islamaumaroc

قبس من الوهج المتألق

  دعوة الحق

219 العدد

أقر بادئ ذي بدء حقيقة لا يسع إنسانا أن ينكرها أو حتى أن يتجاهلها، ألا وهي أن أمير المؤمنين ـ مع ما متعه الله به من حنكة سياسية على مستوى عال قل نظيره في قادة الدول قديما وحديثا، ومع ما سلحه الله به من خبرة قانونية تدل على عبقرية فذة ـ يحق لكل مغربي ـ أن يعتز بها ويفخر ـ مفكر ديني مسلم مؤمن سليم الفطرة نقي السريرة، آمن بالله ورسوله إيمان رجل درس وحقق فعرف الحق وآل على نفسه أيتبعه ويعمل  به مهما كلفه ذلك من جهد وتضحية.
ولو رجعنا إلى خطبة كلها ـ حفظه الله ـ وإذ أقول «كلها» فأنا أعني ما أقول، وأضع ضمنها حتى ندواته الصحفية والإستجوابات التي يجريها معه الصحفيون، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، أقول خطبه كلها تنطق بإيمان راسخ عميق قويم، يوضحه قول سديد يستمد سداده من نبع الإسلام الصافي، ويسنده عمل متواصل دؤوب لا يني ولا يفتر لخدمة الإسلام والمسلمين لا على الأرض الطيبة التي أكرمها الله بإمامته فقط، بل على سائر المواطن التي يوجد بها الإسلام والمسلمون.
إن دراسة الفكر الديني عند أمير المؤمنين من خلال خطبه السامية تفتح آفاقا كثيرة شاسعة للبحث وافتقراء حول دور القائد المسلم في قرننا العشرين هذا، وتعطي نموذجا لهذا القائد في شخص أمير المؤمنين الحسن الثاني حفظه الله ورعاه، نعم ! إن هذه الخطب والندوات والإستجوابات هي من نتاج ظروف خاصة ببلدنا، هي التي أوحت بها وألهمت القائد الملهم النطق بها، إلا أن التزام هذا القائد، بخط الإسلام وحدوده لا يحيد عنها ولا يزيغ، في مواجهة هذه الظروف ومعالجتها، وانتماء هذا القائد إلى عالم إسلامي شاسع عريض.. يمتد من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي ومن شمال آسيا الصغرى إلى أواسط إفريقيا، هذا العالم الواسع العريض الزاخر الذي جرب أنظمة الغرب والشرق، فما عادت عليه بسوى الهزائم المرة والنكبات المتكررة المتتالية، فشعوبه الآن ملت الحلول المستوردة، وهي تتطلع إلى كل تجربة جديدة مستوحاة من صميم واقعها، ولا واقع لها إلا الإسلام.
كل هذا يجعل من فكر الحسن الثاني تجربة جديدة يتطلع إليها بحنين وشوق ولهفة كل من سلمت فطرته ونيته من مناضلي المسلمين ومجاهديهم، ولن أكون مبالغا إذا قلت إن غير المسلمين من قادة العالم الثالث سيجدون فيها ما يغني تجاربهم بدم جديد وأسلوب جديد في الكفاح من أجل التقدم بشعوبهم ورفعها إلى مصاف الدول المتقدمة، وأقولها بصوت عال لكل من ألقى السمع وهو شهيد، إن تجارب الحسن الثاني القائد المسلم المؤمن الملهم ستعطي لمناضلي هذا الربع الأخير من قرننا العشرين أمثلة غاية في الروعة والدقة والتنظيم والتخطيط والصدق والتضحية والشجاعة، وما تجربة الحسن الثاني في المسيرة الخضراء واسترجاع الصحراء عنا ببعيدة.
أول ما نجده عند الحسن الثاني هو تواضع المؤمنين الذين لا يجدون لأنفسهم فضلا إلا ما آتاهم من فضله، وفي جوابه – حفظه الله ورعاه – عن سؤال أحد الصحفيين العرب بعد المسيرة الخضراء خير دليل على ارتفاع الرجال العظام في تواضعهم الجم، فقد أطنب الصحفي في مدحه والإشادة بمآثره والثناء عليه، فما كان من جلالته إلا أن أجابه بخير جواب يفوه به رجل مؤمن يعرف فضل الله عليه، قال جلالته على ما أذكر: «الشكر لله أولا وآخرا» ثم مضى يجيب الصحفي عن سؤاله.
