islamaumaroc

معركة المقاومة للاستعمار والتجمع للوحدة الكبرى في الأدب العربي الحديث

  دعوة الحق

26 العدد

لأول مرة في تاريخ الأدب العربي المعاصر يكتسب تاريخ هذه الفترة (1820/1959) بطريقة موحدة لتيارات الفكر في المنطقة كلها، هذه المنطقة التي تمتد مندمجة شاملة تتمثل فيها (الوحدة الحقيقة) من المحيط إلى الخليج أو من المغرب إلى العراق وقد كانت جميعها تحت السيادة العثمانيــة(1) ثم وقعت جميعها في قبضة الاستعمار، وقد بدا ذلك عام 1820 عندما احتلت الجزائر وكانت قد سبقت ذلك محاولات لاحتلال مصر سنة 1799 بواسطة الحملة الفرنسية وقيادة نابليون وعام 1807 بواسطة الحملة البريطانية بقيادة مزيزر ولم يمض بعد ذلك أكثر من ربع قرن حتى سقطت الجزائر في قبضة الاستعمار الفرنسي وتوالت البلاد العربية ولم تلبث أن أسفرت الرب العالمية الأولى عن خطة شاملة تم بها احتلال أجزاء المنطقة كلها ما عدا الحجاز واليمن فقد ظلتا محتفظتين باستقلالهما، وفي خلال المرحلة الأخيرة من الحكم العثماني بدأت لمقاومة لهذا الحكم الأخيرة من الحكم العثماني بدأت المقاومة لهذا الحكم الاستبدادي الذي كان يمثله السلطان عبد الحميد في خلال فترة أربعين سنة (1868/1908) ثم يمثله حكم الاتحاديين بعد سقوط عبد الحميد وصدور الدستور، وقد كان اتجاهه أشد قسوة من عبد الحميد لأنه استهدف تتربك العناصر الداخلة في الدولة العثمانية والقضاء على القومية العربية، وقد أوجه العرب في المشرق (الشام والعراق والحجاز) هذا الحكم وقاوموه، وكانت مصر موئلا للأحرار الذين طاردهم استبداد العثمانيين وكانت صحافتها لسان صدق في هذا المجال.
ولم يلبث العرب أن تحرروا من السيادة العثمانية حتى سقطوا في قبضة الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والإسباني، وهنا بدأت مقاومة أخرى أشد قوة كان للأدب، نثرا وشعرا وقصة وللصحافة وللكتاب الأثر البعيد في هذه المعركة. ولقد قام الأدب العربي في هذه المرحلة الضخمة بدوره كاملا، فهو فضلا عن أنه استجاب للتطور ومثل مختلف الألوان التي عاشها الأدب العربي في تاريخ الطويل فإنه قد ابتدع (الأدب الوطني) الذي حمل لواء «المقاومة» للاستبداد العثماني ولطغيان الحكام ثم قاوم الاستعمار نفسه ونادي بالتجمع والوحدة وكشف عن أصالة الأمة العربية وقدرتها على المقاومة، وكان هذا الأدب نشيد الثورات المتوالية التي لم تتوقف في خلال قرن وربع قرن.
وكان الصوت المدوي الذي يهز القلوب ويدفع الجموع إلى الاستشهاد والفداء، وباستعراض صور هذا القرن وربع القرن من أدب «المقاومة والتجمع» نجد أن هناك عوامل موحدة تنتظم المنطقة كلها : إيمان بالحق الطبيعي في الحرية وإصرار على المقاومة، وصيحات عالية مدوية للتجمع وقلوب تخفق وتتلاقى في أنحاء الوطن العربي تستطيع بإيمانها أن تقاوم كل حلقات الإرهاب التي قام بها الاستعمار وحركات التغريب وأساليب التمزيق ومؤامرات التضليل، كان الشعر ينفث السحر ويهز القلوب ويدعم الروابط، كانت الأمة العربية تتنادى من المحيط إلى الخليج وتتجاوب.
