islamaumaroc

تخفيض قيمة العملة وأثره على النشاط الاقتصادي

  دعوة الحق

26 العدد

إن سياسة تخفيض العملة عملية درجت عليها السياسات الاقتصادية لمعظم الدول –إن لم تكن كلها- منذ عرف النظام النقدي فيها...
ونحن إذا رجعنا إلى الأسباب والدوافع التي تدفع إلى اتخاذ إجراء تخفيض القيمة الاسمية للعملة نجدها في الغالب الأعم دوافع إصلاحية، طالما حققت نتائج جليلة في التنمية الاقتصادية والازدهار التجاري خارج البلاد وداخلها.
وقبل أن أتحدث عما ينتج عن التخفيض من نتائج وآثار مباشرة ضارة ونافعة يجب أن أقف لألقي نظرة خاطفة على النقود (العملة) والمقصود منها والمدلول العام لمعنى التخفيض.
كلنا يعرف جيدا أن قيمة عملة بلد من البلاد تحددها سياسة حكومته حسب ما لديها من احتياطي ذهب في خزانتها وصكوك على الحكومات الأجنبية وعملات صعبة أجنبية... إذ تعتبر هذه الثورة هي الغطاء الذي تصدر تحت حمايته الحكومة هذه الأوراق التي نسميها نقودا والتي نشاهدها كل يوم نتداولها في معاملاتنا العادية...وفي الغالب تعطى لبنكها المركزي الوطني حق إصدار النقود المتداولة أي إخراج قيمة تحددها الأرصدة أو الغطاء الذي يكون لدى الدولة في الخزانة بنسبة معينة بحيث تكون لهذه الأوراق المسماة  بالبنكوت قوة إبراء غير محدودة... كافية لضمان المعاملات التجارية وتبرئة المدينين بحيث يقبلها كل دائن، ما لم ينص العقد المبرم بينه وبين مدينه على خلاف ذلك أي تسديد الدين بعملة بلد آخر (العملة الأجنبية) وهذا الإجراء الخير يجب ألا تغفل عنه الحكومة لأجل خطورته على فقد الثقة في العملة الوطنية وبالتالي قيمتها...
ولما تحدد قيمة البنكنوت (الأوراق النقدية) بقيمة ما عينيه سياسة الدولة المالية وحسب رصيدها... تصبح طريقة أو عملية الصرف مع سائر عملات الدول الأجنبية خاضعة لنسبة معينة. إذ تكون قائمة على أساس نسبة الذهب الذي تحويه كل عملة بالنسبة للوحدة النقدية لكل دولة.. مقارنة بنسبة ذهب وحدة من نقود دولة أخرى...
فلو كان الدولار الواحد مثلا يساوي غراما واحدا من الذهب... وكانت الألف فرنك تساوي غرامين اثنين من الذهب... كانت القيمة الاستبدالية أي قيمة الصرف بين كل ألف فرنك دولاران اثنان... أي
-1 :2- وبهذه الطريقة تحدد قيمة الصرف الرسمية بالنسبة لكل عملة أجنبية... على أن هناك بعض الاعتبارات لابد من أخذها في الحسبان بهذا الصدد... كحالة العرض والطلب على عملة معينة.. بحيث تزيد القيمة السوقية للعملة كلما ازداد الطلب عليها والعكس صحيح.. وهذه ظاهرة طالما شاهدها سكان طنجة..
أما عن التخفيض ومعناه فما هو في الأصل إلا إحداث لزيادة المتداول من الأوراق المالية لزيادة السيولة داخل البلاد ولكسب الأسواق خارجها..
وقد تلجأ إليها الحكومة إما لتغطية عجزها في الميزانية المتلاحق أو لزيادة الإنفاق في مرافق الإنتاج والاستثمار وقد يكون للاثنين معا... أو الأغراض أخرى كتثبيت العملة إذا كانت متدهورة وغير ذلك...
والتخفيض يتمثل في زيادة ما هو متداول من الأوراق المالية المصدرة وذلك بزيادة إصدار أوراق جديدة مع ثبات نسبة الغطاء أي الرصيد من الذهب والعملات الأجنبية...
فمثلا لو كان الرصيد للغطاء يقدر بـ 000 000 5 غرام ذهب وكانت الأوراق التي تمثله تساوي 000 000 500 2 فرنكا وهذا مجرد فرض.. فإذا كانت نسبة التخفيض في قيمة العملة 20% أي 1/5 قيمتها كانت زيادة الأوراق التي يجب إصدارها ب 500 مليون من فرنك لأن قيمة الغرام واحد من الذهب أصبحت تساوي 600 فرنك وبالتالي يصبح مجموع الأوراق النقدية القديم منها والجديد 3.000 مليون مع ثبات الرصيد على حاله.
