islamaumaroc

رقصة الحظ

  دعوة الحق

26 العدد

اعتاد قضاء عطلته الأسبوعية خارج العاصمة، ولم تكد الساعة تشير إلى الثانية عشرة، ولم تكد تمر على مغادرته لمكتبه سوى بضع دقائق، حتى كان يشق طريقه نحو أحب مدينة إلى نفسه.
كانت السيارة تنهب الطريق تحت سماء المغرب الصافية الأديم، وشمس مارس الدافئة المنعشة، و كان تشاؤمه وانفراده يحرضانه على الاستعجال للتخلص من وحشة الآلام التي تضنيه، ولربح أكثر ما يمكن من الثواني، كانت اللحظة عنده تساوي الملايين.
 وفي غمرة هذا السباق مع الزمن عاودته فكرة طالما استبدت بعقله وقلبه، وطالما حاول اعتبارها وهما عابرا، وطالما حاربها بكل سلاح.
فكرة مزمنة قاتمة كانت تعاوده بين حين وآخر وتجعله يعيش تحت عذابها المرير، عذاب انتظار ساعة رهيبة ستعصف بحياته خلالها أقسى وأفظع فاجعة ستحل بإنسان!
ولم يحارب هذه الفكرة السوداء خوفا من الموت ولا حبا في البقاء، وإنما كان يقلقه أن يغادر هذا العالم قبل قيامه بأداء رسالته في الحياة :
كان يعشق الحرية منذ صباه ويستميت في الدفاع عنها متحملا في سبيلها أشد أنواع الغربة والتعسف والاضطهاد.
وكان إيمانه بحرية العقيدة يبلغ درجة قصوى من المتانة والقوة، وازدراؤه للمساومة فيها يثير في نفسه غضبا من الحدة والعنف بمكان.
ومما زاد هذا الإيمان قوة، وذلك الحب رسوخا ما رآه في بلاده من جبروت المستعمرين، وما يراه –خلال هذه الفترة الحاسمة- من تطاول على الفضيلة والعدالة والمبادئ السامية، واستعمال معاول الهدم لمحاولة القضاء على أعز ما نملك من مثل عليا، وأعظم ما تمتاز به إنسانيتنا من حرية وعقائد ومقدسات.
ولم يكن ليستطيع إيقاف ثورة نفسه كلما رأى صولات للخداع والنفاق، وجولات للانتهاز والإقطاع، وضربات قاسية تكال تباعا للأحرار، وجرائم شنعاء يذهب ضحيتها أبطال مناضلون وشخصيات مثالية من خير ما أنجب وطننا من أبناء.
وكم كان يرى بأن أسعد الأيام وأخلدها لهي تلك التي يقضيها المواطن خادما لبني قومه، مدافعا عن الحرية والديموقراطية والكرامة، ومقاوما الظلم والظالمين مهما كان مصدر هذا الظلم، ومهما كانت قوة هؤلاء الظالمين.
ومن أجل أداء هذه الرسالة كان يأكل ليعيش ويقلق من أية فكرة تجسم له مغادرة هذا العالم في موكب حزين عقب مأساة مهولة فاصلة، وكان يقاوم بكل سلاح تلك الفكرة المزمنة السوداء ويحاول إزاحة كابوسها عنه، وطرد شبحها عن مخيلته كلما عاودته، وكلما حاولت الاستبداد بعقله وقلبه وتعريضه لهواجس الأوهام.
ولم يلبث أن أنقطع حبل هذا التفكير وزال عنه هذا التشاؤم عندما شعر باقترابه من مكان آهل بالسكان، وخفف من دوران العجلات، وضاعف هذا التخفيف عند ما لمح الرقم الستين داخل دائرة عريضة حمراء، ودقق الانتباه عندما قرأ بوضوح : «بوزنيقة».
ولم يكد يعبر هذه القرية الصغيرة، ولم يكد يلمح علامة انتهاء تحديد السرعة، حتى عاوده جنون الانطلاق.
واشتد دوران المحرك، وأطلقت السيارة عجلاتها للريح، وأخذت تعدو وتعدو كأنها منهمكة في خوض غمار سباق دولي جاسم للفوز ببطولة العالم!
وزاغ عن الجادة، وهاله ما رآه إمامه من عمود كهربائي سميك، ومن صخرة مجوفة مسننة، ومن شجرة قوية مسنة، وكادت مقلتاه تقفزان من محجريهما، وكاد الدم يجمد في شرايينه، وكاد صوابه يضيع، وكادت أعصابه تصاب بانهيار كبير!
وبدافع إحساس غامض أبعد قدمه اليمنى عن موزع الوقود، وبانتفاضة رأسه انتفاضة حادة خاطفة عاد إليه وعيه، فأمسك حلقة القيادة بيدين من حديد، وبذل كل ما في طاقته من جهد للتخفيف من حدة الاضطراب واختلال التوازن.