ولعل الأدب العربي لم يتأثر بمأساة أو حدث كما تأثر بمأساة قصور صورة الغدر الغربي وحمل صورة الحقد والثأر وعبأ الشعور، فكانت مفتاح «اليقظة» التي شملت العرب والينبوع الذي تفجرت منه عواطف الكتاب والأدباء كما كانت وحيا وإلهاما للشعراء، وقد صور هذا الأدب أكبر أثرين خلفتهما النكبة   وهما ضياع فلسطين والنازحين، كما رسم صورة الشوق والحنين بذكر الوطن وأبرز صورة «العودة» والإيمان بها والإعداد لها.
فإذا تساءلنا ماذا يمكن أن يعطينا هذا العرض التفصيلي من ملامح الأدب العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي في خلال قرن ونصف قرن من الزمان وجدنا أنه يعطينا صورة «عقل» الأمة العربية وعاطفتها في أدق مرحلة من مراحل كفاحها وصراعها وإثبات شخصيتها، ذلك أن هذه الفترة منذ بدأ الاستعمار يغزو العالم العربي (1811) حتى اليوم تمثل إحدى الملامح الضخمة التي خاضتها الأمة العربية في مقاومة مطامع المغيرين الذين كانوا يتطلعون دائما إلى هذه المنطقة ليضعوا أيديهم عليها.
وهي حلقة من حلقات الصراع بين العرب وخصومهم سبقتها ثلاث ملامح ضخمة هي : التتار والصليبيين والعثمانيين، وفي كل ملحمة من هذه الملاحم كانت الأمة العربية تقاوم بكل قوتها معتزة بشخصيتها وموقعها وتراثها الثقافي ومكانتها الروحية.
ولقد كانت الملحمة الرابعة (الاستعمار الغربي الحديث) من أضخم هذه الملاحم من غير شك، نظرا لتضخم السلطان العسكري للغرب الذي اكتشف البخار ودخل دور الصناعة الحديثة باختراعاتها وكشوفها وسلطانها المادي في الوقت الذي غفل فيه العرب عن القوة فاكتسحوا بالغدر والخيانة والمؤامرة، وقد صور الدب هذه المؤامرة الضخمة وكشف عن طريق النثر والشعر والمقال والقصة والصحيفة والكتاب والخطابة عن عمليات الإبادة التي قام بها الاستعمار في ليبيا والجزائر وفلسطين، وكان القوة الدافعة التي تجمع الجموع وتدفع المجاهدين إلى الصفوف الأولى وتستطيع هذه الصورة أن تعطينا عددا من الحقائق التي تكشف عن جوهر الأمة العربية. فقد كان الأدب (شعره ونثره) هو ديوان العرب وكانت اللغة العربية هي قوام هذه الرابطة الضخمة، رابطة القومية العربية.
وقد حاول الاستعمار في تجربة ضخمة حشد لها كل قواه وجند كل إمكانياته وعلمائه القضاء على هذه اللغة وإبدالها باللهجات المحلية سعيا وراء جعلها لغات إقليمية ولكن دون جدوى فقد ذهبت جهوده إدراج الرياح وبقيت الأمة العربية ملتفة حول سارية عالية لا سبيل إلى هدمها، وظلت اللغة العربية –التي كانت قد ضعفت في أواخر العهد العثماني- تنمو من جديد وتتجدد وتصقل وتتطور على ألسنة الشعراء وأقلام الكتاب ترسل الصيحات المدوية فتعبئ المشاعر وتحفز الهمم.
وكانت «العربية» شرارة الثورات المتوالية التي انفجرت في العالم العربي الوطني –ولا أقول السياسي- الذي أطلقنا عليه أدب المقاومة والتجمع، فقد ساد هذا اللون وطغى واتسع نطاقه، وكان أبرز الألوان وأقواها وأشدها أصالة، وحملته الصحافة في الأغلب فكانت رسالة، وحمله الكتاب ونقلت هذه الآثار من الأوطان المضيق عليها إلى من كانت أكثر حرية، بل انتقل الأدباء أنفسهم وهاجروا في مناطق الظلم، ولم يقف أمرهم عند هذا، بل قدموا الضحايا، شهداء من أهل العلم وسجناء ومهاجرين ومشردين.
