islamaumaroc

رسائل جامعية: الشعر المسرحي في المغرب حدوده-آفاقه.

  دعوة الحق

216 العدد

كان الأستاذ الشاعر حسن الطريبق قد تقدم برسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس وذلك في 18 ابريل المنصرم. وقد ناقشته لجنة تتألف من السادة الدكاترة : محمد الكتاني رئيسا ، وعباس الجراري مشرفا ، وحسن المنيعي عضوا ، ومحمد السرغيني عضوا ، وقررت اللجنة نجاح المرشح في دبلوم الدراسات العليا بميزة حسن .
كان موضوع الشعر المسرحي في المغرب قد شغلني كثيرا، وكنت أتطلع إلى دراسته باستفاضة واستقصاء قصد تشخيص حقيقته وتحديد أنواعه بكل تفرعاته ومشخصاته، ولقد جاءت صفتي كممارس للشعر المسرحي لتضيف إلى اهتمامي بهذا الموضوع إضافة أخرى ناتجة عن كوني أشكل طرفا فيه ، فتوثقت صلتي به أكثر، واكتسبت صفة وجدانية ترقى إلى مستوى العشق ، وهكذا اجتمعت الدوافع ـ رغم اختلافها ـ لتقوي من وشائج القربى بيني وبين الموضوع ، فأخذت أوليه اهتماما مضاعفا . على أن صفتي كطرف ، جعلتني أتردد ـ أحيانا ـ في اختيار هذا الموضوع كجزئية كافية  لان تدرس في نطاق رسالة جامعية قادرة على تشخيص ظاهرة شعرية مسرحية بكل تكاثفاتها ومستوياتها وقضاياها . لكنني كنت استطيع في الأخير اجتياز تـــــــرددي، و لاسيما عندما اطرح الجانب الآتي بعيدا عن الموضوع ، بالرغم من مشاركتي في تشكيل طرف فيه ، ذلك لان هذا هو ما كان يجب أن يكون ، إذ أن الذاتية ـ وان شكلت ما ذكرته ، ـ فإنها عند اضطلاع صاحبها بدراسة وفهم وتفسير نفس الموضوع ، تصير مدعاة إلى عدم إدراجها ضمن الدراسة بسبب ما لها من مشاركة . إذ متى كانت الذاتية تحديدا موضوعيا وتفسيرا معرفيا كاملا ? ومتى كانت المحصلة الإبداعية الشخصية، حقيقة علمية قد يكون تجنب العمل الذاتي في الموضوع المذكور ، نقصا ملحوظا ، لكن هذا النقص مقبول في اعتقادي إلا انه لاينال من القيمة الإجمالية للدراسة في تقنياتها المختلفة استقرائيا واستدلاليا معا ، ولقد حصلت تدراسات تأكد من خلال تقاليدها انه لا ضير أن يقف طموح الدارس دون الكشف عن قيمة كلية ثابتة ، ولا اقصد بالقيمة الكلية الثابتة ، ما  يتمخض عنه انطباع ذاتي صرف ، وإنما اقصد الكلية المبنية على استقراء علمي صادق لا انحياز فيه . فالمعالجة الصائبة للموضوع ، أي موضوع ، لا تعني عدم السكنى فيه وعدم المشاركة في قبض طرف صغير أو كبير من زمام إبداعه ، لهذا فإنني اقتحمت الموضوع بثقة لأجل الوفاء به والكشف عن ظاهرة شعرية مسرحية جديرة بالدراسة كجزئية جديدة لم  يسبق أن تناولها احد ، جزئيا أو كليا ، بدراسة أو عناية جادة . فالموضوع ، كما كانت أراه وما زلت أراه إلى الآن ، متشعب الجوانب يتألف من جنسين معقدين هما الشعر والمسرح ، وان علاقة هذين الجنسين ـ بالنظر إليهما في إطار التجربة الشعرية المسرحية العربية العامة ـ علاقة معقدة ذات أصول وخصوصيات مختلفة ، وهي بهذا تتطلب تناولا متعدد المستويات ، فوقفت عند هذه النقطة اقلبها على عدة وجوه ، لأحدد في ضوء ذلك الطريقة الملائمة للتناول، وبما أن هذا التحديد لم يكون ليقوم أبدا على تصور مجرد وجاهز الهيكل ، فإنني انكببت على تجميع الآثار  الشعرية المسرحية المغربية ودراستها بوعي وتقدير وكان انكبابي على ذلك يتطور باستمرار وتطرأ عليه متغيرات ناتجة عما تتمخض عنه قراءة الآثار الجديدة التي أقف عليها ، فكان ذلك هو الأساس في التصور الذي اعتمدته أخيرا . كانت القضية الأساسية عندي، هي قضية المنهج الذي اصب في محيطه المادة لتشريحها وتفسيرها وتحديد نتائجها وأحب أن أسجل بأن المنهج الذي تقيدت به هو المنهج