وتمتعت السيارة بكامل حريتها في الاندفاع، وانطلقت كالصاروخ، وكان من العبث والجنون القيام بأية محاولة لإيقافها!
وفي أقل من لمح البصر، وبسرعة خارقة بلغت الجسر، وحلقت في الفضاء، مارة بأعالي الأشجار، وهوت من علو شاهق إلى قعر الوادي السحيق، ورددت الروابي الدوي الهائل لانفجار العجلات!
لقد التقى مع الموت في تلك اللحظات المخيفة، وانتظر بهلع كبير ضربة القدر القاسمة ورسم ريشته المبدعة الصورة المنتظرة لنهاية حياته.
كان ينتظر ببالغ اليقين أن يدك الاصطدام عظامه ويحيلها إلى رميم، وأن تخترق نصال الزجاج صدره وتفصل رأسه عن جسده، وترسله توا إلى عالم الفناء.  
كان ينتظر ببالغ اليقين انفجاره مستودع الوقود، وتصاعد النيران واحتراقه داخل الحديد الملتحم دون أن يجد سبيلا للخلاص.
كان ينتظر ببالغ اليقين الارتطام العنيف بصخرة صلبة شامخة تجعل منه أشلاء متطايرة في الفضاء أو أجزاء متناثرة فوق صفحة الماء!
كل هذه الصور المثيرة شاهدها أثناء الفترة القصيرة المفزعة التي قضاها بين انحرافه عن الطريق وبين القذف به وبسيارته إلى أسفل الوادي، فترة الرعب القاتل الذي كان وحده كافيا لإخماد أنفاسه قبل أن يعلم ما سيؤول إليه من مصير!
وشاءت عناية السماء أن تتبخر كل هذه الأوهام وتذهب أدراج الرياح، وشاءت رحمة الله أن تدرك عبدا ضعيفا عندما ساقت السيارة بعيدة عن كل العوارض المميتة وألقت بها بين أحضان الحصى والأوحال، وعندما جعلت صاحبنا يهتز في مكانه اهتزازا عنيفا دون أن يصطدم بشيء، ودون أن يصاب بأي أذى، ودون أن يمس ولو بجرح بسيط !
ولم يصدق أنه لا زال على قيد الحياة عندما امتدت يده لفتح الباب، ولا عندما استطاع التسلل والاستواء شبه واقف فوق سطح مقدمة السيارة، ولا عندما قفز إلى ضفة النهير ليتجنب كل ابتلال!   
ولم يصدق بأن الدماء لا زالت تجري دافئة في عروقه، وبأن القدر كان رحيما بشبابه وحريصا على مساعدته لأداء رسالته في الحياة عندما تحركت قدماه وأخذ يتسلق تلك المرتفعات للوصول إلى ذلك البناء الضخم المنتصب أمامه، إلى ذلك الجسر الشاهق الذي حلق من مطارده منذ لحظات !
وبعد عشر دقائق وصل إلى هناك فلم ير أي إنسان، بل وجد نفسه عند نهاية منعطف مائل طويل ووجد نفسه على بعد مائتي متر من نقطة بداية التدهور !
والتفت خلفه، وأطلق بصره نحو عمق يتجاوز العشرين مترا، فرأى سيارته راسخة هناك وكأنها صخرة رمادية ملساء من صخور الوادي العتيقة! ورأى المياه المندفعة تنفلت من أمامها وخلفها لتواصل جريانها غير عابئة بما يقع في العالم من أحداث !
وابتعد عن الجسر، واستأنف سيره بخطوات وئيدة حائرة، وشعر بالفارق الكبير بين انطلاقة القريب الخاطف، وبين هاته الحركات البطيئة التي تقوم بها قدماه لطي الطريق !
وانتهى من قطع فرسخين كاملين عندما توقف عند النصب الكيلومتري الثامن بعد الأربعين، واخذ يلوح بيمينه للسيارات المارة كالبرق، دون أن يتفضل أي واحد من أربابها بالوقوف، كأنهم جميعهم رجال مطافئ يسارعون لإخماد ما استفحل من لهيب النيران !
ولم تنفتح شفتاه عن كلمة واحدة بعد ما أخذ مكانه بمقعد سيارة نقل عمومية، وإنما كان مستغرقا في تفكير متواصل الحلقات، التفكير في تلك النهاية التي تنسج الأطماع والأغراض حجابا سميكا بينها وبين الكثيرين فيندفعون في طريق الاستبداد والطغيان ليذيقوا إخوانهم ألوانا من الموت، وألوانا من القمع وأوانا من العذاب؛ التفكير في تلك اللمحة الفاصلة بين عالمين، في تلك الثواني المعدودة التي تحول الإنسان من القوة الطافحة إلى جثة هامدة، فاقدة كل حركة، وفاقدة كل وعي، ومحاطة بسكون أبدي مهيب.
