islamaumaroc

فضل العربية على التركية

  دعوة الحق

26 العدد

إذا كانت العربية قد اتصلت في عنفوان شبابها بالفارسية فاستفادت وأفادت –شأن الكائن الحي النشيط- فإن هذه العربية وقد اتصلت بالتركية أو اتصلت هذه بها لم تستفد من التركية لا كثيرا ولا قليلا، وإنما استفادت هذه منها في كل شيء.
ذلك أن العربية إذا ما استفادت من الفارسية –على بون ما بينهما من اختلاف جنسي- فإن هذه كانت لغة حضارة راقية لها مقوماتها الأدبية المتينة فكان من الطبيعي أن تستفيد منها العربية وتقتبس من نورها الوهاج كما كان من الطبيعي أن تبث هذه العربية الشابة فيها حرارة الشبان وأن تبعثها من جديد فتنشا لغة جديدة قد نفضت عنها غبار الشيخوخة المثقلة بأعباء الدهور وأوكار التقاليد.
أما التركية فلم تكن –إزاء الفارسية- بشيء من ذلك،ليست لها لغة حضارة راقية، ولا أدب رفيع مدون، وإنما كانت لغة قبائل رحل تدفع بهم أفراسهم إلى أقاصي المعمور وتقذف بهم أواسط أسيا «منطقة الفرس» -كما في الاصطلاح الجغرافي- مغيرين متسلطين، لا مثل عليا يحملونها إلى هذه الجهات النائية، ولا مشعل دين ينيرون به ظلماتها، ولا أدب رفيع يرددون ألحانه في جنبات تلك البلاد، وإنما هم مهاجرون كاسحون طالبون للرزق مغتصبون للبلاد. لهذا لم تستفد منهم البشرية لا في عقولها ولا في وجدانها، فلم يكن هناك داع لتلتفت إليهم الأبصار وتتوجه إليهم الأنظار وتتحول الألسن لتتلمظ ببعض الأساليب أو الكلمات، خصوصا ولا علاقة جغرافية أو تاريخية كانت تربط بين الأمتين ولا عقلية متقاربة ولا أذواق مستساغة، ثم هذا البون الشاسع في تركيب الجملة تركيبا ينقلب بها رأسا على عقب، ومن حق أن يصدر هذا الحديث «اتركوا الترك ما تركوكم» ففيه أكثر من مغزى سواء صح أم لم يصح، فالعنصر العربي بمقوماته –ومنها اللغة- لم يستفد من هؤلاء شيئا ولم يستفد الدين نفسه إلا استفادة في الظاهر، أما في الباطن فقد كانت تلك الاستفادة عائدة على الأتراك أنفسهم، وعن استغلال مجرد أو غير مجرد توسلوا بالدين فانتشروا في بقاعه ومدوا سلطانهم بواسطته فتمكنوا من عوالم لولاه ما كانوا ليتمكنوا منها ولا كان في يدهم سيف باتر لو لم يستلوه من غمد الدين، بعدما أصابه منهم ما أصابه..
لقد اتصل بهم الإسلام وحمل إليهم شحنة الحضارة ومصباح النور الإنساني وما تفتحت أعينهم على أضوائه الباهرة حتى كانت الهجرات إلى قلب الخلافة وحتى تمكنوا في أمد قصير أن يتقلدوا محاملها وينالوا من المعتصم ثقته بهم واعتماده عليهم في تسيير الجحافل وتنظيم الخطط الحربية وسرعان ما تعدوا ذلك إلى أن قبضوا على الخلائف أنفسهم إلى أن صار هؤلاء في أيديهم لعبة لاعب فلم يرعوا فيهم –كما رعى الفرس- إلا ولا ذمة وفقدت الخلافة حرمتها وخارت قوائمها إلى أن كانت كارثة أولئك الذين خلفوهم وراءهم، كارثة التتار والمغول أبناء أعمامهم.
لنعد على أمجادهم الإسلامية فيما مضى فنجد منها دولة الغزنويين التركية، لقد عملت هذه الدولة –وعلى رأسها محمود- كثيرا من الأعمال في الفتوح والحضارة، ولكن في هذه الناحية بالذات ألم تكن الحضارة قائمة على أكتاف الفرس أو لم تكن الآداب التي انتعشت في عهدهم هي الآداب الفارسية التي بعثها الإسلام وحلتها لغته العربية؟ نعم : كان كل ذلك، وكان محمود في تلك البيئة بمثابة محمد علي الألباني التركي في البيئة العربية، فكلاهما نهض ولكنه نهض في بيئة غير بيئته وحمل بيده قبسا اقتبسه من أولئك الذين نزل بين ظهرانيهم فكان الموقد وهو المؤرثين أو كانوا أصحاب النار وكان الذي عشا على ضوء نارهم، ولولاهم لما كان شيء.
