islamaumaroc

هل تخرج الصحراء أسرار مدنيتها العتيقة؟

  دعوة الحق

26 العدد

لم تبق الصحراء ذلك التيه المخيف الذي ينذر بالموت كل من يتوغل فيه، ولا تلك الأرض الموات التي لا يقام لها وزن ولا يؤبه بحدودها، بل أصبحت في السنوات الأخيرة تحتل المكان الأول من اهتمام رجال الدول، وتخصص لها التعاليق الإضافية من لدن الأخصائيين والملاحظين على أعمدة الصحف والمجلات، وصارت مثار الأطماع والنزاع والخصومات بين الدلو، وقد تغدو –إذا لم توجد لها حلول- عاملا من أهم عوامل التوتر العالمي، ذلك بعدما اكتشف المنقبون في أحشاء الصحراء ثروة ثمينة من النفط وغيره من المعادن.
وموضوع هذا المقال يقتصر على الصحراء الممتدة من جنوب المغرب والجزائر شمالا إلى السودان والسنغال جنوبا ومن الحدود الليبية شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، وتبلغ هذه المساحة أزيد من مليونين كيلومتر مربع أو ما يعادل أربع مرات الجزء المتحرر من بلادنا.
إن كنوز هذه الصحراء لم تكشف كلها، وربما كان ما عثر عليه المنقبون سوى جزء ضئيل من الثروة المعدنية المخبوءة في بطن هذه الأرض القاحلة. لقد اكتشفت لحد الآن ثلاث بطائن من البترول :
أولاها واقعة في منطقة «حسي مسعود» على مسافة 650 كيلومترا من مدينة الجزائر وتبلغ كثافة هذه المنطقة 140 مترا نحو ثلاثة كيلومترات ونصف، ويقدر ما يمكن استخراجه منها بأزيد من خمسة ملايين طن في العام. أما البطانة الثانية فتقع في منطقة «عجلة» على مسافة 700 كيلومتر من طرابلس، ويقدر النفط الذي سيستخرج منها بأزيد من ثلاثة ملايين طن في السنة. وأما البطانة الثالثة فتوجد بمنطقة «حسي الرمل» على بعد 450 كيلومترا من عاصمة الجزائر، ولا يقل محصولها أهمية عن كل من سابقتيها، هذا زيادة على المعادن الأخرى التي عثر على بعض مناجمها كالفحم والحديد والمنغنيز والرصاص والنحاس والقصدير والأرانيوم.
وإذا كانت هذه الثروة المعدنية قد بدأت تنكشف، فهناك ثروة معنوية لا تقل عنها أهمية لم تنكشف أسرارها لحد الآن، وهذه الثروة تتجسم في حضارة مزدهرة عرفتها الصحراء قبل التاريخ الميلادي بثلاثة أو أربعة ألاف سنة، وتدل عليها آثار نقوش عثر عليها الباحثون في السنوات العشر الأخيرة، وقد نقل بعضها إلى باريس حيث ملئ بها جناح خاص من «متحف الإنسان».
ويجمع علماء الآثار أن الصحراء كانت في تلك العصور بقعة مخضرة تتخللها أنهار عظيمة ويطيب فيها العيش، وكانت مهد حضارة راقية، وعمارة لا تقل عما نشاهده اليوم في البلاد المتحضرة، ثم أدركها الجفاف ونضبت عيونها بمرور الأجيال والقرون، وإذا عرفنا أن العلماء يقدرون بعشرين كيلومترا المساحة التي تأكلها الصحراء الإفريقية من الأراضي المجاورة لها في كل عام، سهل علينا أن نتصور كيف استحالت تلك السهول إلى أرض قاحلة، وكيف هجرها سكانها حتى لم تبق بها سوى ثمانمائة ألف نسمة منبثة هنا وهناك، وكيف درست تلك الحضارة فأصبحت أثرا بعد عين.