الذي يقوم على الوصفية والتحليلية والفنية والتاريخية ، إيمانا مني بان التآزر بين ذلك سيساعد على تنظيم التناول ، ولا سيما في موضوع أدبي من النوع الذي تتقصده هذه الرسالة ، فهو موضوع يتطلب بحثا متشبعا فيه الشعر العمودي والتفعيلي والمنثور ، وفيه المسرح بتقنياته وشروطه وقيمه وقضاياه . موضوع من هذا القبيل يأخذ حيزه الطبيعي كبحث، ويأخذ وجهة الرصد النظري الذي لا بد له من جميع ما يجب أن يسانده من ممارسات تعتمد عليها وجهة الرصد هذه، في الدلالة على صحة الهوية. وانه ليس مجديا في مثل هذه المواضيع ـ عندي ـ أن يذهب الدارس إلى التوسل بمنهج آخر قد يكون مازال خاضعا للتجريب ولم يفصح عن تنقلاته الناجحة بحكم خضوعه للتجريب. وبين النجاح والتجريب مسافة لا بد من تقديرها لكي لا يكون ما يمكن أن يجعلها مانعة وحائلة دون خلق ظروف الزواج الشرعي المثالي بين التجريب والنجاح. فالعبرة في الدارسات الجامعية بالتركيز المنهج السليم، وبالاستيفاء والتقصي في المجتمع والتناول، وفي التنظيم والتجديد. لكن أي  تجديد؟ هل هو التجديد المتحلل من كل اعتبار؟ ، الجواب: لا، لان التجديد المطلوب هو إضافة شيء جديد للمباحث الأدبية والإنسانية. إن التبويبات التي توجد في الرسالة خضعت لاستبدالات وترتيبات متعددة ، ذلك أنني اضطررت إلى تقديم فصول وتأخير فصول أخرى ، تبعا لما يستجد من أمر أثناء البحث والتنقيب ، وتبعا لما تسفر عنه جلساتي مع أستاذي الدكتور المشرف من ملاحظات وتوجيهات وتقويمات سديدة استفدت منها استفادة جمة انعكست على عملي وصوبت ما به من نقص . إن الموضوع ، بطبيعة مواده وتشعباته ، كان « بوصلة » تقتضي مني توجيهات أراها لازمة ، ولكنها لا تخرج عن مدار الوصفية والتحليلية والفنية والتاريخية . ولئن كانت هناك تداخلات وتقاربات يستعصي معها التحديد النهائي لبعض هذه المصطلحات المنهجية ، ولاسيما بالنسبة إلى« الوصفية » و « التاريخية » ، فان عناصر التلاقي بين هذه التداخلات والتقاربات موجودة باستمرار ، وهي عناصر تتبادل أماكنها ،  بل وأكثر ، فإنها تتأثر ـ ولابد ـ بالنزعة الانطباعية التي لا يمكن أن تتعفى وتزول أثناء رحلة البحث . على أن تصور الدلالة كما تنطبع في النفس ، لا يغلق الباب على الاجتهادات 
التي تتعمق في شكل دلالات مغايرة مخالفة، ومعنى هذا أن « المرونة » موجودة في الفهم والتفسير لتلك المصطلحات ودلالاتها المنهجية، ثم إن الثائر النسبي والجزئي بما يطرأ ويروج من مستجدات منهجية بعوالم الكتابة ، موجودة أيضا ، وان كان يخضع لمخاض خصوصي . وأحب هنا أن اعترف باني تجشمت متاعب كبيرة في جمع مواد هذه الرسالة ، فالكثير من النصوص غير منشور ولم احصل عليه إلا بشق الأنفس ، واعترف بان الشاعر احمد بنميمون هو الوحيد الذي أمدني مشكورا بمسرحياته الأربع . أما باقي الشعراء العشرين، فقد حصلت على مسرحياتهم ولوحاتهم الشعرية بوسائلي الخاصة، وان الكثير من هذه المسرحيات واللوحات كان إما مخطوطا وإما منشورا في مجلات وجرائد تحجبت وغابت عن الميدان منذ أكثر من عقدين مثل : « الأنيس » و« الأنوار » و«النهار» و «رسالة المغرب» و«صحراء المغرب» . الخ  كانت عملية الجمع متعبة ، وقد كلفتني سفريات كثيرة ، وان هذا هو السبب الذي تحكم في سير الدراسة وفي تصورها وفي الكثير من الاستبدالات والترتيبات التي طرأت وتغير بها التبويب الأول للرسالة . لقد وضعت تمهيدا طرحت فيه التجربة المسرحية الشعرية والنثرية بالمغرب مع نظرة عن المنهج الذي تقيدت به وعن سير الدراسة وعن المساعدة الجمة والمشكورة التي وجدتها من السيد الدكتور المشرف . ووضعت كذلك مدخلا مؤلفا من ثلاثة مباحث عن الشعر المسرحي عند الغرب وتقويمات بمراحله الثلاث التي حددتها له ، وأوردت مجملا يضم أكثر من مائتي مسرحية شعرية عربية تخص هذه المراحل الثلاث ، وعن الشعر المغربي الحديث في تطوره إلى غاية ظهور الشعر المسرحي المغربي ، مع تناول مفصل لهذا الأخير .