islamaumaroc

سلب المقومات الدينية لإفريقيا ليس سبيلا أقوم.

  دعوة الحق

221 العدد

كنت أحاول دوما مجانبة الكتابة والخوض في موضوع لا استأنس من نفسي أي استعداد للكتابة حوله أو الخوض فيه، وذلك لأسباب كثيرة وعوامل متعددة برغم تقديري لخطورة الموضوع والاقتناع التام بتأثيره المباشر وغير المباشر على نفس القضية المغربية سواء على اعتبار المغرب جزءا من القارة الإفريقية أو بما له من المشاكل فيها نظرا لذلك الانتماء.
وتناولي اليوم هذا الموضوع لمحاولة الكتابة فيه وملامسة بعض جوانبه فقط، فذلك للدور الذي تلعبه القارة على مسرح الأحداث الدولية، وارتباط حاضرها بماضيها ومستقبلها.
فقد أصبحت إفريقية تكون حجر الزاوية بالنسبة للعلاقات الدولية، خاصة على الصعيد السياسي الذي هو القصد مما نشاهده من احتكاكات بين الشرق والغرب وما تمر به من أوضاع تميل جانبا لممالاة طرف معين، وتميل مرة أخرى لاتخاذ مواقف لصالح الجانب الآخر.
واعتقد أن الأمر كان ممكنا أن يكون غير ذلك لو أن وحدة القارة وموجبات تلك الوحدة كانت تفرض وجودها وتجعل اعتبارات ذلك الوجود في حسابات الحالة الراهنة وحالتها الحاضرة.
إذ لا يكفي النظر فقط للوضع الجغرافي، بل يفرض واقعا ووجودا حضاريا وتاريخيا لاتمام الانسجام بين الطرفين في معادلة الواقع.
فالقارة الإفريقية تخوض بالنسبة لتحديد مستقبلها معركة وجودية تجعلها موضوع المنافسة بين عملاقي الساعة اللذين يسعيان للاستئثار بها كموقع جغرافي لتقرير المصير (الاستراتيجي) تحسبا لبسط النفوذ وتحقيق  الهيمنة.
وهذه ظاهرة ليست جديدة على اعتبار ما نشاهده من نزاع بين الطرفين تأكيدا للمصلحة المذهبية، بل هي قديمة ترجع إلى القرن الماضي وما قبله منذ بدأت الانطلاقة التوسعية للبحث عن تقوية النفوذ الاستعماري وضمان موارد الرزق بالسطو على مقررات الحياة واستكمال وسائل الوصول لذلك.
كانت القارة الإفريقية قبل نهاية الحرب العالمية الثانية تخضع كلها لذلك الاعتبار أو لجملة تلك الاعتبارات التي تناوبت عليها دول ما قبل ذلك. وإذا كان هذا الوضع قد تغير وأصبحت بعد 1946 تكافح جميع الدول الإفريقية لتحقيق استقلالها، فإن مؤثرات محاولة السطو، وما طرأ من ظروف بعد الحرب العالمية الثانية، لم تغير في شيء حقيقة النظرة إلى القارة وموجبات الانتفاع بها، برغم تبدل النظام وتحول أساليب السطو.
نقول هذا على اعتبار المؤثرات القارية من جهة، ومؤثرات الوضع من جهة أخرى. إذ أن تنافس فرنسا وانجلترا وبلجيكا وإيطاليا وألمانيا قد خلفه تنافس آخر جديد أضاف إلى جميع تلك الاعتبارات اعتبارا آخر هو تقدير الناحية (الإستراتيجية) النابعة عن وضع القارة بالنسبة للكفاح المذهبي.
