islamaumaroc

أبو عبد الله بن حمادة البرنيسي العالم المؤرخ

  دعوة الحق

221 العدد

الحقيقة أننا ما أنصفنا مدينتنا -سبتة- السليبة، هذه المدينة العريقة في المجد والحضارة؛ فإلى جانب ما ابتليت به -وهي في ريعان شبابها- من جرثومة الاستعمار، فإن أبناءها أهملوا أمجادها، ولم يكتبوا تاريخها حتى اليوم! وقد أنجبت علماء أفذاذا، لا نكاد نعرف عنهم شيئا، فهذا أبو عبد الله ابن حمادة البرنسي -وهو العالم المؤرخ- نجهل عنه كل شيء، وكل ما نعرفه أنه سبتي، من تلاميذ عياض، ولكن متى ولد؟ وأين نشأ؟ وكيف؟ ومتى توفي؟ وما هي أسرته؟ ومن هم شيوخه؟ وأين سمع منهم؟ ومن هم تلاميذه - إن كان له تلاميذ ...؟.
تلك الأسئلة لا نجد لها جوابا، وكتب التراجم مطبقة بالصمت عنه، وسواء منها القديم أو الحديث، وحتى الدراسات التي طلعت علينا أخيرا من سبتة، لم تعرج عليه، لا من قريب ولا من بعيـــد ...!(1).
وقد دفعتني ضرورة البحث -وأنا أحقق الأجزاء الأخيرة من موسوعة عياض: «ترتيب المدارك، لمعرفة أعلام مذهب مالك» - إلى التعرف على من اختصروا الكتاب، وكان من بينهم بن حمادة - مترجمنا، بل هو أول من تصدى لذلك- فيما نعلم، والذين أتوا بعده، إنما هم تبع له، يقفون أثره، وينهجون نهجه، وقد زاد على الأصل زيادات، واستدرك عليه استدراكات- على ما سنذكره بعد.
وتوجد نسخة من مختصره بالخزانة الملكية تحت رقم (672)، وهي غير مرتبة، اضطربت أكثر أوراقها، وهي كذلك غفل من اسم مؤلفها، ولقد عدت إلى فهرس قسم التاريخ الذي أخرجته الخزانة أخيرا، وهو من وضع الأستاذ الكبير محمد عبد الله عنان، لعلني أجد فيه ما يزيح الستار عن المخطوط واسم مؤلفه، ولشد ما كانت دهشتي! إذ وجدت أن المخطوط لا ذكر له - البتة- في الفهرس، بينما هو ثابت في الجذاذات الأولية: (الفيش)، ولكن بدون تعليق، فلم يبق أمامي إلا أن أعود إلى المخطوط، وأقرأ ما في السطور، وما بين السطور -كما يقولون، فاتضحت لدي العلامات التالية:
1- من صنيع صاحب الاختصار، أن يرمز إلى عياض - صاحب الأصل- بحرف (ض)، ويقول عن نفسه: (قال محمد).
2- تردد في مواضع من الكتاب قوله: (وممن استدركنا عليه من أهل بلدنا - يعني سبتة ..).
3-  في جملة من استدركهم على عياض، بعض شيوخه الأندلسيين، وتشير عبارته إلى أنه شارك عياضا في الأخذ عنهم.
وهذه الصفات لا تتوفر إلا في ابن حمادة الذي نسوق عنه هذا الحديث، وهو أبو عبد الله محمد بن حمادة البرنسي السبتي، هكذا أورد اسمه ونسبه صاحب الكوكب الوقاد، وذكر أنه خال أبيه لأمه؛ وأنه أنشد في شأن سبتة البيتين التاليين:
فكل جبار، إذا ما طغى      وكان في طغيانه يسرف
أرسله الله إلى سبتة           فكل جبار بها يقصف(2)
وله رواية عن شيخه عياض في هذا الصدد، تمجد سبتة، وتذكر من فضائلها، تحدثت عنها في غير هذا الموضع(3).
وسماه صاحب مفاخر البربر بابن حمادة(4)، واقتصر في روض القرطاس على لقب البرنســـي(5)، ولعلها النسبة التي اشتهر بها في ذلك العصر.
ولد أبو عبد الله بن حمادة بمدينة سبتة، وبها نشأ وتعلم، أخذ عن جملة من مشايخ بلده، وفي مقدمتهم عياض بن موسى اليحصبي السبتي، الإمام الشهير، ولابد أنه تجول في بلاد الأندلس، وسمع من مشيختها، ويشير في مختصره إلى أنه شارك عياضا في بعض شيوخه، ولعله يعني بذلك أبا القاسم أحمد بن بقي بن مخلد، وأبا علي الحسين بن محمد الغساني المعروف بالجياني، وأبا عبد الله محمد بن حمدين، والشيخ الشهيد أبا علي الصدفي، وأبا محمد عبد الله بن أبي جعفر المرسي، وأبا بحر سفيان بن العاصي، وأبا عبد الله هشام بن أحمد الهلالي - في آخرين.
وابن حمادة من أهل القرن السادس الهجري، عاش النصف الأول منه، وطرفا من النصف الآخر - كما توحي بذلك عبارته في تراجم السبتيين الذين ختم بهم الكتاب، وسنتحدث عنهم بعد.