ثم وضعت بابين اثنين ن الباب الأول يتناول المسرحيات التاريخية ذات الأبعاد القومية الوطنية . أما المبحث الثاني فيتناول المسرحيات التاريخية ذات الاستهواءات العاطفية الذاتية .  في الفصل الثاني يتركز الاهتمام على المسرحيات الغنائية ، وهو أيضا يتألف من مبحثين : البحث الأول يتعلق بالمسرحيات الغنائية ذات الاستهواءات الوطنية ، أما المبحث الثاني ، فيقتر على المسرحيات الغنائية ذات الارتباط بالتجارب الشخصية العاطفية . وفي الفصل الثالث، يرتكز الاهتمام على المسرحيات السياسية، ويتألف من ثلاثة مباحث، في المبحث الأول يقتصر التناول على المسرحيات الإيديولوجية. وفي الثاني، يقتصر التناول على المسرحيات المرتبطة ببعض المواقف والأحداث، وفي الثالث يتركز الحديث على المسرحيات ذات النكهة القومية. الباب الثاني، ويتناول الشكل الفني، ويتألف من فصلين وخاتمة ومبحثين. في الفصل الأول : تتسلط العناية بتركيز وتدقيق على اللغة وفنية التعبير المسرحي . وفي الفصل الثاني ينحصر التناول على دراسة الأوزان الشعرية في جميع مستوياتها وتغيراتها وأحوالها في ضوء ما ثمتله من تقيد أو عدمه  بقواعد العروض بالنسبة للمسرحيات العمودية ، وفي ضوء المستجدات التفعلية أو « الجزئية » ـ بتسميتها العربية الصحيحة ـ بالنسبة للمسرحيات واللوحات التفعلية . ولم اقتصر في ذلك على هذا المنحى التقني ، وإنما تجاوزته إلى دراسة تعدد البحور في هذه المسرحية أو تلك ، وعلاقة هذا التعدد وذاك الاستخدام لهذا البحر أو ذاك بما تقتضيه المواقف الدرامية وما يتلاءم أو لا يتلاءم مع الحوار ومع مجموع الموقف المسرحي في بنائه وترسله وواقع المطلوب . أما الخاتمة المؤلفة من مبحثين، فيقتصر التناول على القضايا المثارة في المسرحيات الشعرية المغربية وعلى حدود التجربة الشعرية المسرحية وآفاقها في المغرب. وتنتهي الرسالة في ترجها المنهجي بالمصادر والمراجع التي خضعت لترتيب أبجدي على مألوف العادة. إن التطبع قد يغلب الطبيعة في كثير من الأحيان، ولعل هذا التغلب قد جر على بعض الأخطاء  المتعددة التي فرضها شيوع الاستعمال بين الناس ، واقصد بالخصوص بعض الاستعمالات لمفردات على غير سلامتها مثل التمفصل عوض الانفصال ، والملفت عوض اللافت ، والمعطيات عوض النتائج ، والتمرحل عوض التطور المرحلي الخ . كما إن بعض أخطاء الطبع قد حاولت تداركها أو استطعت تقويم بعضها، لكنني تركت الباقي، يقينا بأن السادة أعضاء اللجنة بما هم عليه من سعة علم وتجربة سوف يتفطنون إلى ذلك. فإذا كان الشاعر العربي القديم يقول:
ولم أر في عيوب الناس شيئا 
             كنقص القادرين على التمام
فإنني، وأنا الذي لا أرى نفسي قادرا أحس  بوجود نقص مضاعف في عملي بالرغم من الجهد الذي صرفته . لهذا فإنني لا أتصور أن عملي سيكتمل وسيكتسب ما يغتني به من جدية وبصارة وسداد ، من أساتذتي الآجلة الذين استفدت من دروسهم أثناء فترة التلمذة ، وسأستفيد من توجيهاتهم الآن ، كما ساستفيذ منهم غدا . إنني لأجدد شكري  للسيد الدكتور المشرف وللسادة أعضاء اللجنة واشكر هذه الكلية الزاهرة وعمادتها وأساتذتها ، كما اشكر جميع الزملاء الذين ساعدوني في انجاز هذا العمل وشكرا .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here