إن هذه الناحية الجديدة وإن أضيفت إلى جملة العوامل المؤثرة، فإن وجودها لم يكن بارزا بالشكل الذي يظهر الآن. فقد كانت هناك منافسات دولية، لكنها كانت تتقمص فقط شكل محاولة السطو للانتفاع المادي. أما الآن فإن محاولات ذلك السطو تتقمص ذلك وزادت عليه اعتبار الوجهة (الإيديولوجية) وذلك ما أوجد هذه التيارات المذهبية الداخلية. وغدا لها المقام الأول فيما نشاهده من أنواع الكفاحات. ووجدت بسبب ذلك هذه  النزاعات التي جعلت لاعتبارات العهد الماضي مقاما ثانويا، وأصبحت ملتقى مختلف التيارات الفكرية الداخلية مع ما يقابلها في الخارج.
وليس معنى هذا أن الجهات المتنازعة فيما بينها قد أغفلت جانب الانتفاع المادي، لكنها لدعمه تستغل الجانب المذهبي لتفوز بتحقيق الغايتين معا وتدرك بهما ما تسعى له من نفوذ وهيمنة.
هذه حقيقة الكفاح المرير في القارة. وإذا كانت الدول الإفريقية تعطي الجانب الثاني مقاما أوليا من كفاحها، -وذلك ما يثبته الواقع- فإنها تدرك أنها بذلك تسعى لتكييف الوجهة الاستغلالية تكييفا يتلاءم مع المشارب التي يميل إليها بعض زعمائها وقاداتها.
فالولايات المتحدة لا تعمل لغير ما ترى فيه مصلحتها الخاصة، وروسيا بما تسعى له من تعميق مذهبيتها لا تريد غير الفوز بما تسعى إليه وتريده من نفوذ. فالتقاؤهما في الجوهر ومحاولات الفوز بالمصلحة التي يعمل من أجلها كل من الطرفين هو ما يؤكد هذه المضاربة وهذا العنف في المواقف سواء في القارة الأفريقية أو غيرها من بقاع الدنيا المتنازع حولها بما في ذلك الشرق الأوسط والخليج العربي أو ما ينجلي به النزاع بين الطرفين في الهند والباكستان وأفغانستان وإيران.
وقد يطول هذا النزاع أو يقصر، وقد يحد أو يتشعب حسب قوة الطرفين ما يستعمل من الوسائل لذلك. إلا أنه نزاع قائم تدرك حقيقته كل الدول والشعوب المعنية وفي مقدمتها دول وشعوب القارة الإفريقية.
والذي يعنينا هنا أن نتعرض لآثار ذلك النزاع في قارتنا الإفريقية والذي برزت فيه وجوه مختلفة وأساليب متعددة، فأصبحت أفريقية مصدرا من مصادر المنافسة والكفاح بين العملاقين، على اعتبار عدد سكانها وتكوينهم العضوي من جهة، وموقعها الجغرافي من جهة أخرى.
وإن ما نشاهده من قيام نزعات طائفية واختلافات مذهبية مرجعه الوحيد انفصال الدول الإفريقية عن مسارها الطبيعي وانقطاعها عن الاستمرار في تقوية وجودها الذاتي وتأثرها بالعوامل والتكوينات الأجنبية.
نجد هنا في الشمال كما نجده يتمكن في الدول الأخرى للقارة مثل أنكولا وزئير والشاد، وفي الصومال والحبشة وغانة وغينية، وكذلك نجيرية والنيجير وساحل العاج وغيرها من الدول التي هي الآن مسرحا للمنازعات الطائفية والتغييرات المذهبية.