وفي الوقت الذي كان الاستعمار يضغط فيه على الحدود المصطنعة أو يدفع المذاهب التغريبية إلى أن عادل الحياة وتوجه صنائعه من حكام الأقطار ليضاعف من قسوة التجزئة ويضع بذور الفتنة والشقاق بين قطر وقطر، كانت قصيدة واحدة تحمل معنى الأخوة العربية والمقاومة والتجمع كافية لأن تجعل هذه الدور كلها تنهار وهذه الحصون كلها تتحطم.
فقد شدت لها القلوب فإذا هي تجري على الألسنة وتتناقلها الركبان، فإذا أردنا أن نصور التيارات الفكرية التي كانت تضطرم في المنطقة فلا شك أن الدعوة الوهابية كانت منارا قويا للحركة الفكرية، وكانت مقدمة لرسالة جمال الدين الأفغاني وما تلاها من حركات فكرية حملت رسالة الأدب والثقافة في المهدية السودانية، والسنوسية الليبية و«خير الدين» التونسية و«الألوسية» العراقية والكواكبي في مصر وهي عندنا قمة الحركات الفكرية الداعية إلى الحرية والمقاومة للاستبداد العثماني الهادفة إلى العودة للمنابع الأولى للعقيدة.
وهي أن تكن ضعف في مسقط رأسها فقد ظلت شديدة الأوار في المشرق والمغرب على السواء، وكان الشعر بالطبع أبرز من النثر أثرا فقد هاجم شعراء العراق والشام الاستبداد العثماني ثم اتجه الشعر إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي والبريطاني في مختلف أنحاء الوطن العربي.
وقد كان الوجود السياسي للعرب سبيله الأدب كتابة وشعرا وخطابة (فلم يكن العرب بمدافعين عن وجودهم إلا باللغة العربية في مقالات وقصائد ومطبوعات أثارت نوازع الحمية العربية وأطلقت الألسنة والأقلام).   
وقد قاوم الشعر مقاومة فعالة ودعا إلى التجمع واضطر الشعراء إلى كسب سخط الحاكمين وغضبهم ومن هؤلاء ألزهادي والرصافي في العراق كما هاجر من أجل ذلك ألكاظمي إلى مصر وفي الشام فؤاد الخطيب وشفيق جبري واليا زجي من قبل شكيب أرسلان الذي اضطره الاستعمار إلى الهجرة. وقد ارتفعت لغة الكتابة بعد التحرر من سلطان الأتراك واستهدف الأدب العربي : القومية العربية بدلا من الوطنية العثمانية وأفاد الأدب العربي من الأساليب الحديثة في الأدبين الفرنسي والانجليزي.
وكان إعلان الدستور العثماني (1908) في العراق والشام والحجاز إعلانا لتطور الأدب العربي من الأسلوب التقليدي إلى دعوة الحرية ومهاجمة الاستبداد مع الحماسة وذكر البطولة والإشادة بالأمجاد والدعوة إلى النضال، وكما أنشأ طاهر الجزائري المدارس العربية في الشام أنشأ عبد الحميد بن بأديس المدارس العربية في الجزائر لمقاومة التيار الفرنسي الذي يحمل سموم التغريب.
فقد حمل الاستعمار الفرنسي معه إلى كل بلد احتلها مؤامرات التجنيس والتغريب والفصل بين العرب والبربر والإدماج، وحاول في كل واحدة من هذه المؤامرات ما وسعته الحيلة، فعل ذلك في تونس والمغرب والجزائر والشام.
