islamaumaroc

حاجتنا إلى تصميم قار لبعث اللغة القومية

  دعوة الحق

26 العدد

يحكى عن «كارلوس الخامس» الذي ملك اسبانيا في السنة السادسة عشرة من القرن السادس عشر وأصبح إمبراطورا على ألمانيا بعد ثلاث سنوات قبل أن تخضع لسلطانه معظم أقطار الأرض حتى لم تعد الشمس تغيب عن علمه المنشور عليها أنه قال «جعلت اللغة الألمانية للاستجاشة والاستنفار وجعلت الإيطالية للموسيقى وإنشاد الشعر والغناء بينما جعلت الفرنسية لمغازلة النساء. ومع ذلك فاللغة الاسبانية هي أحب اللغات إلى نفسه وآثرها لدى قلبه لأنها اللغة التي حدثته والدته بها قبل أن يكلم الناس ويمشي في الأسواق». وقد قصدت الإتيان بهذه الحكاية في بداية هذا المقال للتدليل على مدى الرابطة الروحية التي تقوم بين الفرد وبين اللغة الموروثة عن والديه وكيف أن الإخلاص لتلك اللغة ضرب من ضروب البرور بهما والتعلق بالماضي المتمثل فيهما. ولأمر ما ضرب المثل عند الغربيين بلغة الأم عندما يريدون التحدث عن طلاقة فرد من الأفراد في النطق بلغة من اللغات والتمكن منها. وإذا كان الفرد يجتهد في تزكية ما يرث عن والديه من متاع فهو أحرى ببذل الجهد لتنمية ما يرث عنهما من هذه القيم الروحية والأخلاقية التي هي خير وأبقى.
والعربية هي بعد كتابها المنزل في طليعة تلك القيم التي اقترن بها ذكر المغرب في التاريخ بما كان له من الإسهام المعلى في التبشير بالهدى وتزكية التراث العربي وتعميم فضله على الناس. لهذا كان الإخلاص لهذه اللغة فرضا من الفروض القومية المقدسة لأنها الرابطة بيننا وبين صفحاتنا البيض في أسفار التاريخ والحضارة والصلة الوحيدة بيننا وبين سواد الأمة والضمانة دون حدوث القطيعة بين النخبة المسيرة والجمهور المنقاد بالإقناع. هذه هي الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن يجادل فيها إلا إذا كان في قلبه مرض أو في نفسه حرص على منفعة تمليها الأثرة. ولن يكون حال النخبة المتنكرة جنوب القارة الإفريقية حيث أرادات تكوين أمة على أسس لا تستجيب لحقائق المنطق والواقع والتاريخ فكان ما نشاهده من هذه القطيعة التي لم يكن الميز العنصري المقيت إلا مظهرا من مظاهرها المؤلمة.
وإذا كان المغرب لا يكون وحدة سلالية ولا وحدة دينية –إذا كان اليهود صادقين في إحساسهم بمغربيتهم- فإن الوحدة اللغوية هي وحدها الكفيلة بتحقيق الوحدة القومية الصحيحة. ولسنا بحمد الله في حاجة إلى إقامة الأدلة والبراهين على أن العربية هي اللغة الوحيدة القادرة على إنجاز تلك الوحدة المأمولة. ولما كان من الواجب على الحكومة أن تأخذ نفسها بأداء هذه الأمانة على الوجه المطلوب الأكمل فمن الواجب عليها أن تضع لتحقيق هذه الغاية تصميما على غرار ما تفعل في عالم الاقتصاد والسياسة والاجتماع ليقف كل منا على حقائق الأمور ويدرك المراحل التي لا تزال أمامه والآجال المخولة حتى يطمئن قلبه على مصير لغته القومية التي يلذ لبعض القاصرين رميها بالعجز طمعا في تبرير تقاعدهم عن الإسهام في تلقيحها وفتح الآفاق الجديدة في عالم الأدب والفن والعلم أمامها وأملا في إيجاد الذرائع والتعليلات لارتباط وجودهم بوجود لغة دخيلة نحن أسبق الناس إلى الترحيب بثقافتها وثقافات اللغات الحية الأخرى على شرط صهرها في قالب اللغة القومية. ويجب أن يكون هذا الهدف مبدأ قارا في سياستنا لا يتغير بتعاقب الحكومات ولا يختلف باختلاف نزعات المسؤولين ولا يتأثر بأي اعتبار من هذه الاعتبارات التي تطغى على ميادين الحياة العامة الأخرى.