وقد كنت أنوي عند بداية كتابتي لهذه السطور أن أرجع إلى خطب كثيرة لأمير المؤمنين التي فيها كل ما يسعد به قلبه وتطمئن به نفسه.. ولكنني وجدت نفسي أقف مبهورا أمام المعاني الزاخرة والعواطف الجياشة التي فاض بها مقطع واحد من خطبة واحدة .. فاضطررت إلى الإكتفاء في هذه العجالة بهذا المقطع على أنه جهد المقل..
لقد كان جلالته يدرك تمام الإدراك كل ابعاد قضية الصحراء وعواقبها وما تتطلبه من جهد وتضحية وبذل.. وبكل صراحة وبساطة يبصر شعبه كل هذا فيقول: «... لأن قضية الصحراء بالنسبة لنا هي قضية فلسطين، فيلزمنا إذن إذا كنا مستعدين لكي نضحي في سبيل الصحراء بأرواحنا، يلزمنا أن نواجه التضحية على الصعيد العالمي، لكي نراجع مواقفنا فيما إذا نحن لم نجد من الأصدقاء والأشقاء ما ننتظره من دعم، ونحن مستعدون لمراجعة سياستنا كلها ولو كان ذلك بمثابة الجرح الأليم، فلهذا شعبي العزيز عليك أن تتخذ من 20 غشت منطلقا، منطلقا للوعي، منطلقا للتفكير العميق.
عليك أن تعلم أن قضية الصحراء ليست هي قضية في متناول الجميع، عليك أن تعلم أن القضية سوف لا نذكرها بعملية في الداخل جغرافيا، فالمسألة صعبة، عملية الصحراء سوف لا تسقط بين أيدينا كما تسقط الفواكه بين أيدي الذين هم تحت الأشجار ينتظرون أن تسقط الفواكه، مسألة الصحراء من ناحية المقياس الجغرافي والاستراتيجي وما تنطوي عليه من إمكانيات ومن أبعاد جيو سياسية، كل هذا يجعل أننا إذا كنا نحن مصممين على أن نسترجعها فاسترجاعها للمغرب، أقول: يستحق وأكرر يستحق أن يخذل المغرب من طرف بعض الناس الذين كان ينتظر منهم الخير لما في قضية الصحراء من مخلفات ومن عواقب ومن إمكانيات، فقضية الصحراء هي بمثابة الإمتحان النهائي، وليس جزئيا، فهي بمثابة الإمتحان النهائي بالنسبة للمغرب ومستقبل المغرب وإرادة المغرب أن يربط مستقبله كما كان ماضيه مربوطا، أن يربط مستقبله بأصدقائه وأشقائه الأفارقة وأن لا يبقى معزولا بين بحرين وصحراء على رأسها حكم مزيف لا يلبث ثلاثة أو أربعة أسابيع حتى يأتي حكم آخر ليكون هو الحكم الحقيقي يتقمص الحكم الصحراوي ويرجع لنا بعد ذلك بأمبريالية جديدة أو الإستعمار المقنع». من خطاب لجلالته بمناسبة ذكرى 20 غشت ماذا يمكن أن نستخلص من هذا المقطع ؟
أ – إن جلالته يعتبر أن قضية فلسطين وقضية الصحراء شيء واحد، وكفاحه من أجل استرجاع الثانية هو كفاحه من أجل إثبات وضمان حقوق عرب فلسطين ورجوعهم إلى ديارهم وأرض آبائهم وأجدادهم... إن قضايانا الداخلية، وهمومنا الخاصة في هذا الجزء الذي نعيش فيه من أرض الإسلام لا ينسينا أن لنا إخوانا يقاسون نفس الألم... من أجل هذا نبذل لهم عوننا ونفتح وعيهم على تجاربنا ونفتح لهم قلوبنا وصدورنا.