وفعلت ذلك ايطاليا في ليبيا وانجلترا في السودان وقد رفض البربر الذين كانوا قد امتزجوا مع العرب هذا الاتجاه وتمسكوا بوحدتهم مع العرب وفشلت سياسة الإدماج بعد أن عجزت سياسة التجنيس، وكانت سياسة التغريب أكثر فشلا، وحاولت فرنسا إحلال اللغة العربية فلما عجزت حاولت إحلال الفكر الغربي محل الفكر العربي، ثم دعت إلى محاولة بعث أمة مغربية تقوم على فكرة الجنس البربري ثم حاولت تشويه رسالة الإسلام واتهمته بأنه يتنافى مع العلم والترقي.
ثم عمدت إلى القضاء على كل مقومات النهوض بالأمة ولكن (الأدب العربي) الذي حملته الصحافة كان أداة قوية للقضاء على هذه المؤامرات جميعا فقد قامت الصيحات في كل أنحاء الشمال الإفريقي تقول : (نريد أن نتعلم إنسانيتنا لا إنسانية الآخرين) وإننا (لا نعتبر أنفسنا أحرارا إلا إذا حررنا فكرنا من اللغة الأجنبية وحررنا كلمتنا من الدلالات الأجنبية) وبالرغم من القيود التي فرضها الاستعمار الفرنسي على الثقافة فإن الشمال الإفريقي كله قد سبق إلى توجيه الثقافة العربية عمليا إذا اتجه أبناؤه إلى الأزهر في الوقت الذي قصر فيه المشرق عن الالتقاء بالمغرب وقاومت جمعية العلماء في وهران الثقافة الفرنسية مقاومة جبارة، وكان بأديس والإبراهيمي والعقابي أقوى عقبة وقفت في وجه مؤامرات التغريب، ودليل ذلك أن فرنسا قاومت تعليم اللغة العربية في الجزائر 126 عاما مقاومة عنيفة ولا يوجد اليوم في الجزائر من يتكلم غير اللغة العربية أكثر من 10 في المائة من العرب.
وقد اضطر مفكرو الغرب إلى الاعتراف بفشلهم في القضاء على الوحدة بين أجزاء المغرب الثلاثة ولم تفلح كل الوسائل الفرنسية في تحويل أذواق الجزائريين عن اللون العربي الخالص، وقامت الزوايا والكتاتيب بأخطر مهمة في تاريخ اللغة العربية وهي حفظها من اللهجات، وحاولت فرنسا أن تجعل من المثقفين الذين تعلموا في فرنسا عملاء أو أنصارا لثقافتهم ولكنهم فشلوا أيضا فقد تكشف لهؤلاء انهيار القيم الإنسانية في نظر الاستعمار الفرنسي فاندفعوا إلى صفوف المجاهدين لمقاومة ثقافة فرنسا التي تطمع في تغريب (العرب) وكانت الصحافة في تونس والجزائر والمغرب وليبيا، والصحف السرية أيضا عماد هذه المقاومة تحمل المقال والشعر، وبذلك أفلتت الشخصية العربية من محاولة القضاء عليها بالرغم من جميع وسائل التعسف والقمع وبانت أهداف الأدب العربي واضحة بأنها الدعوة إلى الوحدة الوطنية والتحرر من الأخطار الاستعمارية.
وكما شارك الشعر العربي في الجزائر وتونس ومراكش وليبيا في معارك فلسطين، شارك الشعر العربي في الشام ومصر والعراق في معارك الجزائر، واليوم يقف الأدب الجزائري وراء الثوار يؤجج عواطفهم، وآب إلى القومية العربية محمد ديب ومولود معمري ومولود فرعون من كتاب الجزائر الذين تأثروا بفرنسا أول الأمر والذين ما زالوا يكتبون بالفرنسية.
يقول محمد ديب : (نحن معشر الرجال في جبالنا هذه يجب أن تقف البلاد بأسرها وتبصق احتقارها في وجوه الطغاة).
