islamaumaroc

حفظ التوازن الدولي

  دعوة الحق

26 العدد

الناس مفطورون من لدن خالقهم الأعلى على حب الخير لأنفسهم ودفع الشر عنهم ما وجدوا على ذلك سبيلا، وهم لا يقنعون بالكفاف من الحياة إلا في الأقل النادر رغم أن عيشة الكفاف فيها راحة النفس من الكلف، والمن في الغالب من المخاطر والتلف. وقد حض الأنبياء ورسل الإنسانية على سلوك طريق الاعتدال في الاكتساب، حتى يقع الاكتفاء بالمشروع من الوسائل والأسباب، دون الممنوع الذي تضيع به حقوق الناس. فقال نبينا في هذا الصدد : إن روح القدس نفث في روعي أي في قلبي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله. وقال في نعمتي الأمن والصحة مع وجود القوت للحياة اليومية : من أصبح آمنا في سرية أي جماعته معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. في حديث غزوت تبوك أن النبي خطب هناك ومما جاء في هذه الخطبة : أن القناعة كنز لا يفنى. وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهي. ويفهم منه أن ما كثر ولم يله بل اتفق منه في سبيل الله ووقع التعاون به على طاعة الله والإحسان إلى عباده لم يكن بتلك الصفة بل يتنزل عليه ما قاله النبي في الحديث الآخر : نعم المال الصالح للرجل الصالح. وإليه يشير قول الله تعالى في مدح المتعبدين : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
إلا أن نفوس كثير من الناس تريد استيعاب أسباب الاستعلاء واكتساب المال والحطام من الحلال أو الحرام إلا من رحم ربك، وقد وجدت القوانين العادلة والسلطات المحافظة على تطبيقها في دائرة الأمة الواحدة. حتى يرتدع الأفراد عن الاعتداء ويلزموا المحافظة على حقوق بعضهم ولا شك أن قوة الأمن في الدولة تقاوم رغبة تعدي الأفراد الذين لم يمنعهم ضميرهم عن ارتكاب العدوان فيحصل الضرب على أيدي المشاغبين والفنانين، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال سيدنا عثمان ابن عفان. ولكننا إذا خرجنا من دائرة الأمة الواحدة على ما يقع بين الأمم نجدان لسياستها الاقتصادية ومذاهبها الاجتماعية تأثيرا كبيرا على نظرتها إلى الدول الأخرى صغيرة كانت أم كبيرة، ونجد أن الدول الكبرى تتجاذب بساط العز بينها وذلك بالرغبة في بسط سيطرتها على أكبر جزء ممكن من العالم إما بالسطوة السياسية أو السياسة الاقتصادية، وبذلك أصبحت كل واحدة من الدول الكبرى تتكتل مع الأمم التي تشايعها في مذاهبها حتى انقسم العالم إلى معسكرين شرقي وغربي، يحذر كل واحد منهما خصمه، ويود كبته وقضمه : بينما رأت دول أخرى غير المتكتلة في المعسكرين أن تقف مسالمة لهما على الحياد رغبة منها عن الدخول في حرب باردة. أو ساخنة تكثر فيها خسارة الغالب والمغلوب.
وإن طبيعة حب الخير للنفس ودفع الشر عنها هي التي دفعت هذه الأمم جمعاء للتكتل أو الحياد بما فيها من أقوياء وضعفاء، وقد اقتضت حكمة الله أن تتنوع المصالح بين الدول القوية رحمة بخلقه وتفضلا منه على العالمين لأن اختلاف هذه المصالح واتباع كل دولة قوية لجانب منها هو الذي يحفظ التوازن فيما بينها وبالتالي يحفظ العالم من كثرة الحروب.
أما اتفاق الدول الكبرى إذا وقع فهو محنة للعالم. إذ لن يقع إلا على حساب الدول الصغرى والأمم التي لا تملك القنابل الذرية والهيدروجينية وما شابه ذلك.
وقد مرت في التاريخ المعاصر أمامنا أمثلة تجعل المم الضعيفة تخاف من اتفاق الدول القوية، فقد احتلت انجلترا مصر فلم تسكت عنها فرنسا بل فتحت محافلها وأنديتها لزعماء مصر زيادة على الفرنسيين حتى عقدت معها اتفاق سنة 1904 إذ سلمت لها المغرب في مقابل تسليم فرنسا لها في مصر وأخذت إيطاليا ليبيا كما سلمت فرنسا في عقد خاص بها شمال المغرب لاسبانيا وقد أغفلوا حظ ألمانيا في هذه الاتفاقات والتقسيمات فكان ذلك من أهم أسباب الحرب العالمية الأولى التي لقي فيها الظالمون بعض الجزاء عن اعتدائهم وظهرت حركات وطنية بعد تلك الحرب كانت لها نتائج باهرة بالنسبة للأمم الضعيفة، وإن كانت نكبة فرنسا وانجلترا في تلك الحرب لم تمنعهما من اقتسام تركة تركيا في فلسطين وسوريا والعراق وغيرها من الإمارات العربية.