التركية بحكم بدائيتها ونظامها المعقد أطلت على عالم العربية فذهلت منه وخشعت أبصارها له، واتصلت بالفارسية وقد طعمت بالعربية كثيرا فاشرأبت أعناقها غليها ووجدتها –وهي جارتها- أقرب السبل للاستفادة في أوسع معانيها، فحملت لغتها عناصر هذه –ونصفها عربي- فانتعش بها  أدبها أو خلق خلقا جديدا وكان لها فن قولي إسلامي تجلى في تلك اللغة التركية الحديثة «العثمانية».
وطبعا إن هذه المحاولة كان عليها أن تصمد للأزمان الطوال وكان غرسها لابد أن تتمكن جذوره من الأرض الطيبة زمنا غير قصير حتى يوتي أكله، وكان بعد حوالي قرنين من الزمان أن ظهرت اللغة العثمانية والأدب العثماني نسبة إلى الأمير عثمان العظيم.
ومن الطريف أن نطلع على المنشور الذي جعله أميرا على ولاية «سيكود» وكان ذاك المنشور من لدن علاء الدين السلجوقي آخر السلاطين السلاجقة في آسيا الصغرى. فهو منشور صدر من تركي إلى تركي ولكنه في لعنته وأسلوبه فارسي إسلامي تتخلله الآية القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار العربية والحكم الصوفية العربية أيضا، فليس فيه على طوله كلمة تركية فبالأحرى ألا تكون فيه جملة تركية.
وهكذا بقيت اللغة التركية في صمت عميق لا نبس له بين أصداء الآداب وفي شلل كلي لا تستطيع معه يد أن تصر فلما، وفي عراء كاشف لا يسرها لباس، على أن ركبت –بعد الانتعاش- في منحرها حنجرة غيرها ووصلت بمنكبها ساعد غيرها ثم ارتدت بيدها الصناعية رداء غيرها وكانت العربية هي المعيرة بيدها العربية الخالصة وهي المنيلة باليد الفارسية وقد تختمت أصابعها بخواتم عربية وحليت معاصمها بأساور عربية فتحركت اللغة العثمانية وقد نفخت فيها الأرواح وانبعثت من تلك الحناجر الأصداح واختالت مزهوة بذلك الرداء ولكنها مع ذلك أو لذلك –والكل مستعار أو صناعي- لم تكن إلا مقلدة في كل شيء ومرددة لكل شيء...
كان على رأس شعرائها في القرن العاشر شاعر جادت به العراق وإنشائه «الحلة» ذلك الشاعر هو «فضولي» وهو فضولي حقا حينما تناول كثيرا من الموضوعات فشعر فيها أو ترجمها على اللغة العثمانية ومن منظوماته «ليلى ومجنون» ومن مترجماته عن الفارسية كتاب «روضة الشهداء» لحسين الواعظ الكاشفي في أخبار أهل البيت، فسماه في ترجمته «حديقة الشهداء».
وكان الشاعر الأديب إلى جانب كونه محسنا للفارسية كذلك كان محسنا للعربية حيث ترجم منها «كليلة ودمنة» على الفارسية، ونقل قصة «مجنون وليلى» إلى التركية.
ومهما يكن فقد كان هذا الأديب في التركية من طلائع الأدباء الذين كانت لهم مكانة أصلية فيما بعد، ومن ثم ارتقى الشعر بالخصوص ونال قمته في الكمال على يد شاعر عربي الأصل هو «عبد الحق حامد» وهذا الشاعر لم يمض على وفاته أكثر من نيف وعشرين سنة وهو أعظم شاعر في العثمانية على الإطلاق ومنظومتاه «مقبر» و «أولو» تعدان بحق من أعظم ما كتب في الآداب العالمية.