آثاره:
خلف أبو عبد الله بن حمادة آثارا علمية قيمة، منها:
1- كتابه «المقتبس، في تاريخ المغرب وفاس والأندلس»، ذكره صاحب الكوكب الوقاد، وأفاد منه(6)، واعتمده صاحب مفاخر البربر(7)، ونقل عنه ابن أبي زرع في روض القرطاس - عند حديثه عن الأدارسة(8)، وهو من المصادر الأولى لابن عذاري في «البيان المغرب». وإليك مثالا من أخبار ذلك التاريخ، قال - وهو يتحدث عن حروب ابن زيري الصنهاجي، مع محمد بن الخير أمير زناتة: (... وفي ربيع الآخر من سنة 360 هـ)، التقى يوسف بن زيري الصنهاجي، المشتهر اسمه ببلقين مع محمد بن الخير أمير زناتة، فهزمه بلقين بن زيري، فذبح نفسه - أنفة من أن يملكه بلقين، فأتى محمد بن الخير، أن عدوه قد أحاط به، اتكأ على بأمر عظيم،  ساد ذكره بأرض المغرب، وملك بلقين بن زيري أثر ذلك الغرب، وقتل زناتة، وهدم البصرة وغيرها من مدن المغرب، ولم يثن عنانا عن مدينة سبتة، ومنها رجع، وإليها كان انتهاؤه، وصدر - عاجزا عنها- ...)(9).
أوردت هذا النص بطوله، لنعرف منهجه في التاريخ -  وقد جمع بين الحوليات، وسرد الأحداث، وأسلوبه رصين، وتحليلاته في غاية الدقة.
وينقل عنه الذهبي في ترجمة عياض، وابن حمادة أحق من يتحدث عن عياض - وهو تلميذه، وابن بلده- ، قال: ( ... جلس (أي عياض)- للمناظرة- وله نحو من ثمان وعشرين سنة، فسار بأحسن سيرة، كان هينا من غير ضعف، صليبا في الحق، تفقه على أبي عبد الله التميمي، وصحب أبا إسحاق ابن جعفر الفقيه، ولم يكن أحد بسبتة - في عصره- أكثر تواليف منه، ... وله كتاب «جامع التاريخ» الذي أربى على جميع المؤلفات، جمع فيه أخبار ملوك الأندلس والمغرب، واستوعب فيه أخبار سبتة وعلمائها، - إلى أن يقول: وحاز من الرئاسة في بلده، ومن الرفعة -  ما لم يصل إليه أحد قط من أهل بلده، وما زاده ذلك إلا تواضعا، وخشية مــــن الله ...)(10).
وهذا لون آخر من كتابة التراجم، وكأنه مذكرات يومية، ويبدو أن أبا عبد الله بن حمادة في كتابه «المقتبس»، لم يقتصر على سرد الأحداث، بل تعرض لتراجم أعلام كل عصر، وكل بلد من البلدان التي أرخ لها، على نهج ابن حيان في كتابه «المقتبس» وهو متأثر به، ولعله الذي أوحى إليه بعنوان الكتاب.
2- «مختصر المدارك» - ذكره صاحب الدر النفيس، وقال: إنه زاد فيه زوائد مهمة(11)، وهو من مصادر ابن فرحون في الديباج، ونسب - خطأ- الزيادات التي زادها على الأصل - لمحمد ابن عتيق(12)، ومر بنا أنه توجد نسخه من مختصره بالخزانة الملكية، ويلاحظ أن نسخة «الأصل» - التي اختصرها أبو عبد الله بن حمادة فيها زيادات، ومنها الطبقة الحادية عشرة، وهي ساقطة في سائر النسخ التي بين أيدينا، واستدرك على  الأصل استدراكات، سنتحدث عنها بشيء من التفصيل في مقدمة الجزء الثامن والأخير من «ترتيب المدارك»، الذي سيرى النور - قريبا- بحول الله.
والذي يهمنا في هذه العجالة، الطبقة الثانية عشرة التي أضافها ابن حمادة، واختصها بأعلام سبتة- بلده، وهم كما يلي:
1- القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأموي (ت 517 هـ)(13).
2- القاضي عبود بن سعيد التنوخي، المعروف بابن العطار(14).
3- القاضي أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد، يعرف بالخطيب (ت 502 هـ)(15).
4- القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البصري (ت 513 هـ)(16).
5- القاضي الإمام أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي (ت 505 هـ)(17).
6- القاضي أبو محمد عبد الله المسيلي (ت 473 هـ)(18).
7- قاضي الجماعة أبو محمد عبد الله بن محمد بن منظور (ت 469 هـ)(19).
8- الفقيه المشاور أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر اللواتي (ت 513 هـ)(20).
9- أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان بن العجوز، قال فيه: (تقدم ذكر سلفهم - على ترتيب طبقاتهم، وجلالتهم في العلم ..) (ت 522 هـ)(21).
10- الفقيه أبو علي الحسن بن سهل الخشني، من أصحاب أبي عيسى وعلائقهم، أخذ عن أبي عيسى، وأبي إسحاق، إبراهيم بن أحمد بن عبد الله، ورحل فأخذ عن الصدفي، وسمع عليه كتبه، وعن أبي جعفر، واستحسن أهل مرسية عقله وصيانته، قدمه القاضي أبو الفضل - يعني عياضا- للشورى، ودرس المدونة وكان مجلسه من أحسن المجالس وأوعاها بخلاف المذهب، جمع ما وقع في المدونة من أقوال ابن القاسم وغيره، وتكلم عليها -  فيما اتفق واختلف- بكلام دقيق، حسن المعنى، وكان حسن الطبع في الفتيا، حسن الخلق، استحسنه الناس لسعة أخلاقه، لم يزل على ذلك في الدرس والفتيا -  إلى وقتنا هذا (22).
واقتصر ابن حمادة من هذه الطبقة، على الصفوة المختارة من أعلام سبتة، وأكثرهم ممن ولوا قضاءها، وكان لهم فيها شأن وشأن!
وابن حمادة - في كتابة التراجم- له أسلوب مشرق، عليه مسحة الأدب، مع إيجاز في التعبير، ودقة في المعنى، بالإضافة، إلى ما يعطينا من ألوان عن الحياة الفكرية والاجتماعية بسبتة في القرنين: الخامس والسادس للهجرة، الحادي عشر والثاني عشر الميلادي.
وبعد: فهذه صورة تعكس بعض أضواء عن حياة مؤرخ أهمله التاريخ، وعالم فذ أنجبته مدينة سبتة السليبة، اقتبستها من مختصره، والأمل يراودنا في العثور على كتابه الكبير «المقتبس في تاريخ المغرب والأندلس» - ببعض خزائن البادية، والدهر كفيل بذلك، والله الموفق، والهادي إلى أقوم طريق.
                                                                    