وفي الوقت الذي لا ندعي فيه الإحاطة بجميع المقدرات التاريخية لكل دولة من هذه الدول وتكوينها التاريخي فإننا على يقين من الجهود المبذولة من الطرفين المتنازعين لتعميق الاختلافات السلالية والمذهبية، وكذا استرجاع الحدود التاريخية. وذلك إرث ثقيل أوجده طغيان المصالح الأجنبية الماضية وورثه النزاع القائم حاضرا بين الدولتين المتنافستين على السيادة، ومحاولة بسطها. ذلك أمر يلزم أن يكون في الحسبان عند معالجة كل حالة بالنسبة للذين يتعلق الأمر بسلوكهم وتصرفاتهم. إذ أن تقييم الذاتية وارتباطاتها بالماضي أمر تحتمه المصلحة وتوجيه الظروف. وكل تطور منشود يلزم أن يظل مرتبطا بالماضي البعيد لكونه الرصيد الأسمى في تقدير الحيثيات التي تشد كل جهة إلى تكوينها الطبيعي. وهذا الرصيد هو ما تم الاعتداء عليه من طرف الدول الاستعمارية التي أشاعت ما عنى لها إشاعته من كون جميع الدول الإفريقية لا تملك ما يربطها بالتاريخ الجامع لها. وليس التاريخ الجامع تشابه في النصيب التكويني وتطابقه هنا مع ما يمكن أن يكون هناك، إذ أن التاريخ نفسه يرفض ذلك وهو لا يساير التطبيقات التطورية، إذ أن كل دولة أصابت من اعتبارات التكوين الحضاري رصيدا جعلها تلعب دورها الأساسي في التكوين الخاص.
وهذا الشيء هو الذي لم تقع مراعاته من طرف الدول التي بسطت سيطرتها، وهو الذي نشاهده الآن بالنسبة لجناحي النزاع القائم. فالدول الأجنبية التي غزت القارة بجحافل قوتها لم تقتصر على عدم اعتبار ما كان موجودا من حدود بين مختلف الكيانات، بل إنها دأبت على تزوير التاريخ نفسه وشطت في ذلك التزوير خاصة بالنسبة لما كان الإسلام قد سعى له وبشر به بين الناس. وبذلك قضت على الجوانب الحضارية التي كانت كثير من الشعوب الإفريقية تتمتع بها. فكان التسلط الاستعماري يشمل التاريخ مثلما شمل أيضا الناحية الجغرافية. فكما تعاني الدول الإفريقية الآن من أوضاعها الجغرافية، تعاني كذلك مما وقع العدوان عليه من الناحية التاريخية. وهذا ما أفقد القارة الرؤية الصحيحة لدورها الحضاري وإسهاماتها في التكوين الهيكلي. وقد أشار لهذا وأكده المؤرخ زريو عندما تناول هذا الموضوع بالبحث في معالجته لتاريخ إفريقية، حيث أثبت الاعتداءات التي وقعت على القارة بالنسبة لدورها الحضاري الذي أسهم الإسلام في إيجاده.
ولعل زريو يعتمد في حكمه هذا إلى جانب الواقع الملموس، على ما أثبته كل من ابن حوقل والمسعودي وابن بطوطة من أن المسلمين كانوا يتعاملون مع القارة الإفريقية تعاملهم مع بقية أجزاء العالم الإسلامي حيث أثبتوا بذلك التعامل حقيقة التبشير الحضاري والدور الذي قام به الإسلام في إعطاء القارة تكوينا حضاريا يقوم على اعتبار للمجتمعات والفئات المختلفة من روابط تكمل الواحد منها الأخرى.
والإسلام ليست فيه أية شائبة من شوائب الاكتفاء بالغزو المادي، وإنما هو تبشير ومحاولة لربط كل الاعتمادات المناسبة لخلق المجتمع المتكيف مع المبادئ الصحيحة. فهو قد كان ولا يزال رغبة لخدمة المصالح الإنسانية بالمعنى الكامل. وهذا ما ضمن الإقبال العظيم الذي أقبلت به الدول الإفريقية على اعتناق الدين الذي جعل لها رصيدا حضاريا متميزا في حياتها.
وإن الاستعمار الأجنبي الذي تسلط على القارة خلال القرن الماضي قد جعل هدفه الأول القضاء على ما كان موجودا من ثقافة وما كان للدول الإفريقية من رصيد مرجعه تغلغل الفكرة الإسلامية فيها. وبقضائه على ذلك تم له بعد تفكيك الأوصال ما كان يميل إليه وإلى تثبيت القول به من كون الدول الإفريقية ليس لها أي نصيب في التعاون الإنساني وليس لها أي دور حضاري قامت به. فقضى على الدين أولا وعلى لغة الدين ثانيا. وجعل الأصالة الإنسانية غير موجودة.