ونجد إشارة لهذه الحضارة في مؤلفات المؤرخين اليونانيين والرومانيين (سطرابون، هيرودوط، بطوليمي) وخاصة منهم سالوسط الذي تحدث كثيرا عن تلك الحضارة في كتابه ٍ«حرب بوغورطة» الملك البربري الذي قاوم الزحف الروماني ومات في الأسر ضحية دفاعه عن استقلال الشمال الإفريقي، وينتظر المرء العقد الخامس من القرن العشرين ليشاهد اهتمام بعض شماء الآثار والحضارات القديمة بمدينة الصحراء. فقد قام مسيو هانري لوط العالم الفرنسي ورئيس متحف الإنسان بباريس ببحث في فيافي «الهوغار» واكتشف عدة آثار ونقوش تدل دلالة واضحة على مدى ما بلغته الحضارة الصحراوية من تقدم قبل التاريخ.                 
لقد تركت هذه الحضارة في المغارات أثارا تعد من أروع ما عرفه فن النقش على الحجر، وهي تمثل حيوانات في أوضاع مختلفة من تلك الحيوانات التي لم يبق لها وجود في الصحراء، كما تمثل صورا من الطقوس الدينية والعوائد التي كانت معروفة عند بعض الشعوب والتي يوجد أشباهها في بعض البلاد. ولا تخفى أهمية مثل هذه الاكتشافات في استجلاء أصل الحضارة التي أينعت في الصحراء ومعرفة أصل الشعوب التي عاشت فيها، وبالرغم عن كون علماء الآثار لم يهتدوا لحد الآن إلى الأصل هذه الحضارة وتلك الشعوب، فإنهم متفقون على أنها ترتقي إلى العصر الحجري الصقيل بما عثروا عليه من أدوات خاصة بهذا العصر.
ولا ينبغي أن ننسى أن هذه الاكتشافات حديثة العهد، والمعتقد أن الدوائر العلمية المختصة ستولى العناية اللازمة لهذا الموضوع والمؤمل أن تستخرج أسرار هذه المدنية التي عفى أثرها وعايشت المدنيات القديمة كالحضارة الصينية والفرعونية(1)، ولا تخفى أهمية هذا الاكتشاف بالنسبة للشمال الإفريقي وبالنسبة لبلادنا بوجه خاص. وقد تلقي ضوءا كبيرا على أصل سكان المغرب الذي ما يزال لحد الآن مثار النقاش بين المؤرخين.
وفي هذا الصدد نشر صديقنا الصحافي البلجيكي المتضلع أندري موايان بحثين قيمين في جريدة
«Le Phare dimanche» ومجلة «Le Patriote illustré» البلجيكيتين ضمنهما ما وصل إليه بنفسه من تنقيبات في الأطلس الكبير والأطلس الصغير من بلادنا، لقد قرأ الكثير عن اكتشافات العلماء، ودفعه البحث ومهنته الصحفية إلى زيارة المغرب عشر مرات منذ ثلاث سنوات، وفي آخر مرة توفق إلى العثور عن مغارات والوقوف على نقوش وقبور يرجع عهدها إلى خمسة آلاف سنة قبل المسيح، ومن المقارنة التي قام بها بين النقوش المعروفة والنقوش على الصخر الموجودة في جبال الأطلس الكبير وبين شكل دفن الموتى في العهود القديمة بالصحراء وغيرها من الأقطار، استنتج أن البربر من أرومة واحدة هم سكان
«لا كول بلجيك La Gaule Belgique»  الأقدمين، فيكون أصلهم من القوقاز في القطعة من الأرض الواقعة على ضفاف القز وين.
إن هذا الاستنتاج –بالرغم عما يعتمد عليه من قرائن- لا يعدو أن يكون مجرد تخمين ما لم يتوله الأخصائيون من علماء الآثار والأجناس والحضارات بمزيد ما يحفز المهتمين بالحضارات القديمة إلى الكشف عن أسرار حضارة الصحراء التي ما تزال صفحتها مطوية والتي تبشر بإلقاء أضواء لامعة على كثير من جوانب مدنية افريقيا الشمالية والقارة الإفريقية عموما.

(1) توجهت بعثة استكشافية تشتمل على عشرين عالما وصحفيا إلى الصحراء الوسطى للبحث في الهضاب الممتدة ما بين الهوغار والتشاد، ويرأس هذه البعثة مسيو هانري لوط صاحب الاكتشافات التي أشرنا إليها في المقال، وقد خرجت من الجزائر يوم 16 نوفمبر وستقطع مسافة 2600 كيلومتر ذهابا وإيابا وتستمر مهمتها شهرين. 
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here