وهذه الزيادة في الأرصدة الممثلة في 500 مليون تستطيع أن تستغلها الحكومة في أوجه عديدة.. وهي تختلف بحسب الظروف... فهي تستطيع توجيها إلى الاستثمار أو إلى الخدمات العامة في اتفاقها.. حسب ما تقتضيه السياسة.
فهي تقوم بزيادة الإنفاق على الخدمات العامة متى رأت حالة كساد وعم إقبال المستهلكين على الإنفاق مع تضخم الاستثمار في السلع الرأسمالية.
أما إذا رأت فتورا في ميدان الاستثمار وتوظيف رؤوس الأموال فهي تقوم باستغلال موارد الإنتاج بإنشاء منشآت توظف فيها أيادي عاملة وتستغل بها موارد طبيعية معطلة... حتى تحد من وطأة الحاجة إلى المنتجات وتخفف من ندرة الحاجيات وتنشط المرافق الاقتصادية المختلفة..
على أن زيادة أوراق النقد ليس كله محاسن بالنسبة للمجتمع لأنه إذا كانت عناصر الإنتاج أي الأيادي العاملة والطاقات الإنتاجية للمصانع كلها متشبعة والموارد الطبيعة كلها مستغلة.. أي وجود حالة تشبع.. ففي هذه الحالة زيادة الأوراق النقدية المتداولة مع ثبات حالة المنتجات معناه حدوث تضخم أي ارتفاع في الأسعار...
ولكن لما كانت الظروف التي تخفض فيها العملة هي حالة وجود انكماشية في الغالب أي وجود أيادي عاطلة وموارد غير مستغلة كل الاستغلال لذلك فالنفع يعود إذا وجه الجزء اللازم لإعادة تلك الفجوة إلى حالتها الطبيعية وبذلك نتجنب حالة ارتفاع في السعار لتوافر السلع والمنتجات بحيث يتساوى أو يكاد جانب الطلب والعرض.. وبذلك تتم الموازنة..
ونتائج التخفيض بالنسبة للمعاملات الخارجية واضحة ففيما يتعلق بالتصدير والإيراد نجد أن ميزان المدفوعات يجب أن يحكم بسياسة تدفع به إلى تقليل ما أمكن من جانب الواردات حتى لا تترجح كفة الواردات على كفة الصادرات لأنه إن كان هناك فرق في الميزان ناتج عن زيادة الواردات كان معنى ذلك تسديد الفرق بالعملة الأجنبية ولما كانت العملة الأجنبية أصبحت بعد التخفيض أعلى قيمة –مما كانت عليه العملة الوطنية لذلك يكون معدل التحميل أعلا من ذي قبل.
وهذه الحالة تلفت نظرنا إلى قضية تسديد أقساط الديون وفوائدها للدول الأجنبية.. فبعد التخفيض يصبح هذا العبء أكثر وطأة وأشق..
أما بالنسبة لأثر تخفيض قيمة النقود على الفرد فالشخص المدين يغنم من هذا الإجراء بينما الدائن يغبن في حقه هذا إذا لم يكن هناك اتفاق على خلاف ذلك وقد أسلفت الكلام عن هذه الحالة.
وكذلك بالنسبة لذوي الأجور الثابتة فهم يتأثرون بل يعانون كثيرا من وراء هذا التخفيض وربما يصيبهم الغبن نتيجة لنقص القوة الشرائية مع ثبات دخلهم.. وبذلك تقل مقدرة الأفراد على الادخار..
ونقص القوة الشرائية يوحي بعدم الاطمئنان إلى العملة وفقدان الثقة بها مما يجعل الأفراد يسرعون للتخلص مما تحت أيديهم من نقود بشراء سلع ومنتجات.. وسرعة زيادة الطلب هذه لا توازنها زيادة مماثلة في السلع والمنتجات مما يؤدي إلى زيادة أكثر في الأسعار وهبوط أكثر في قيمة النقود.. ويكون في هذه الحالة من الأوفق أن تدخل الحكومة مساهمة في ميدان الإنتاج باستثمار الأموال العامية حتى تسد الفجوة في الاستثمار الخاص.. 
على أنه رغم كل ما قد يعقب تخفيض قيمة العملة من مساوئ فإن الحكومة المتيقظة تضع دائما نصب عينيها تحقيق خطة اقتصادية مرسومة وبرامج إنشائية للتنمية الاقتصادية والازدهار.. وهذا يتحقق ما دام هناك مجال للاستثمار كوجود أيدي عاملة صالحة وموارد طبيعية غير مستغلة نافعة وخبرات أجنبية سديدة غير متحيزة.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here