه عليهم على وجه الخصوص مفهوم الدين في المنظور الأوروبي. فالدين في هذا المنظور عبارة عن طقوس وشعائر ورسوم. وهذا المفهوم للدين هو في الواقع مفهوم المسيحية وهو طبعا لا ينطبق على مفهوم الدين في المنظور الإسلامي. وقد اتخذت الماركسية مفهوم الدين في المنظور الأوروبي المسيحي واستعملته كدليل في فصل الدين عن الدولة وأبعاده عن الحياة العامة.
وأستطيع القول بدون مبالغة أن معظم الشباب المسلم رفضوا بكل عزم وحزم هذه العروض المشبوهة والموهومة وهذه الحلول المستوردة: رفضوا صورة الإسلام المحرفة التي من عناصرها التقليد الأعمى والجمود والتواكل وفقدان الثقة بالنفس، والاعتماد على الغير وانتظار نزول عيسى وظهور المهدي الذين سيملآن الأرض عدلا كما ملئت جورا. ولكن بدون جهودنا وتضحياتنا، كما رفض الشباب مفهوم العلم بمعناه التكنولوجي الذي تنحصر مهمته في مجرد الإنتاج، وعلى ذلك تنحصر وظيفة الإنسان في الإنتاج والاستهلاك. ومن ثم سميت الحضارة المعاصرة بالحضارة الاستهلاكية. وكذلك رفضوا مفهوم الضيق الذي يجعل الدين في عزلة تامة ليس له علاقة ما بالحياة.
وخلاصة القول أن الشباب غير راض بالواقع الراهن  الذي يعتمد على المادة والعلم فحسب ويتنكر للفضيلة وللقيم الروحية، أن الشباب بتطلع إلى جديد يقوم على العلم والفضيلة وبالأحرى على القيم المادية والقيم الروحية سواء بسواء.
وعلى علماء الأزهر الشريف أن يلبوا دعوة الرئيس حسني المبارك وأن يؤدوا أمانتهم الملقاة على عاتقهم في هذه اللحظة التاريخية الهامة. عليهم في أول الأمر القيام بتصحيح المفاهيم الخاطئة في صورة الإسلام المحرفة وتوضيح الفكر الإسلامي توضيحا يناسب مستوى العصر وحاجات المجتمع المعاصر بحيث يتجلى فيه ما في الفكر الإسلامي من مميزاته وخصائصه من شأنها تقديم الحلول الصحيحة للمشاكل المعاصرة التي يواجهها ويعاني منها المجتمع الحالي الذي اختل فيه التوازن بين العلم والدين وبين الفضيلة والقيم المادية.
ولا يخفى على أحد أن ما نيط بعلماء الأزهر وبغيرهم من علماء البلاد الإسلامية ليشكل مهمة كبيرة جدا. وقد نبه إلى أهمية وجدية هذه المهمة باعثوا النهضة الإسلامية الحديثة السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد إقبال وغيرهم من تلاميذهم مثل الشيخ رشيد رضا والشيخ مصطفى المراغي والشيخ محمود شلتوت. وهؤلاء كلهم قاموا بالدعوة إلى نبذ التقليد والرجوع إلى الإسلام الصحيح الذي يبني المصنع ومعه المسجد ويشيد الجامع مع الجامعة ويقيم الدنيا على ركائز الدين على حد قول الدكتور يوسف القرضاوي، وأضيف: ويجمع بين الإيمان والعلم ويقيم التوازن بين المادة والروح لأن كل هذه الأمور تناسب وتلائم فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا تبديل لفطرته، إذ خلق الله الإنسان من تراب ثم نفخ فيه من روحه فهو إذن ذو عنصرين مختلفين مادي وروحي، والدين الإسلامي يراعي هذه الحقيقة فيولي اهتمامه بكل ما من شأنه تقوية الجسم والروح معا وتمكين كل منهما من أداء وظيفته ومهمته.
ومن واجب العلماء في سبيل تصحيح المفاهيم الخاطئة أثناء لقاءاتهم مع الشباب تعرية الفكر الأوروبي الذي ينظر إلى الإنسان من مجرد ناحيته المادية ويحدد مهمته في الإنتاج والاستهلاك.
ولاشك أن من بين العلماء في العالم الإسلامي ولاسيما من بين علماء الأزهر الشريف من يفهم ويدرك حقيقة الإسلام وحقيقة الحياة المعاصرة بكل ما يجري فيها من تيارات وأفكار ونظم وفلسفات ونظريات مختلفة، أنهم على مقدرة أن يجروا الحوار مع الشباب ويبرزوا ما في الإسلام مما يحتاج إليه المجتمع الإنساني المعاصر لحل قضاياه ومشاكله المعقدة.