وقد تأثر المغرب العربي كله بجمال الدين الأفغاني والعروة الوثقى وكان (مبادو) والزيتونة والصادقية والخلدونية في تونس أدوات القوة الفكرية التي حملت دعوة المقاومة للتغريب والاستعمار كله.
وكان الثعالبي وعلي باش حامية والبشير صفر صحفيين حملوا أقلاما مؤمنة صادقة دافعت عن الأمجاد العربية ودعت إلى المقاومة والتجمع.
وقد تأثر المفكرون في أقطار الشمال الإفريقي بالأدب العربي في مصر وأثار جمال الدين الأفغاني ومصطفى كامل والمويلحي وحافظ وشوقي، وهبت في وقت واحد محاولات لإحياء التاريخ العربي القومي وتجمعت الأمة بعد أن تفرقت ودعمت كيانها القومي ثم تداخلت عناصرها فإن ما حدث في الجزائر حدث في تونس، ونشر الثعالبي مقالات وطنية نارية هاجم فيها فرنسا في صحف مصر وسوريا والعراق والحجاز والهند وكانت هذه المقالات تترجم إلى الفرنسية وتنشر في صحف مصر مقالات نارية وقصائد من العراق في تونس مكان مرموق. وكان لشوقي في الشام ولحافظ في لبنان مكان واضح، وتعد مسألة «التجنيس» في تونس من أبرز القضايا الفكرية في تاريخها الطويل، وكان للصحافة في تونس أكبر أثر في توسيع دائرة الحركة الفكرية وكان للجمعية الخلدونية أثرها في التجاوب مع الشرق العربي في جميع أحداثه ومواقفه.
وقد كان قوام الأدب العربي في هذه المرحلة الإيمان بالحياة والأرض والحرية وقد أبان عن عمق التشبث بالوطن وبرزت فيه روح التطلع إلى المستقبل بإحساس الأمل والتفاؤل وتأكيد الروابط بين أقطاره مع تأكيد الوحدة العربية الكبرى.
وكما ذهب شكيب أرسلان من لبنان إلى جنيف فأقام فيها ذهب علال الفاسي إلى مصر والشرق وذهب الثعالبي إلى الهند والبشير السع داوي إلى دمشق.
وكانت مصر بالنسبة إلى ليبيا مركز المقاومة للإيطاليين، وكانت من قبل بالنسبة لسوريا مقر الجمعيات السرية لمقاومة العثمانيين.
وقد تجاوبت مصر وسوريا وتونس وفلسطين وحملت صحافتها لواء الدفاع عن ليبيا وكشف جرائم الاستعمار الإيطالي، وفي  الوقت الذي أوصد الاستعمار الإيطالي أبواب ليبيا عن الكتب والصحف العربية، كان الشباب الليبي نفسه يندفع ليربط نفسه بالفكر العربي مهاجرا، وقد فرضت ليبيا تعلم اللغة الإيطالية وقاومت اللغة العربية حتى أنها أودعت السجن مجموعة من الشباب كانت تقرأ كتب العبرات للمنفلوطي.
كما أن صحف الاستعمار أخذت تذيع الأخطار المدمرة للعقل العربي فضلا عن أنها أشعلت النيران في المكتبات العربية الضخمة وساقت الجماهير ليشاهد واد ثقافته ولكن هذا لم يطفئ جذوة النضال عند المستعمر بل زادها اشتعالا ومن وراء صفوف الحرب كانت القصيدة العربية الليبية تهز المجاهدين وتدفعهم إلى الاستشهاد وساهم الشعر الليبي في بث الوعي العربي ولم تشغله معركته الوطنية عن الدعوة للوحدة الكبرى، وأضاف المعهد الجنوبي إلى الأزهر والزيتونة والقروي مزيدا من طلاب الثقافة، وفشلت محاولة ايطاليا لسحق اللغة العربية وإفناؤها وإلقاء تراثها في ليبيا ولم تستطع ثلاثين عاما من مقام اللغة الإيطالية في ليبيا أن توهن من اللغة العربية أو تضعف مكانها. 