وليس في هذا حظ من المبالغة، ولكنه استشعار بالحقيقة الواقعية. وأن القارة الإفريقية تعاني ما  تمر به الآن في فترة حياتها الحاضرة بنتائج ذلك التغلب لمحو شخصيتها وتفكيك أوصالها في جو من الاضطرابات العقائدية والمذهبية وفي جميع الظواهر الحياتية لها.
فالإسلام قد قام بدور حضاري عظيم في القارة. وإذا كانت الميولات السياسية تختلف من جهة لأخرى، فذلك لا يضر في شيء إذا كان التقدير للمستقبل يساير عامل التأثر الديني الإسلامي الذي أثبت وجوده في حياة القارة منذ زمن طويل. إذ إن معظم سكان القارة قد تأثروا بنزعات حضارية إسلامية سواء جاءت من شرق القارة أو غربها حيث تساوت في ذلك كل الجهود التي بذلت في هذا السبيل، وأشعت إشعاعاتها داخل القارة نفسها.
وهذا ما يحدثنا به التاريخ ويؤكده كل العلماء الذين انكبوا على دراسة الأوضاع التي تلابس حياة القارة منذ عهودها الأولى.
وللتمثيل على ذلك فقط نذكر الدور الذي لعبته مدينة تمبكتو في مجالات الازدهار الفكري والمعنوي أثناء القرن الرابع عشر حيث كان مأوى العلماء الذين خلفوا مآثر كبيرة سواء في مادة الفقه أو الميدان اللغوي. والفقه واللغة لا يزدهران في غير المناخ المناسب لها وفي الوسط المقبل على اقتناء ذلك.
وكما كانت مدينة تمبكتو مصدرا أصيلا لذلك الإشعاع، كانت أواسط القارة التي يؤكد التاريخ أنها كانت مصدرا آخر أشع نور الفكر الحضاري.
والذين يريدون الإحاطة بما ذكرناه، عليهم أن يرجعوا للكتابات الكثيرة في هذا الموضوع، والتي تعتبر حجة لدعم هذا القول الذي ليس فيه أي إرهاص. إذ أن حياة محمد بن عبد الكريم المرخلي وعبد الرحمن السعدي والقاضي محمد كعت تشهد بأمثال على ذلك وعلى مدلولات التأثير الحضاري الفكري في الكيان الإفريقي.
ويؤكد الدكتور زبادية في البحث الذي نشره لمجلة «شؤون عربية» حول العلاقات العربية الإفريقية عبر التاريخ، أن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد شاهدا الامتدادات الحضارية داخل القارة الإفريقية، وأن تلك الامتدادات قد وصلت إلى حوض نهر الكونغو نظرا لكون البلجيكيين أنفسهم قد وجدوا حول البحيرات تجارة مزدهرة أسسها العرب وكانت نقطة انطلاقاتهم نحو الداخل.
والذي قرأ ما كتبه الوزان وجاء في كتابه: «وصف إفريقية» يدرك حقيقة هذا الأمر خصوصا عند وصفه المجتمع بتفاصيل تقاليد القارة وما كان بها من مدن وأسواق هي من نصيب وعادات الحضارة الإسلامية التي سعى لها المسلمون لنشرها في ربوع القارة.
وإذا ما حاولنا ذكر القوافل ومرافقة الحجيج لها والزيارة المتعددة التي قام بها أولئك لدمشق وبغداد وبجاية وفاس سوف تجعل هذا البحث المختصر طويلا. إلا أنها تثبت مفعول التأثير الحضاري في جميع أولئك الذين كان لهم شغف بزيارة المراكز الحضارية الإسلامية الأولى.