ولابد أن نعترف بأن القائمين بالشؤون الإسلامية كانوا فيما مضى وحتى الآن يوجهون عنايتهم إلى الجيل القديم ويهملون الجيل الجديد المعاصر الذي يعيش في ظروف خاصة ويتثقف بالثقافة الأوروبية ويتلقى النظريات الفلسفية مثل الماركسية والوجودية والعلمانية ما يبعده عن الدين ويجعل الدين في نظره خرافة ومخدرا للعقل البشري.
إن القيام بهذه المهمة ليس بأمر يسير، أنه يحتاج إلى معرفة تامة للغة الجيل الجديد وحججه، ومعرفة الحياة وما يجري في مجالاتها كلها من قضايا ومشاكل، ومعرفة ما يقدمه النظم السائدة في العالم من مبادئ وتعاليم وحلول وإرشادات، وأهم من كل ذلك معرفة ما يستطيع أن يقدمه الإسلام للبشرية.
وبهذه المناسبة أرى من المفيد أن أشير هنا إلى خطأ كثيرا ما يقع فيه اليوم دعاة الإسلام. ويتمثل هذا الخطأ في كون معظم الدعاة يحاولون أن يقدموا للشباب باسم الإسلام العلم والتقدم المادي كقوله تعالى: «اقرأ باسم ربك»، وهذا الأمر أول ما نزل من القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم. حقا إن الإسلام يدعو إلى العمل ولكنه يدعو إلى شيء أسمى من العلم، يدعو إلى الفضيلة والقيم الروحية التي يجب على الإنسان أن يعمل على تحقيقها وأن يصرف كل وقته ويبذل كافة جهده ومساعيه في سبيل إقامة الحياة عليها وبذلك يثبت وجوده وخلافته في الأرض. أما العلم والتقدم المادي فليسا إلا وسيلة لتحقيق هذه الغاية.
والظاهر أن الشباب بعد أن خاب أملهم في العلم والتقدم التكنولوجي بدأوا يشعروا بضرورة الرجوع إلى القيم والفضيلة، إذ هي أساس حياة الإنسان وهي الفارق بين الإنسان والحيوان. فالشباب المعاصر لا ينتظرون من الدين العلم، فالعلم موفور عندهم وإنما يريدون منه الفضيلة ومكارم الأخلاق، إن في اعتبار الدين مصدر العلم والمعرفة تحريفا لمفهومه وإساءة لاستعماله في غير محله.
يقولون –وهو الرأي السائد- أن الإلحاد الماركسي هو الذي يهدد الدين ويشكل أعظم خطر عليه. وهذا القول غير صحيح. أن الماركسية من منتجات الفكر الغربي. هناك نوعان من الإلحاد: الإلحاد الغربي العملي والإلحاد الماركسي النظري. إن الإلحاد الماركسي ظاهر وهو مبدأ من مبادئ الفلسفة الماركسية يعتقد فيه من يعتقد عن اقتناع به. أما الإلحاد العلمي العلماني فهو أشد خطرا لأنه يملك الإنسان ويسيطر عليه بأساليب خفية مختلفة ويدخل القلب عن طريق إشباع الشهوات بالملذات التي لا تعد ولا تحصى من الجنس والأكل والشراب وحب المزيد من المال والجاه: «الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابل» (سورة التكاثر) «وويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده» (سورة الهمزة). «كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى» (سورة العلق). «فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ومل لا يبلى» (سورة طه). وشجرة الخلد هذه والملك الذي لا يبلى من أشد الأمور إغرارا وفتنة. إن حياة الدنيا إن اتخذت غاية تصبح في الحقيقة متاع الغرور، إنها بهذا الوصف لعب ولهو وتفاخر وتكاثر وأنها تلائم النفس الأمارة بالسوء.
كل هذا يدل على أن الحوار مع الشباب مهمة شاقة وأن هناك عوائق وعقبات وصعوبات متعددة تقف في سبيل أداء هذه المهمة. وعلى القائمين بأمر الدين عامة والدعاة خاصة أن يعدوا أنفسهم بجميع المؤهلات التي تمكنهم من القيام بالحوار المذكور وتوضيح كل ما يعترض الشباب من مشكلات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here