(1) - انظر مجلة المناهل: ع 22، س 9، وهو حافل بالدراسات القيمة عن سبتة.
(2) - انظر أزهار الرياض ج 1 ص 36.
(3) - وانتهيت إلى القول بأنه حديث موضوع لا أصل له، تبرأ منه عياض نفسه - كما في الغنية ص 183، وانظر بحث كاتب هذه السطور المنشور بهذه المجلة س 21 ع 2 ص 28.
(4) - ص 43-46.
(5) - ج 1 ص 27-50.
(6) - انظر أزهار الرياض 1/36.
(7) - ص 43-46.
(8) - ج 1/27-50.
(9) - انظر البيان المغرب 2/243.
(10) - انظر تذكرة الحفاظ 4/1305.
(11) - ص 12.
(12) - انظر ص 361.
(13) - ترجمته في الغنية ص 230-231.
(14) - لم أقف على ترجمته، ذكره محمد بن عياض في نوازل الأحكام- مخطوط الخزانة الملكية رقم (2052) ورقة (23-أ).
(15) - ترجمته في الغنية ص 226-227، والتعريف بالقاضي عياض - تحقيق د. ابن شريفة ص 128.
(16) - انظر الغنية ص 191، والتعريف ص 121.
(17) - ترجمته في الغنية ص 99-100.
(18) - ترجمته في الصلة 1/287.
(19) - انظر الصلة 2/518.
(20) - ترجمته في الغنية 286، والتعريف ص 121.
(21) - ترجمته في الغنية ص 230-231.
(22) - يعني إلى حدود منتصف القرن السادس الهجري، وهو التاريخ الذي ألف فيه ابن حمادة مختصره هذا. وقد ترجم ابن الآبار لأبي علي الحسن بن سهل الخشني في معجم أصحاب الصدفي، وذكر أنه توفي في حدود (560 هـ) . انظر ص 75.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here