وفي صباح الغد غادر الفندق : وسار في شوارع الدار البيضاء، وبهره كل شيء فيهان وعاه الكثير مما شاهد إلى التأمل العميق في الماهيتين الحقيقيتين للوجود وما بعد الوجود، وجعل العشرات من علامات الاستفهام والتعجب ترتسم على صفحة وجهه، كأنه قدم لهذا العالم زوال أمس، وكأنه قدم إليه يافعا قادرا على خوض معركة البقاء، معركة دنيانا الحافلة بمختلف ضروب الصراع !
وطرق باب منزل أخ عزيز، وكان العناق طويلا، -كعناق شقيقين أبعدتهما عن بعضهما ظروف قاهرة مدة من الزمن- واعترت الدهشة رفيقه في العقيدة والكفاح عند سماعه لقصة حادثه الغريب !
..وامتطيا معا سيارة خاصة، وبعدما أخذ مكان القيادة لم يضغط هذه المرة بعنف على موزع الوقود –رغم براعته في السياقة ورغم وجوده في طريق مستقيمة خاصة بالذهاب- وإنما كان منطلقا باعتدال ظاهر!
ولم يلبث هذا الاعتدال أن أحدث بعض التضايق في نفس رفقيه، ولم يلبث صاحبنا أن شعر بهذا التضايق وأراد إلى تخفيفه بهذه العبارة : «يقولون : خير لك أن تصل إلى هدفك متأخرا من أن تصل إلى العالم المجهول قبل الأوان»، ونظر كل منهما إلى الآخر وارتسمت على شفاههما معا ابتسامة تحمل أكثر من معنى.
ووصلا ورجال الإنقاذ إلى مكان الواقعة، وجاءت شرطة الطريق، وبدأت السيارات تتوقف- يمينا وشمالا، وبدأ أصحابها يخفون لمعرفة عدد الضحايا وللاستفسار عن سر الحادث، كأنهم يريدون أن يتخذوا منه عظة وعبرة في عالم السياقة والسيارات.
وعلت علامات الدهشة وجوههم حين علموا بعدم وجود أي ضحية، وبأن راكب السيارة الوحيد لم يصب بأي سوء.
وكان من بين المتجمهرين مواطنون مغاربة وآخرون أجانب، وأصيبوا جميعهم بالكثير من الاستغراب، وأخذت أعينهم تنتقل في حيرة وشك بين الراكب السليم وبين السيارة القابعة عند قدمي ذلك الجسر العملاق.
وجعل شيخ مغربي حدا لهذه الحيرة، ولهذا الشك ولذلك الشدوه عندما قال : «حقا إنها لكرامة»، ورد عليه مرافقه الشاب : «بل إنها لمعجزة»!
واتجهوا نحوه وأحاطوا به ليمطروه بأسئلة مختلفة ولم يسعه إلا أن يقص كيف تحول فجأة من سائر فوق بساط الأرض على محلق في الفضاء !
وكان كل المتجمهرين على جانب كبير من اللطف اللباقة، كانوا يهنئونه بالنجاة ويتمنون له في حياته الجديدة أطيب المتمنيات.
ولقد خاطبه احد الفرنسيين عند مصافحته مهنئا : «يجب أن تجعل من نهار أمس عيد لميلادك الثاني، لقد رقص خلاله حظك رقصته التاريخية التي قلما يجود بها الدهر».
وردد يوناني موجها حديثه إلى كل الحاضرين : «لقد كان محقا في انطلاقه الكبير لأنه كان على موعد من الخطورة والأهمية بمكان، لقد كان موعدا مع الموت وشاءت إرادة السماء أن تجعل منه موعدا مع الحياة!».
وتوالت العبارات، وتعددت التأويلات، وكاد الإجماع يعتبر نجاته من موت محقق معجزة بعدما شاهدوا الطريق التي سلكتها السيارة أثناء التدهور، وأثناء التحليق وأثناء الاصطدام.
واستأذن المحيطين به بالانصراف عندما وقع بصره على أمريكي منهمك في قياس المسافة الفاصلة بين نقطة اختلال التوازن ونقطة الوقوع، وفي التقاط صور سينمائية للمنعرج وللجسر وللسلاسل الحديدية عند رفعها للسيارة من أعماق الوادي.
وبعد انتهاء عملية الانتشال، ترك مكان القياد لرفيقه، وبدأ المتجمهرون يتوجهون نحو سيارتهم زرافات ووحدانا.
وفي صباح الاثنين الباكر في طريقه إلى الرباط، وأحس بقشعريرة تسري في جميع ذرات جسمه عند عبور الحافلة لذلك الجسر الذي شاهد منذ يومين حادثة تكاد لغرابتها تعد أسطورة من الأساطير !
وأطرق قليلا في الموعد الإداري المحدد ليستأنف أعماله ونشاطه من جديد، وليواصل أداء رسالته في الحياة...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here