ب – ونحن جزء لا يتجزأ من عالم يعيش عصرا متفجرا.. يجثم على فوهة بركان ينذر بقذف الحمم واللهب في كل حين.. وهو أيضا عالم قد محيت فيه تماما كل المسافات الزمنية والمكانية، عالم يطحن الانعزاليين الذين يريدون أن ينطووا على أنفسهم، يجترون همومهم منفردين أو يستهلكون خيرات بلدهم منفردين لا ينفعون ولا ينتفعون.. عالم القوي فيه هو من استطاع أن يجر إلى صفه أكبر قدر من الأصدقاء والأنصار من جميع المعسكرات على ألا يقع في أحابيل دعاة الأحلاف... ولن تعرف قيمة أية أمة إلا إذا جعلت من امتحانات الحياة لها ليس ذكريات الإحتفال وأعيادا قومية للزهو والإختيال فقط، بل لمراجعة السياسة التي كانت تسير عليها تجاه هذا الصديق أو ذاك الشقيق.. أما العدو المصر على عداوته فالموقف منه يظل ثابتا لا يتغير، ولا تتغير إلا أساليب المواجهة تبعا للظروف وإعادة النظر في أسلوب معاملة من لم يرع حرمة الأخوة ولا ذمة الصداقة كثيرا ما تحدث في النفس الحرة الأبية جروحا أليمة عميقة، لما يحسه المرء من خيبة مرة فيما إذا لقي النكران والجحود ممن كان يضمر لهم كل المودة وكل الوفاء وكل الإخلاص ويصنع معهم كل معروف وجميل.. ورغم كل هذا فإن إعادة النظر هذه كثيرا ما تكون منطلقات لوعي جديد وسياسة جديدة...
ج – النصر لاينال سهلا، والنجاح حليف بذل الجهود والتضحية بالغالي والنفيس، وقبل كل ذلك وبعده أيضا الدراسة الوافية الشاملة لكل عناصر القضية التي يريد المرء النصر فيها، وانتظار كل المحتملات وإدراجها ضمن مخطط العوائق التي قد تقف في طريق بلوغ المنى.. وإذا كانت الغاية كبرى – والطموح لا يسعى إلا إلى معالي الأمور – فلا ينبغي أن ندهش أو نعجب إذا خذلنا فيها من كنا ننتظر منهم العون والسند.   
د – وكل قضية كبرى تسعى فيها إلى النجاح، لا ينبغي أن تبقى قضية فرد، بل ينبغي أن تعتبر قضية شعب بأسره، امتحانا نهائيا لإرادته في العيش الحر الكريم، وفي أن يكون قدوة لشعوب تنظر إليه بعين الإجلال والإحترام، وتتطلع إلى تجربته في مواجهة الصعاب على أنها التجربة الرائدة.
هـ - عالمنا كما قلت قبل قليل انعدمت فيه المسافات الزمانية والمكانية.. لا مكان فيه، للمنعزل المنطوي.. وبلدنا بحكم موقعه بين بحرين وصحراء يرفض تماما أن ينعزل في ضمن هذا الإطار الجغرافي الضيق.. يريد أن ينفتح على العالم يأخذ ويعطي ليعيش ويرقى ويساهم في إنماء حضارة الإنسان ورقيها وتطورها على أرضنا الطيبة، وماضيه كله عاشه مرتبطا بأشقائه الأفارقة، حمل إليهم دعوة الإسلام غضة طرية، وآل على نفسه أن يتعهدها على مر العصور ويرعاها.. إذن هو بلد دعوة كريمة يريد أن يحملها إلى الناس.. بلد يريد ألا ينعزل لأنه يعرف خطر الإنعزال عليه وعلى حضارته وعلى دعوته التي حمله التاريخ والموقع مسؤوليتها، وها هو يحملها اليوم وسيظل لها حاملا متحديا كيد الحاسدين ومستسهلا كل الصعاب والعوائق.
قلت قبل قليل إنني كنت أنوي الرجوع عند بداية كتابتي لهذه السطور إلى خطب عديدة لأمير المؤمنين، ولكنني وقفت حائرا عند مقطع صغير من خطبة واحدة... أوحى إلي بالكثير الكثير.. حتى أنني لم أدر ماذا أدع.. وما هذه العجالة إلا غيض من ذلك الفيض.. قطرة من ينبوع يعد بالعطاء الثر الفياض.. والله أسأل أن يحفظ لنا أمير المؤمنين ويطيل عمره، وأن يقر عينه بسمو ولي عهده إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here