لنرجع إلى ما وراء خمسة قرون فنجد أن النحو التركي لم يؤلف فيه إلا عربي ولم يؤلف فيه إلا في بيئة عربية أوت بعض الأتراك، ذلك المؤلف هو أبو حيان الأندلسي صاحب التفسير الشهير وغيره. فحتى النحو التركي لم يجمع شتاته، ولم ينظم قواعده إلا عربي وبلغته العربية وفي بيئة عربية، ولولا ذلك لتأخر الزمان بالتأليف في النحو التركي إلى أن تكون عقول الأتراك مستعدة له. وما كان الصولي وقد نبغ في العربية ليلتفت على لغته الأم أو الجدة ليؤلف في قواعدها. 
بقي علينا أن نلتفت إلى نشاط الأصابع العثمانية فنجدها تتناول القلم العربي فتخط بالحروف العربية مضافة إليها الحروف التي حورتها الفارسية من مفاخرها ويقول الترك : قد اكتملت عدتنا وهذا عتادنا ويصيح إليهم التاريخ وتصغي إليهم العلوم وتنقش بهم الفنون، ولكنهم ما أصيبوا بكوارثهم وما تكالبت عليهم جيرانهم وعملت الصليبية في هدم كيانهم حتى استكانوا لقصف مدافعهم وانساحوا في مجرف تيارهم فقالوا علينا أن نطبع وعليكم –مرجوين- أن تبقوا، وقذفوا بالكتابة العربية وطوحوا بالألفاظ العربية وحاولوا واهمين أن «يطهروا» منها لغتهم.. ولكن هل وفقوا فكل ذلك ؟.
هذا سؤال يمكن أن تجيب عنه بذلك النشيد القومي الخالص الذي نظموه لنشأتهم بعد ما مضى على ثورتهم وتأسيس جمهوريتهم عشر سنوات : هذا النشيد اسمه «توركيه جمهور تينك أو ننجي بيل مارشي» أي نشيد السنة العاشرة للجمهورية التركية، ففي هذا النشيد قلما يخلو بيت من كلمة عربية –حسبوها تركية- ولنقرأ منه هذين البيتين :
جيزه رك فانمز له أوزيوردك «خريطة» سنى
               دينديردك «مملكتك» ييللـر سـوره ن ياسينـي
بوتونله دك هريوندن «استقلال»قاو غا سينـي
                  بوتون «دنيا» أوكره ندى توركلكي صايما سيني
فهذان يبتان فيهما أربع كلمات عربية تضاف عليها كلمة الجمهورية الواردة في العنوان والدولة معا ومعناهما:
لقد خططنا بدمائنا «خريطة الوطن الأم
               وهدأنا روع «المملكة» الـذي امتـد سنيـن
وحققنا ثورة «الاستقلال» من كل ناحية
               فتعلمت «الدنيا» جمعاء احترام الجنس التركي
أما الكتابة الحديثة فيكفي ما فيها من اضطراب أنها لا تفرق مثلا بين «عن يمينك» و «في كتابك» وبين «عن يمينه» و«في كتابه» من كل «مفعول فيه» و«مفعول عنه» -كما يسمون- كان ضمير مخاطب أو غائب مفرد مضاف إليه، فالكتابة الحديثة لا ترفع ذلك اللبس بخلاف الكتابة العربية القديمة فترفع ذلك حيث تجعل في الخطاب كافا نونيا وفي الغيبة نونا وكفى، والكتابة العربية ليست مسؤول ولكنهم المسؤولون، حيث استعملوا الكاف لتدل على ما تدل عليه في العربية، أو لتؤدي ما تؤديه الياء، أو لتحل محل النون أو الكاف الفارسية، ولم تكن لها في أول الأمر علامة تميزها عن غيرها إلا السياق التركي لمن يفهم التركية جيدا، ثم وضعوا على الكاف النونية ثلاث نقط ووضعوا –كما وضع الفرس- عارضة على الكاف الفارسية وبقي الإشكال بين الكاف العربية والكاف اليائية، وكان من الممكن أن يكتبوا التركية عن طريقة يجعلون الحركات فيها داخلة في نظام تركيب الحروف ويظلوا بذلك محافظين على الكتابة العربية ولكنهم فيما بعد طرحوا هذه الكتابة بالمرة –لعوامل تملقية- واستعاروا من الألمانية والطليانية والفرنسية والروسية بعض حروفها، بل أنهم استعاروا حتى الحروف التي اخترعها المستشرقون لتأدية النطق العربي، فكانت العربية حتى في كتابتهم الجديدة ذات فضل غير مباشر على التركية..  


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here