وفي السودان جرت محاولات لعزل العرب عن البربر، ومن السودان ومصر جرت المحاولات لعزلهما، ولكن الفكر العربي ربط بين مصر والسودان من ناحية، وربط بين البربر والعرب في السودان فقد كان عسيرا أن تخرق قوة قد امتزجت. ولقد لقيت العربية في السودان من عنف الاستعمار البريطاني بعد الاستبداد العثماني مثل ما لقيت مصر، وقد قاومت في ثورات متتالية وقد انبعث في أنحاء السودان بعثات بكر وغوردون وجي وكزاتي تعمل على استئصال جذور الوحدة ومنع الامتزاج بالقوة وقاومت كل زعماء العرب السودانيين الذين يحملون اللغة العربية وقتلوا وطردوا إلى منطقة البحيرات وتجمعت كل هذه الاضطهادات في إطار ثورة ضخمة تحمل علم المقاومة العربية كانت رد فعل حقيقي عنيف ضد أعمال الإبادة والتجزئة.
وكانت المهدية كالسنوسية والوهابية حركة سياسية فكرية تهدف إلى المقاومة والتجمع، حتى أن المهدي في السودان كان يطمع أن يفتدي عرابي المحكوم عليه بالنفي، ولم تستطع الثقافة الانجليزية التي حاول الانجليز إقرارها القضاء على الثقافة العربية واللغة العربية بالذات، واستطاع السودان أن يستوحي سلالاته وقبائله وماضيه وتراثه دون أن يؤثر ذلك في روابطه العربية وتأكد أن العناصر البشرية فيه قد امتزجت إلى درجة يستحيل معها الاحتفاظ بفكرة البقاء العنصري وكذلك حدث في تونس وليبيا ومراكش والجزائر.
وساهم الشعر السوداني فالنثر السوداني في إحداث الأمة العربية مساهمة فعالة وتجاوب مع القومية العربية، وبدأ فيه عمق الروابط بين مصر والسودان وحدة الدين واللغة والمصالح المشتركة والمقاومة لكل أسباب الاستبداد والاحتلال وحمل الشعر السوداني كراهية الاستعمار الغربي واستمرار المقاومة وبروز العامل الوطني الذي التقت فيه الأجناس السودانية.
وفشلت مؤامرة القضاء على اللغة العربية في السودان وفي الجزائر العربية، كانت المقاومة واضحة في الأدب اليمني وأدب الخليج.
وكان للبترول أثره الاجتماعي والفكري البعيد المدى، حيث بدأت المجتمعات تأخذ صورة جديدة ظهرت في بناء مجموعة ضخمة من المباني مع إدخال مظاهر الحضارة الغربية وبعض مخترعاتها النافعة.
وفي «اليمن» أدب يحمل معنى المحافظة على الاستقلال والمقاومة لكل ما هو بسبيل أن يؤثر على الحرية، وفي عمان والبحرين وقطر أدب يقطر دما، ويصور البطولة والفدائية –وفي «الحجاز» أدب فيه الإحساس بالبكاء على المجد العربي القديم والدعوة إلى اليقظة والاتجاه نحو المعالي.
وفي الكويت أدب فيه قلق فكري وتطلع إلى الغد، وفي «لبنان» أدب تمدح فيه المدرسة اليازجية والج برانية المنطلقة الشاعرية «الأرض» وهي أقوى أبطال القصة اللبنانية و«الهجرة» أهم موضوعاتها. وفي «سورية» أدب فيه لإيمان عميق بالقومية العربية والوحدة وفيه تطلع إلى الآفاق البعيدة وأبرز مظاهره الإيمان بالحرية والعروبة وقد قاوم الأدب الشامي صراع اللغة التركية كما قاوم صراع الثقافة الفرنسية، واصطبغ الأدب العراقي بصبغة التمرد على الحياة والضجر من الطبيعة والتأفف من الناس، كما وسم بالخطر وقد نافح الأدب العراقي عن الحرية كما نافحت الصحافة العراقية وقدما ضحاياهم كتاب وشعراء سجنوا وشردوا وقتلوا، وقد تنبأ زكي مبارك منذ أكثر من عشر سنوات بأن العرب مقبلون على تاريخ جديد لا تنهض قواعده بغير الإخاء الصحيح، ومن أجل هذا تبذل الملايين من الدنانير الأجنبية لتمزيق ذلك الإخاء أو قتله في المهد).