إن الرصيد القومي من الثقافة لن ينميه إلا الكفاة من المثقفين بالعربية وباللغات الأجنبية فيما بعد لأنهم وحدهم القادرون على تطعيم ذلك الرصيد بما يجد في هذه اللغات كما كان الشأن إبان نقل تراث اليونان والرومان إلى العربية بعد الفتوحات الإسلامية الأولى. أما الاقتصار على تثقيف النشىء بلغة غير لغته القومية فهو في الواقع إقصاء له عن مجموع أمته وإن ارتبطت مصالحه بمصالحها وساهم مساهمة مشكورة بطبه في إبادة الأمراض وبهندسته في شق الطرق وبناء المراسي وإنشاء السدود والخزانات. ذلك لأن هذا النوع من التثقيف والإعداد على ما فيه من فائدة لا يكفل اللقاح المطلوب للغتنا المنبعثة وثقافتنا الناشئة ولن يفي أبدا بنصيبه من الجهد في تحقيق الغاية المبتغاة. من هذا تتبين حاجيتنا الشديدة إلى تكوين مزدوج لجيل الانتقال حتى يصبح قادرا على النهوض بالمهمة التي نهض بها سلفه فكان عمله المحمود في ترجمة ذلك التراث القيم وتنميته بنتاجه في العلوم والآداب والفنون مشاركة هامة في نشر لواء الحضارة العربية والتيسير لعصر النهضة فعصر التنوير بأوربا المسيحية فيما بعد.
وأول ما تطالب به دولة تحرص على أن يحترمها الغير هو أن تسارع إلى احترام نفسها بإقرار حرمة لغتها القومية وجعلها لغة الإدارة والمعاملة والعلم والفن والأدب جميعا. ولنا في بعض الدول الصغيرة والحديثة العهد بالوجود وعملها لإحياء لغاتها الميتة إلى عهد قريب ما يقيم علينا الحجة في أن ما ننتحله من التعليلات ونختلقه من الأسباب أمور لا تقوى أمام العزيمة القوية والإيمان الصادق. وعمل «إسرائيل» في فرض العبرية على اليهود النازحين إليها من مختلف أقطار الأرض قبل تمكينهم من مزاولة عمل من الأعمال وسهر رجالها على تطعيم لغتهم وفتح الآفاق أمامها حتى أصبحت اليوم في عدا اللغات الحية الراقية ظاهرتان تستحقان كل إكبار سواء رضينا أم لم نرض. وكلنا نعلم أن اليهود هم أكثر الناس تشبعا بثقافات الغير وأبرزهم في الإحاطة بها والإنتاج فيها. ومع ذلك فلم يصرفهم إعجابهم بتلك الثقافات وتمكنهم من لغاتها عن البرور بلغتهم ليقينهم القوي بأن القومية الصحيحة السليمة لا تنشأ وتقوى إلا في ظل لغة قومية منتعشة أيضا.
ونتيقن بالنظر إلى الاعتبارات السالفة من أن حاجتنا إلى وضع تصميم ثقافي لغوي لا تقل بأي حال عن حاجتنا إلى هذه التصميمات التي نختطها في ميادين العمل الأخرى سعيا في تحقيق النهضة الشاملة المرجوة. فعلى من عرضت عليهم أمانة إعداد الأجيال المقبلة فحملوها أن يضعوا تصميما منجما في مراحله لبلوغ المسعى المنشود ويستندوا القلة الموجودة الآن من الأكفاء ويساعدوها على القيام بما يعين على انتعاش العربية بهذه البلاد. فليس في المستطاع أن يستوي في الجسم الواحد عقل يفكر بخلاف ما ترضى عنه النفس ويطمئن إليه القلب. وقد شاءت سنة الكون أن ينقاد السلوك لمشيئة الفكر أكثر مما سبق لوحي الضمير. وسلوك الجماعة وسلوك الأمة كسلوك الفرد لا يكون مستقيما إلا إذا كان هناك تجاوب بين العقل المدبر والقلب المطمئن الرضي. فمما ينذر بسوء المصير أن تستأثر بالتوجيه قلة لا يوجد أي تجانس بين تفكيرها وبين إحساس جمهور الأمة.
إن من العقوق أن لا نهتم بهذا التراث القيم الذي خلفه الآباء والأجداد ولا نتعهده بالإحياء والتنمية. ومن جحود فضل السابقين أن نرتد عن الوجهة التي اقترنت صحائفنا الغر في كتب التاريخ لنتيه في تجربة لن تؤدي بنا –ولو كتب لها النجاح- إلا إلى إحداث القطيعة القومية بتنشئة طبقة من المسيرين يعيشون عالة على الغير في تفكيرهم وينساقون بسهولة إلى التأثر بإحساساته والاقتناع بصحة مراميه وفائدة أهدافه. وستكون تلك النشأة وهذا الانسياق ردة نحن مسؤولون عنها أمام تاريخنا وأمام لغتنا وكتابها المقدس.
إن صيانة القيم الروحية تستعجلنا إلى سلوك هذا النهج الذي يستجيب لوحي ضمائرنا وإملاء الدم الساري في عروقنا والمحرك لمجامع أضغاننا. وصيانة تلك القيم الخالدة تقضي بوضع تصميم قار لبعث اللغة العربية وإنعاشها بهذه الديار التي يحرص شعبها على أن يبقى عربي اللسان إلى أن يلقى الله.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here