ولو فرضنا أن الاعتداء الثلاثي على مصر لم تمانع فيه روسيا التي يضرها كثيرا استيلاء الدول الغربية على منابع البترول المخزون في البلاد العربية والإسلامية لكانت الحالة في البلاد الإسلامية جمعاء على غير ما نراها عليه، ولكن حكمة الله في دفع الناس بعضهم ببعض حبا منهم في جلب المصالح ودفع المفاسد هي التي حفظت هذا التوازن فعاشت الأمم الضعيفة في ظله آمنة ردحا من الزمن.
وما مؤتمر القمة التي تبدو الرغبة في عقده بين رؤساء يجعل الدول الصغرى تطمئن على مصيرها في المستقبل هو بقاء مذاهب هذه الدول الكبرى متباينة ومصالحها متعارضة، إذ بذلك يمكن أن تبقى روسيا تندد بظلم فرنسا لأهل الجزائر ويمكن به أن تبقى أمريكا والدول الغربية تندد بسياسة روسيا في بلغاريا وفيما يسمونه بما وراء الستار الحديدي، ويمكن بذلك أن تبقى روسيا تندد بالاستعمار الانجليزي في الطايلاند وجنوب الجزيرة العربية وغير ذلك. 
ويمكن لكل دولة حرة غير مقيدة بسياسة معينة أن تندد بالميز العنصري في اتحاد جنوب افريقيا وفي نفس أمريكا حتى ترجع كل أمة ظالمة عن ظلمها ويتلافى بنزعات الخير الموجودة في النفوس ما يهدد العالم من نزعات الشر فتتماسك الحال ولله في خلقه شؤون وألطاف في تدافع هذه الكتل الكبرى من الدول بعضها ببعض حتى يبقى بصيص من النور والأمل أمام الإنسانية التي تعذب أمم منها بأيدي هؤلاء.
أما اندفاع بعضنا وتفاؤله بتقارب وجهة النظر بين المعسكرين وتشاؤمه من كثرة الخلاف بينهما فلا مسوغ لنظره إلا إذا كان المؤتمرون متشبعين بروح المحبة التي جاء بها المسيح عليه السلام، وإلا إذا لم تصرف دولهم أقساطا مهمة من ميزانيتها التي كادت بكثرتها تصل إلى الأرقام الفلكية في آلات تدمير الحضارات وإبادة الإنسانية. 
ولكن حكمة الله في شريعة الوجود وحفظه إلى أجله المحدود هي تلك الآية الخالدة ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين.
وقد ذكر الفخر الرازي في تفسير الآية ما خلاصته : إن الآية تشير إلى المدفوع به وذلك في قوله دفاع الله الناس بعضهم ببعض، أما المدفوع عنه فيتحمل انه الشرور في الدين من الكفر أو المعاصي ويحتمل أن المدفوع هو الهرج والمرج وإثارة الفتنة، كما يتحمل أن الدفع يكون بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، كما ذكر في الاحتمال الخامس أن يكون اللفظ محمولا على الكل يعني فيكون دفع الله الناس بعضهم ببعض عن الشرور كلها في الدين والدنيا حتى تتماسك الحال، قال الرازي لأن بين هذه الأقسام قدرا مشتركا وهو دفع المفسدة، فإذا حملنا اللفظ عليه دخلت الأقسام بأسرها فيه. وقوله حملنا اللفظ عليه فيه نوع تسامح لان المدفوع عنه غير مذكور باللفظ كما ذكر الرازي سابقا، ولكنه متعلق محذوف يقدر عاما شاملا ليستوعب أنواعا من الفساد التي بدفعها يحسن التعايش بين الناس. فيكون المعنى أن الكفر والمعاصي والهرج وإثارة الفتن بسبب التكالب على الغلبة وجمع الحطام قد أوجد الله في الهيئة الاجتماعية من يدفع غوائلها أو يخفف وطئتها من الأنبياء وأئمة الهدى والملوك والزعماء الصالحين الذين يأخذون بأخف الضررين عند تعارض الشرور، فيكون في ذلك حفظ نوع من المصالح لعموم البشر.   
وعلى هذا فحفظ توازن القوى في جوانب من العالم وتباين المصالح الذي يجعل بعض الدول الكبرى تسترضي عددا من الدول الصغرى لتكثر بها سوادها وترهب بأحلافها أعداءها هو الذي يحفظ مكانة الأمم الضعيفة ومصالحها وكيانها في الوجود وقد قال الله تعالى في مغازي أمثاله وألطافه : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.
   

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here