وقد قاسى الأدب العراقي كثيرا فقد كانت الصراحة في الأدب والتعبير تلقي جزاءها ثمنا عاليا فادحا من المطاردة والحرمان.
أما الأدب العربي في مصر فقد قاوم طغيان أسرة محمد علي وخديوي ها، وكانت ثورة عرابي والاحتلال ودنشواي والحماية وثورة 1919 أحداثا ضخمة تأثر بها الدب العربي، وقد شرد كتاب مصر ونفوا وسجنوا وقاسوا الإرهاب.
وكانت كلمات جمال الدين الأفغاني ومصطفى كامل وعبد الله نديم وعبد الرحمن الكواكبي وعبد العزيز شاوي شي تهز الشرق كله، وقد هزت أشعار شوقي وحافظ والبارودي والمنفلوطي ضمير الأمة العربية، وقد هاجمت الأمة العربية الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي ومن قبل الاستبداد العثماني بصحافة مصر ومطابعها وامتزجت عوامل الفكر والثقافة والأدب بين مصر وسوريا، وكان للسوريين أثر واضح في صحافتها واديها، (وهكذا صور الأدب العربي المعاصر وحركة المقاومة والتجمع، صور أدب فلسطين، أدب الدم والثأر، وصور أدب المغاربة الأشداء مقاتلوا الجبال، وصور الجزيرة العربية بصحرائها و وهادها وجبالها، وصور هجرة السوريين واللبنانيين من وجه الظلم والمجاعة والاضطهاد إلى أمريكا وإقامتهم هناك يصنعون المجد والثورة ويعودون بها فكان أدبهم هناك ذوب حنين وصيحة إيمان بالعروبة ودعوة إلى التحرر وكانت مجزرة (سطيف) في الجزائر ومعركة (ميسلون) بالشام ومأساة؛ دنشواي في مصر لها رنين في الأدب وصوت بارز.
وظهر الشعر الاجتماعي يدعو إلى تحرير المرأة ويطالب بالعدالة الاجتماعية، وبالرغم من أن الأدب المحلي ظهر ف يمصر ولبنان والسودان وأجزاء كثيرة من العالم العربي يحمل الدعوة إلى الوطنية الضيقة ويفاخر بالأمجاد الفرعونية والفينيقية أو غيرها فإن ذلك قد أصبح على مرور الزمن إيمانا بأن الأدب الوطني قد يستمد من مجده الفرعي قوة الدعوة للمجد العربي الأصيل وأنه حين يمجد رقعته الضيقة إنما ينظر إليها على أنها جزء من الوطن العربي الكبير ولا شك أن عظمة لبنان هي عظمة للعرب وأن شجاعة سورية هي جزء من الشخصية العربية وأن امتزاج الجناس في تونس والمغرب والسودان هي حقيقة قائمة وراء الإيمان القوي بالقومية العربية.