على أن ما نقصد ذكره والتأكيد عليه هنا كون الاحتلال الاستعماري والغزو الأجنبي للقارة خلال القرن التاسع عشر قد كان يرمي لسلب سكان القارة جميع المؤهلات التي تجعلهم يستشعرون وجودهم الذاتي. فالاستعمار إلى جانب عملهم السلبي المتمثل في محاربة الإسلام ومحاربة كل المعطيات الحضارية، قد مهد لتعميق أثر السيطرة وبسط النفوذ وتفكيك الوحدات الوطنية، رغبة في استمرار وجودهم. فأورث بذلك التصرف ما تعاني منه القارة وتتكبده لإصلاح حالاتها. وليس أدل على ذلك من تفتيتهم وحدة اللغة التي هي الوسيلة لاستمرار الدين والحضارة التي تمسك إليها وتشد الوجود المعنوي والمادي.
كان ذلك عملا ممقوتا وجد في أوضاع الإسلام المرتبكة سبيلا لتحقيق غاياته الأنانية، ومحاولا الانقضاض على الإسلام وتفسير مذهبيته حسب الأهواء الدخيلة. وبهذا وحده يمكننا أن نفسر ما تتخبط فيه القارة التي تأثرت بعوامل البغي على المعنى الأصيل دون علم منها بأن المردود الوحيد لتلك الخطة هو القضاء على الجانب الحضاري الذي يتأتى مع ما كان الاستعمار يريده ويبغيه.
وليس الجانب الحضاري في الحياة هو المعنى الذي يفسر به ذلك الجانب غير عامة الناس، بل الحضارة لا تتفق لغير شعوب تزكي بسلوكها وتصرفاتها التطابقات الإنسانية التي تشكل الجانب الإنساني في الحياة.
فهناك سلوك وتصرفات، وهناك مواقف لابد لها أن تكون في معاملة الطوائف والأشخاص مع بعضهم بالخضوع لقانون يضمن تأكيد المعنى التواجدي بين البشر. وذلك هو الأساس الحضاري الذي نتحدث عنه والذي تكفله كل الكفالة تطبيقات الشرع الإسلامي.
وما موقع ما تحدثنا عنه من الارتباك إلا بعد تخلف المسلمين عن التطبيقات القانونية التي نظمت علاقات الأرض بالسماء كما نظمت علاقات سكان هذا الكوكب مع بعضهم وجعلت منهم أمة واحدة. وذلك ما أجهز عليه الاستعمار وأصاب منه ما أراد.
فالتعطيل الحضاري الذي نقصد إليه، والذي عانت منه كثير من الشعوب، وفي مقدمتها شعوب القارة الإفريقية هو الذي كان ولا يزال خطة ممقوتة في سلوك الاستعمار إزاء الرقعة الواسعة من أراض المسلمين.
وقد أصابت القارة الإفريقية من أساليب ذلك التعطيل شيئا كثيرا حتى بالنسبة للأمم التي اتخذت الإسلام دينا.
فالتاريخ الحديث يحدثنا بالكثير من مظاهر ومحاولات هذا التعطيل الذي أخطأ الطريق حيث أصبح بعد  زوال الضغط الخارجي آيلا إلى تضعضع ثم زوال.
فليس الحس الحضاري ما نشاهد عليه بعض الجهات والنواحي من إفريقية من تنافس وعلو في البنايات والمنشئات وتشييد المدن الكبرى مثل أبيجان ولاكوس وداكار وغيرها من المدن الكبرى التي تزخر بها قارتنا، بل هو التطبيق المسلكي في المعاملات كأفراد وجماعات. وذلك ما قصدت إليه وحاولت القضاء عليه دول البغي الاستعماري فأوجدت هذا الفراغ الذي أصبح مشاهدا في ارتباطات الناس كلهم وأوجد انحرافا عن طريق الحق والحكم بين الأفراد وفي المعاملات القائمة على غير هدى وبصيرة.
فالإسلام بمحاولاته التغلغل في المجتمعات الإفريقية، كان يقصد انتشالها من الوهدات، وتمكينها من نظام يربط بين أفرادها وطوائفها في نطاق حسن إنساني متكامل يضمن العيش الرغد والسعادة المثلى.
بهذا المعنى وحده يلزم تفسير كل الوسائل التي استعملت من طرف المسلمين لتوسيع رقعة الدين وشموليته.