وكذلك لم يعرف الأدب العربي في هذه الفترة : العزلة والانكماش ولم يعرف السلبية، وإنما أمدته هجمات الاستعمار ومؤامرات التغريب ودعوات الانفصالية والتجنيس والتجزئة قوة على أن يحيا ويعمق ويتسع فاستفاد من الأدبين الفرنسي والانجليزي في الأسلوب والمعنى وفي لعرض والأداء، وامتص منهما ما زاده قوة في نفس الوقت الذي ظلت ملامحه الحقيقية واضحة لم يضعفها الامتصاص، وبذلك لم يحقق لدعاة التغريب من العرب مطمعهم في أن ينتقل من العربية إلى العامية أو من الأصالة على الركاكة، أو يتنكر لأمجاده ويزدريها أو يستجيب للقومية الضيقة وينفر من التجمع، وسافرت البعثات متوالية من القاهرة وتونس ومن سوريا ولبنان ومن كل أنحاء العالم العربي إلى أوربا وعادت دون أن يغير ذلك من فهمها –إلا أفرادا قلائل كشفهم العرب ونبذوهم- بل إن الذين ذهبوا إلى أقصى الأرض وعاشوا في قلب التيار الغربي لم يستطع هذا التيار أن يطويه فيقول الشاعر القروي في مهجره : (أمتي أنا مكثرا ووطني أنا مكبرا، إذا اقتطع ذئاب الاستعمار منه قطعة، فكأنما أكلوا جارحة من جوارحي، وإذا هدروا عربيا في لبنان أو تطوان فكأنما شربوا نخبة من دمي، أنا وحدي سبعين مليونا من العرب كل واحد منهم أنا، فينبغي أن أحبهم سبعين مليون حبي لنفسي، من افتداهم فكأنما أحياني سبعين مليون مرة ومن خانهم فكأنما قتلني مثلها). 
وهكذا غلبت قوة الأدب العربي الأصيلة على التيارات الضالة التي ما تزال تتردد في خفوت ويحملها عملاء للغرب من العرب يدعون لها بأسلوب أو بآخر ولكن ليس في حماسة ما كان في الماضي ولا في قوته ونحن نثق بأنه لم يعد ممكنا بعد أن بلغ عمق القومية العربية في الأدب ما بلغ أن تستطيع هذه المذاهب التغريبية أن تنتصر أو تجد سوقا رائجة...
ولكنا نحن الأدباء العرب مع ذلك يجب أن نظل في يقظة نواصل معركة المقاومة التي لم تنته بعد، وصدق الرصافي إذ يقول :
إننــا أمــة تــدرا الضيــم  *  ولا تستكيــن قــط لغاصــب
وقد أمكن في خلال هذه  الفترة أن تدحض نظريات كثيرة كانت متألقة في أول القرن فلم يعد صدقا ما قيل من أن الثورة العربية كانت مستقاة من الثورة الفرنسية، وقد مضى عصر المذابح الذي كان يبكي فيه أدباء العرب على سقوط فرنسا، والذي آمن فيه بعض المبهوتين العرب بظلمات فرنسا البراقة بعد أن سمعوا عن مجازرها في الجزائر.
ولم يعد هناك اتجاه إلى الثقافة الفرنسية أو الانجليزية أو الأمريكية معروفا في الثلاثينيات من هذا القرن.
وقد ساد الأدب العربي المعاصر كله خلال فترة (المقاومة والتجمع) اتجاهين واضحين : التجديد في الأسلوب والموضوع، والتطور مع روح العصر ومقتضيات الزمن والمحافظة على القديم والتمسك بالتراث العربي واحتذائه وبعثه.
ولا شك أن مأساة فلسطين وحدت العرب وكانت بعيدة الأثر في أدبهم وتاريخهم كله، وهي –مع معركة الجزائر القائمة منذ خمس سنوات- قد كشفت الغرب على حقيقته وأعطت العرب صورة واضحة لمدى بربرية الحضارة الغربية ومدى كذب الإدعاءات التي تحملها الثقافة الغربية من كلمات الحرية والإخاء والمساواة وذلك انهارت ثقة العرب في ثقافة الغرب ومن ثم مضى الأدب العربي الحديث يستمد قوته من أمجاده يبعثها من جديد ويضيف إليها أمجادا وبطولات جديدة.


(1) عفوا يا أستاذ فإن المغرب الأقصى لم تشمله السيادة العثمانية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here