وذلك ما أجهز عليه الاستعمار فوصل إلى فصل بعض الجهات عن الأداة الاولى التي هي اللغة وكتابتها. مبتدأ بإبدال الأحرف في الكتابة وجعلها لاتينية حتى يتسنى تعطيل الفهم وتحقيق عدم التذوق الذي هو الوسيلة الأولى والضمانة الأكيدة لنشر الدين كعقيدة وسلوك. فتمكن من زعزعة الأساس الأول والقضاء على الدعامة الكبرى لتحقيق وحدة الدين.
وهو إن حقق بعضا من ذلك بالنسبة لجهات معلومة، فإن الفوز به شموليا قد تعذر خصوصا بالنسبة لبعض الدول المكتملة الكيان.
وعدم تحقيقه بالنسبة لما ذكرناه من الجهات، هو رصيد الانطلاقة الجديدة للمسلمين خصوصا مصر والمملكة العربية السعودية والمغرب نفسه. إذ ليست رغبة هذه الكيانات الإسلامية العربية أن تفوز ببسط سيطرتها وتحقيق ما تسعى إليه بعض الجهات الأخرى من نفوذ، بل إنه العمل المتواصل لتعميق الوعي الإسلامي من جهة والتمكين للحس الإسلامي بالفوز من جهة أخرى.
إننا لا ننكر أن تبدل الأوضاع السياسية قد أثر فيما يحدث من تحولات، وأن تنازع الشرق والغرب قد أفسح المجال لهذه الانطلاقة. لكنها ظروف يجب إدراك حقيقتها، والانكباب على استغلالها لصالح الرسالة التي هي قاعدة الاعتبار في التعامل بين الدول التي تعتنق الإسلام دينا وتسعى للتبشير به وتعميق مفهوماته بين الناس.
وإن الجهود المبذولة برغم ما قد يعترض سبيلها من صعاب، لابد لها من إدراك غاياتها وإصلاح ما أفسده الاستعمار. وكل الممكنات لذلك الإصلاح متوفرة. وهو واقع لا  سبيل لنكرانه برغم بعض المنازعات (الإيديولوجية) التي يريد الطرفان المتنازعان، وخصوصا الشرق الشيوعي استغلالها لصالح ما يدعو له.
وعلى الدول الإسلامية أن تقدم المثال لذلك من سلوكها وتصرفاتها إزاء نفسها. فإذا ما استثنينا المملكة العربية السعودية التي لا يطبق فيها غير قانون الإسلام بمدلولاته كلها، نجد أن بعض الدول الإسلامية الأخرى مثل مصر تستحث السير لجعل كل المحاكم و قوانينها خاضعة لروح التشريع الإسلامي على اعتبار ذلك التشريع ضمانة لصون حقوق كل إنسان مهما اختلفت جنسيته وكان انتماؤه الجغرافي.
ولا أحد يعلم كم سيطول ذلك السير، إلا أن نهاية الوصول للغاية لابد منها، وبذلك يتم تحقيق نشر العدالة الإنسانية بين الناس ويقضي على هذه النزعات التي هي إرث لما خلفته عهود ما مضى من احتلال أجنبي لرقعة واسعة من بلاد الإسلام.
وإذا كانت للزيارات التي يقوم بها البابا لبعض الجهات مدلولات دينية بجانب المعنى السياسي لها، فإنها للتأكيد على ما أصبح للدين في عرف العمل السياسي من تأثير. ونحن نأخذه من جانبه الواقعي. فقد زار أخيرا أرض نجيرية ولا تزال في الأذن رنة ما دعا له من وجوب التآخي من الدين. وذلك أمر مشروع إذا ما كفل حق الصدع بالدعوة وحق التنافس حولها.
وهو السبيل الوحيد لمقاومة الانحراف وفشو المعنى الإلحادي وفرض نظام مادي يقضي على التمسكات الروحية.
وإذا كانت لنا عودة إلى تفصيل كل ما جاء في هذا المقال، فلأننا نريد تناول كل جانب مما جاء فيه. وعلى الله قصد السبيل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here